المحلل الأقتصادى جمال غيطلس ..يكتب: سد النهضة والديون .. واستقلال الوطن وسلامته

07/10/2019 08:37


جمال غيطاس

أيا ما كانت طبيعة اداء واجتهاد وسلوك السلطة القائمة منذ يوليو 2013 وحتي الآن، فإن كل ما جري خلال هذه السنوات يمكن أن يخضع للنقاش والجدل حوله، قبولا ورفضا، وتقليبه علي أي وجه من الوجوه، فيما عدا قضيتين تؤكد حقائق الواقع المحض أنهما وصلتا إلي مرحلة الأزمة الخانقة، بغض النظر عن الموقف من السلطة.

 

الأولي هي الديون الخارجية التي قفزت من حوالي 45 مليار دولار في 2013 إلي ما يناهز 110 مليار دولار في 2019 بحسب بيانات البنك المركزي، وهي أزمة جعلت اكثر من نصف الناتج المحلي الاجمالي ـ بحسب بيانات البنك المركزي ايضا ـ مخصصة لخدمة الدين الخارجي، "أقساط ـ فوائد ـ غرامات تأخير".

 

يعني ذلك أن نصف العائد المحقق من جميع المشروعات التنموية الجارية، خلال هذه السنوات وما قبلها، بات يذهب لخدمة الدائنين، وفي ظل قصور الموارد المتاحة، لم يعد هناك مفر من الإقدام علي مزيد من الاستدانة للمساعدة في تدبير نقص الموارد اللازمة لعمليات التنمية وخدمة الدين معا.

 

ترجمة ذلك عمليا أن الاقتصاد الوطني انتقل من مرحلة "ضغوط الدين"، إلي "مصيدة الدين"، والفرق بينهما أن الضغوط تعنى الاضطرار لتحمل اعباء ثقيلة من اجل خدمة الدين، لكن المصيدة تعني الانجرار الي مزيد من الديون الجديدة للمساعدة في خدمة الديون القديمة، وهذا ما يجعل من الأمر أزمة وطنية، لا ازمة حكومة أو سلطة، لأن الديون معلقة في رقبة الشعب ومستقبل الوطن بكامله.

 

القضية الثانية هي قضية سد النهضة، التي وصلت إلي طريق مسدود، وانتقل بها الوطن بكامله من وضع "الضرر" إلي "مهب الريح"، فخلال السنوات السابقة، كان الأمر مجرد أزمة ضاغطة تحمل في طياتها ضررا متوقعا

علي الوطن، لكن بوصولها إلي النقطة البائسة التي وصلت إليها الآن، أصبح الأمر يتعلق بوضع وطن يتجه للدخول في " مهب الريح"، لكونه يواجه احتمالا يقترب من اليقين، بتراجع حصته من المياه، بقدر يعادل في أقل التقديرات ما يتم استهلاكه فى اكثر من مليون فدان من الأراضي الزراعية سنويا، وتأثيرات قاسية أخري عديدة، ما يعني سلسلة تداعيات، لن يفلت منها احد بالبلاد، حاكم أو محكوم، أو زرع أو حيوان.

 

في ضوء ما سبق، يمكن القول أن القضيتين تضعان استقلال الوطن وسلامته علي المحك، إذ لا منطق ولا عقل يمكنه القبول بأن استقلال الوطن في حالة كاملة غير منقوصة، بينما هو داخل مصيدة الديون أو في طريقه إليها، ولا منطق ولا عقل يمكنه القبول بأن استقلال الوطن في حالة كاملة غير منقوصة، بينما هو مهدد بالعطش.

 

ومادام الأمر قد وصل إلي تهديد استقلال الوطن وسلامته، فمن المتعين إجراء مراجعة، تعلو بقوة فوق الخلاف حول طبيعة الحكم، ومنهج الحكم، وهوية من يحكمون، وتحاول الوصول إلي قرار وطني بكل ما تعنيه كلمة وطني حرفيا، وما تتضمنه من قيم المشاركة والانفتاح والتكاتف، وما تتطلبه من التصرف بقدر عال من المسئولية من قيل الجميع، من يحكم ومن يؤيد ومن يختلف ومن يعارض.

 

هذه المراجعة، وما تفرضه من نقلات وتغييرات جوهرية، ستسمح باستثمار كل ما بالدولة المصرية وما في الوطن من قدرات، ظاهرة وكامنة، فاعلة ومهمشة، وهذا من شأنه أن يقودنا جميعا إلي أداء احترافي كفء في التعامل مع هاتين القضيتين، ويرفع فرصتنا فى مواجهة وعبور ما تشكلانه من تحديات ومخاطر هائلة، فهكذا تدار معارك الاستقلال الوطني، وما دون ذلك عبث ومضيعة للوقت الذي لم نعد نملك منه الكثير.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق