البروفسيور التيجاني عبد القادر حامد..يكتب: المأزق الاقتصادي: من هنا نبدأ (1)

04/09/2019 04:48

استمعت فبل قليل الى أول مقابلة تلفزيونية مع رئيس وزراء السودان الجديد (د. عبد الله حمدوك). أجرى المقابلة الصحفي المقتدر فيصل محمد صالح، حيث طرح بلباقة أكثر الأسئلة إلحاحا، وحيث أجاب عليها الدكتور حمدوك إجابة تدل على ثقة بالنفس، ووضوح في الأفكار، مع استرجاع متكرر للتجارب التنموية الناجحة (التجربة الأثيوبية على وجه الخصوص)، ومع قدر من التفاؤل والأمل. الذي أهمني في المقابلة حديثه عن الأزمة الاقتصادية، وتأكيده بأن نقطة البداية تكون بإيقاف الحروب الأهلية، ثم العمل الجاد لبناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج وليس على الهبات، ودعوته من ثم لتوجيه كل الطاقات الى الإنتاج، وإلحاحه على ضرورة أن نتخذ قرارا بألا نصدر أي منتج خام، وذلك لكي نمهد الطريق للصناعة الوطنية. إن مثل هذا الحديث الوطني الجاد يستحق أن يقابل بحديث جاد مثله، لكي نتمكن معا من الخروج من النفق.

ألاحظ أن كثيرا من عامة السودانيين يرددون، في مجال التفاؤل والاعتزاز الوطني، أن السودان "غنى" بموارده الطبيعية، وأنه لولا فساد الساسة وسوء الإدارة لاستطاع أن يحقق نهضة اقتصادية تفوق ما حققته بعض دول الجوار. والعبارة في مجملها صحيحة، رغم ما بها من "خلط" في مفاهيم الاقتصاد واغفال لشروط النهضة. إن ابجديات الاقتصاد تبدأ بالتفرقة الضرورية بين المصادر الطبيعية والموارد الاقتصادية والسلع. فالمصادر الطبيعية Natural resources يقصد بها الأشياء والعناصر التي توجد في البيئة على حالتها الطبيعية، هبة من الله، دون جهد أو تدخل من الانسان، وذلك مثل المياه والغابات والحيوانات والمعادن والجبال والتربة. وقد يكون بعضها متجددا وبعضها غير متجدد. أما حينما يتدخل الانسان ويقوم بمعالجة هذه الأشياء الطبيعية (تخزينا أو توليدا أو توليفا، أو تصنيعا، الخ) فإنها حينئذ تتحول من "مصادر" الى "موارد". والإنسان عادة لا ينتفع بأشياء الطبيعة الا بعد أن يقوم "بعمل" يحول به مصادر الطبيعة الى موارد، ثم يحول الموارد الى منتوجات (وغنى عن الذكر أن عمليات "التحويل" هذه تحتاج الى علوم وتكنلوجيا وتخطيط وإدارة). وهذا النوع من النشاط البشرى هو ما يسمى "اقتصادا". مما يعنى أن بلدا ما (كالسودان) قد يكون غنيا من حيث المصادر الطبيعية، ولكنه فقير لعدم قدرته على تحويل تلك المصادر الى موارد، ثم تحويل تلك الموارد الى منتوجات وسلع. (مثال: كمية كبيرة من المياه (مصادر)، نقوم بالتحكم في مجاريها وتخزينها فتتحول الى (موارد)، نقوم بتصنيعها فتتحول الى منتج (كهرباء

مثلا)

وكما أن الطبيعة مركبة من أشياء وعناصر مختلفة، فان الانسان أيضا مركب من حاجات متنوعة، ولا يستطيع أن يشبع حاجاته تلك الا بنوع من التفاعل مع الطبيعة. هذا التفاعل هو ما يشير اليه الاقتصاديون بمفهومي الإنتاج والاستهلاك، فالإنسان لكي يحافظ على حياته لابد أن يستهلك أشياء الطبيعة، ولكن نسبة لأن حاجاته متنوعة ومتجددة فلا سبيل أمامه الا أن ينتج، وهذا هو معنى قولهم بأن الاقتصاد استهلاك وانتاج.

ولكن "اقتصاد الإنتاج" يختلف عن "اقتصاد الاستهلاك". الأول يعمل من أجل تغطية حاجات الانسان، أما الثاني فيعمل على خلق (حاجات جديدة) للإنسان واقناعه بأهميتها، ولذلك تكثر فيه الدعاية والترويج، واستهداف شرائح معينة في المجتمع، وتشكيل "أذواق"، وترويج "موضات"، وخلق ثقافة.

ما المشكلة إذن؟ لا توجد مشكلة كبيرة لدى الدول الصناعية الكبرى، إذ أن البنية الإنتاجية-الصناعية فيها قد بلغت مرحلة من القوة والنضج بحيث تستطيع أن تلبى حاجات الانسان مهما تجددت وتنوعت. أما في حالتنا نحن الدول النامية الفقيرة فإن عجلة الإنتاج تعجز (لأسباب كثيرة) عن اللحاق بقطار الاستهلاك، مما يجعل الفجوة تتسع باطراد بين مجمل ما ينتج المجتمع ومجمل ما يستهلك. وفى هذه الحالة ستضطر الدولة إما الى الاستدانة (من الدول الصديقة، على علاتها!) أو من صندوق النقد الدولي، على علاته، وبالشروط التي يضعها (مع ما في ذلك من صعوبات ومخاطر)، وإما الى التمويل بالعجز (عن طريق طباعة النقود، مع ما في ذلك من تضخم تتحمل أعباءه الشرائح الضعيفة)، وإما الى اتباع سياسة الاعتماد على الذات؛ أي تحويل معظم العائدات العامة ومدخرات المواطنين الى قطاع الإنتاج، مع التضييق الشديد على اقتصاد الاستهلاك (مع ما يلزم من دعوة للتقشف، وشد الأحزمة على البطون، وتخفيض الأجور، والحد من مطالب العمال والموظفين، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر سياسية وأمنية تهدد وجود الدولة ذاتها، ما لم تكن لها حاضنة سياسية منيعة)

وهكذا يمكنك أن تلاحظ ما نحن فيه من مأزق، وهو المأزق ذاته الذي فجر هذه الثورة، وجاء بالدكتور عبد الله حمدوك لقيادة حكومتها. لكن الغريب في الأمر أن العامة من الناس الذين قاموا بهذه الثورة، وفصائل من قوى الحرية والتغيير، لا يحبون أيا من هذه الخيارات الصعبة، ولا يريدون من الدكتور عبد الله حمدوك أن يسير فيها، ولكنهم مع ذلك يتوقعون منه حلا للأزمة الاقتصادية! ولا قوة الا بالله. (نواصل)



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق