ويسألونك عن الإرهاب

16/10/2019 10:03


محمد حافظ

بعد انهزام أبي عبدالله، آخر الملوك المسلمين، فى عام 1492 بسقوط مدينة غرناطة، آخر معاقل الإسلام في الأندلس، أمام الجيش الصليبي بقيادة الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، وقد نقضا معاهدة وقعا عليها تنص على احترام عقائد المسلمين، فاتخذا قراراً بطرد اليهود من الأندلس «اعترف به واعتذر عنه الملك خوان كارلوس بعد مرور أربعة قرون»، أما المسلمون فقد خُيِّروا بين التنصير والقتل.

لقد سفكت دماء آلاف المسلمين بلا جريرة، ذنبهم الوحيد أنهم رفضوا التنصير { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}، حُصدت رؤوسهم جميعًا حصدًا رجالاً ونساء وأطفالاً، وخشية القتل اعتنق كثيرمن المسلمين المسيحية، وإمعانًا في إهانة وتحقير هؤلاء المتنصرين تم إطلاق اسم « الموريسكوس» عليهم -لفظ إسباني يعني الإهانة والتحقير -.

 

أما شبعتم بعدُ من دمائنا؟

لم يكن إكراه المسلمين على اعتناق المسيحية سوى قطرة من بحر العذاب الذي سيعيشونه،على الرغم من تخليهم عن دينهم في سبيل إرضاء هؤلاء الإرهابيين، إلا أنهم اتخذوا إجراءات مشددة متتالية؛ بهدف الذوبان في المسيحية وذلك عن طريق التضييق والقمع والإفقار وإفناء الثقافة والعادات الإسلامية تمامًا، وتجريف عقولهم وأذهانهم من كل ما يمت للإسلام بصلة؛ ما عزى لتمرد من تنصَّروا أكثر من مرة، ثم لُوحظ أن كثيرًا ممن تنصروا لايزالون يمارسون إقامة شعائرهم الإسلامية سرًا.

هنا ازداد الأمر تعقيدًا، فالمتنصرون قانونيًا مسيحيون كاثوليكيون كبقية الإسبان، لكنهم عمليًّا مسلمون سراً؛ ما أنذر بإمكانية تعليم أبنائهم قيم ومبادئ إسلامية، وسوف ينتج عن هذا أجيال جديدة من المسلمين تكون وبالًا على المملكة الكاثوليكية بعد ذلك.

إضافةً إلى الشكوك التى كانت تحوم فى الكنيسة حول صحة عقائد من تنصَّروا فهل يقبلهم المسيح أم أنهم سيظلون خارج مرعى الإيمان؟!

حينئذ برزت شخصية غريبة الأطوار غامضة المعالم الذهنية، لعبت دورًا محوريًا فى تطور الأحداث، إنه الراهب الإرهابي «بليدا».

 

تفتق ذهن الشيطان عن الراهب بليدا

«بليدا»: راهب من طائفة الدومينيكان، وبحسب زعمهم اشتهر عنه الورع والتقوى والحرص المبالغ فيه لدرجة التطرف على نقاء العقيدة الكاثوليكية، بعد تفكير طويل، هداه شيطانه إلى أنه من الاستحالة معرفة الكنيسة قطعًا ما إذا كان المتنصرون حقًا مؤمنين بالمسيح، أم يتظاهرون بالمسيحية خشية الموت، فلا بد من عرض هؤلاء المتنصرين على المسيح؛ حتى يقرر بنفسه ما إذا كانوا مؤمنين بالمسيح حقًا مخلصين له فى إيمانهم به فعلًا أم منافقين، والعرض على المسيح لا يكون إلا في يوم الدينونة

«القيامة»، أي بموتهم.

كان اقتراح الشيطان الملقب زورًا بالراهب بليدا، قتل من تنصَّروا جميعاً فورًا وبذلك تعرج أرواحهم بعد الموت إلى المسيح؛ ليقضى فى إيمانهم بالصحة من عدمه.

أي شريعة ودين وعقل بل أي إنسانية فضلًا عن تشريع إلهي يدعو إلى قتل الناس حتى ولو ادعوا زورًا أنهم يعتقدون بما تعتقد خوفًا من الموت أو رفضوا اعتقادك كليًّا، من أعطاك الحق لهذا، أم أنك نصبت نفسك إلهًا { أحي وأميت} هل تملك تفويضًا إلهيًّا بهذا، أم أنك كما تقولون ظل الله في الأرض.

هؤلاء هم المتكلمون باسم الرب، لطالما حرَّفوا وزيَّفوا وأوَّلوا النصوص بما يناقضها، وتجرأوا حتى على الله.

 

تحمست الكنيسة الكاثوليكية، فأبدت موافقتها على خطة الراهب الإرهابي بليدا، وكان القساوسة رجال الرب قد استحدوا مُداهم وسيوفهم ونصبوا المقاصل، وأصبحوا على جاهزية لقتل مئات الألوف ممن تنصَّروا تقربا إلى الرب، وتحفزًا منهم على نقاء العقيدة الكاثوليكية!، لم يرحموا حتى من وافقهم فتخيل ماذا فعلوا بمن خالفهم.

لكن السلطات الإسبانية عارضت قتل هذه الأعداد الضخمة من المتنصرين؛ خوفًاً من مقاومتهم التى قد تؤدى إلى إرهاق السلطات الإسبانية.

قررت الحكومة عندئذ طرد من تنصَّروا نهائيًّا من إسبانيا، وأبدى الراهب بليدا قبوله بهذا الحل، على الرغم من أنه يرى أن القتل الفورى أفضل، وقد تناول المؤرخ الفرنسى جوستاف لوبون (1841- 1931) فى كتابه «حضارة العرب» وصف هذا الحدث فكتب:

«الحكومة الإسبانية فى عام 1610، أمرت بإجلاء العرب عن إسبانيا، فتم قتل أكثر مهاجري العرب في الطريق، وأبدى ذلك الراهب الإرهابي بليدا سعادته لقتل 75 % من هؤلاء المهاجرين أثناء تهجيرهم، وهو من قتل 100000 مهاجر من قافلة واحدة كانت مكونة من 140000 مهاجر مسلم، عندما كانت متجهةً إلى أفريقيا».

فبعد أن هيَّأ لهم طريقًا آمنًا للخروج، قتلهم في الطريق أثناء خروجهم، ألا يذكّرك هذا بشيء؟

وهنا سؤال يطرح نفسه: كيف يوافق رجل دين مسيحي على قتل كل هؤلاء الأبرياء لمجرد أنهم مختلفون معه فى العقيدة دون أن يخالجه أدنى إحساس بالذنب.

كيف يجتمع الإيمان بالمسيح، الذى علم الإنسانية كلها السلام والمحبة، مع هذا السعار الدموى الذى أظهره الراهب الإرهابي بليدا في جسدٍ واحد.. الإجابة أن الإيمان بأى ديانة لا يجعلنا بالضرورة أكثر إنسانية من غيرنا، فما يحدد سلوكنا هو طريقة فهمنا للنصوص الدينية لهذه الديانة، مدى فهمنا لهذه النصوص هو ما يعلمنا التسامح والعدل والرحمة، وهو أيضًا ما قد يدفعنا إلى التعصب والكراهية والعدوان.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق