تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر السياسى حازم حسنى..يكتب: فى معنى الانقلاب وصوره

01/09/2019 06:26


د. حازم حسنى

فاجأ رئيس الوزراء البريطانى الجديد بوريس جونسون كل السياسيين البريطانيين - حتى أولئك الذين ينتمون لحزبه ويشاركونه الرغبة فى مغادرة الاتحاد الأوروبى - بطلب تقدم به إلى ملكة بريطانيا لتعليق عمل البرلمان ...

ولم يكن طلب الإذن من الملكة فى ذاته هو سبب المفاجأة، فهو إجراء روتينى شكلى لا تملك الملكة ألا تلبيته - اللهم إلا استثناءً فى سابقة لم تحدث من قبل، وهذه المرة لم تكن استثناءً - خاصة أن الطلب الذى قدمه جونسون للملكة قد جاء مستوفياً شروطه القانونية، لكن اللجوء إليه فى المناخ السياسى الذى تعيشه المملكة المتحدة هذه الأيام إنما يعنى أن ثمة إرادة لرئيس الوزراء لحرمان أعضاء البرلمان من حق المناقشة المستفيضة لخطته التى تستهدف الخروج من الاتحاد الأوروبى فى الحادى والثلاثين من أكتوبر القادم ولو بغير اتفاق مع الاتحاد !

 

قطاع عريض من الساسة البريطانيين اعتبروا هذا الإجراء - فى هذا التوقيت وفى هذا السياق - بمثابة مصادرة لحقوق الشعب البريطانى الديمقراطية ! ... بعض الساسة ذهبوا إلى حد اتهام جونسون بانتهاك الدستور (رغم أن بريطانيا لا تملك دستوراً مكتوباً)، وبعضهم الآخر ذهب إلى أبعد من ذلك متهماً جونسون بأن ما فعله هو "انقلاب دستورى"، بل إن بعض أعضاء البرلمان يرون عدم إضاعة الوقت القصير الذى تبقى أمامهم فى مناقشة خطة الخروج، وإنما الإسراع إلى سحب الثقة من وزارة جونسون، ومن ثم الدعوة لانتخابات مبكرة قبل الموعد المحدد لمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبى بالطريقة التى يرغب فيها جونسون !

 

لا تعنينى فى هذه القصة كلها إلا تهمة "الانقلاب الدستورى" الموجهة لبوريس جونسون، إذ أتعجب من حديث بعض الفرق السياسية فى بلادنا عن الانقلابات وكأنها لا تكون إلا انقلابات الجيوش على حكومات غير عسكرية، متناسين أن للانقلابات صوراً وأشكالاً أخرى كثيرة، بعضها يقوم به غير العسكريين على بعضهم البعض، وبعضها الآخر قد

يقوم به غير العسكريين هؤلاء على الجيش نفسه بمساعدة فريق من القادة العسكريين من داخل الجيش !

 

من يقرأون التاريخ جيداً يعرفون أن خطر الانقلابات التى يقوم بها غير العسكريين، أياً كانت صورتها، قد تكون أكثر خطراً وأعمق أثراً على بنية ومسارات الدولة، وربما أيضاً على بنية وعقيدة قواتها المسلحة، من تلك التى يقوم بها العسكريون على بعضهم البعض، أو تلك التى يقوم بها الجيش على الحياة المدنية، خاصة إذا ما وجد الانقلاب غير العسكرى منطق تمريره فى نصوص القانون بعيداً عن السياق السياسى والتاريخى الذى تُستدعَى فيه هذه النصوص !

 

لا أكتب هذا تقليلاً من خطر الانقلابات العسكرية كما سيذهب يقيناً لهذا الاستنتاج الأخرق بعض ضامرى العقول، أو بعض مضمرى النوايا غير السوية؛ فكل الانقلابات لها خطورتها، تعاظمت هذه الخطورة أو تواضعت؛ وإنما أكتب هذا فقط كى نغادر كهف الأوهام الذى نقبع فى جوفه، وكى نرى الانقلابات على حقيقتها أياً كانت صورتها التى تعلن بها عن نفسها، فلا يُخفِى انقلاب سوأته وراء سوأة غيره، أو كأن بعض الانقلابات لا سوأة لها لمجرد أنها انقلابات سياسية، أو دستورية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو فى أى صورة جاء بها الانقلاب غير الصورة العسكرية !

 

لنتذكر فقط أن مصر لم تعرف عبر تاريخها الطويل الانقلابات العسكرية وحدها، وإنما كان أكثر ما عرفت من الانقلابات هو الانقلابات غير العسكرية، هذا إذا كنا نقرأ التاريخ قراءة سوية تسعى إلى المعرفة، لا قراءة معوجة ترى الخطر فقط إن هو جاء مصحوباً بصخب جنازير الدبابات، ولا تراه إن هو جاء متنكراً فى صورة مدنية، أو شبه مدنية، أو عبر صناديق الاقتراع الانقلابية، وفى هذا حديث يطول ...حتى اسألوا بريطانيا العظمى، واسألوا رئيس وزرائها المتشبث بشرعية الصندوق الذى اختار "البريكست"، مبرراً بهذه الشرعية انقلابه الدستورى على منطق الحياة الديمقراطية فى أعرق ديمقراطيات العالم !!

 

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق