تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: أزمة الدولة المصرية ومتلازمة الشارع المظلم

29/08/2019 03:43


د. حازم حسنى

أخطر الآفات التى يمكن أن تصيب أى دولة هى أن تبحث عن مخرج لها من أزمتها، أو عن حلول لمشاكلها المزمنة، دون أى رابط موضوعى بين آليات البحث ومنهجيته وبين طبيعة الأزمة أو أعراض المشاكل التى تبحث لها هذه الدولة عن حلول تناسبها ! ...

تماماً كصاحب الجنيهات التى ضاعت فى الشارع المظلم فذهب يبحث عنها فى الشارع الذى تحفه القناديل، هكذا تفعل الدول المأزومة التى تخشى مواجهة أسباب أزمتها فى الخرائب والأزقة المهجورة التى ضاعت فيها عناصر قوة واستقرار الدولة : ربما لأنها دول لم تعد تملك القناديل التى تساعدها على البحث، أو - ربما - لأنها وهى بصدد البحث عن المخرج قد صارت تخشى أن تفاجئها نداهة الماضى الذى يسكن هذه الخرائب، أو لأنها صارت تخشى أن تتعقبها عفاريت هذا الماضى التى تجوب هذه الأزقة المهجورة !

 

متلازمة الشارع المظلم هذه، أو ما يمكن أن نطلق عليها هذه الصفة، صارت تتحكم فى آليات تفكير السواد الأعظم من المصريين؛ فهم يخشون طرح الأسئلة الصعبة التى تستدعى أشباح الشوارع المظلمة، وبفضلون عليها الإجابات السهلة حتى وإن لم تكن لها علاقة بأى أسئلة تطرحها الأزمة التى تطحن عظام الدولة المصرية ! ... لذا نرى آلة الحكم فى مصر وهى تسارع دوماً لاعتماد الحلول التى تصادف أربابها فى الشوارع المضيئة، وتتجنب دائماً البحث عن أية حلول قد تلجئ أرباب الحكم إلى التورط مع ما يجهلون طبيعته مما تخفيه الشوارع المظلمة !

 

يتساوى فى هذا الهروب من خرائب الشوارع المظلمة وأزقتها المهجورة كل من يتعاقبون على حكم مصر دون استثناء، والفارق الوحيد بينهم هو فى نوع القناديل التى يفضل أرباب الحكم فى هذا العهد أو ذاك أن يلجأوا إلى شوارعها بحثاً عما ضاع من الدولة المصرية فى الشوارع المظلمة ! ... لكن الكل يريد أن يطوى النسيان هذه الشوارع التى ضاعت فيها أسباب قوة وازدهار واستقرار الدولة المصرية، أو هو يريد هذا الكل أن يسيطر على قلوب وعقول المصريين خوف فطرى من استدعاء سيرة هذه الشوارع المعتمة؛ فعفاريت الشوارع المظلمة نائمة، كما يشاع عنها، ولعن الله كل متحذلق يطرح من الأسئلة الصعبة ما يوقظها !

 

------------------------------

 

للحكم على أى مشروع، ومنها مشاريع الحكم، هناك معياران حاكمان لكل المعايير الأخرى التى تتفرع عنهما : أولهما هو أن يتصدى هذا المشروع لتحقيق الهدف الصحيح، وثانيهما هو أن يتم هذا المشروع بالطريقة الصحيحة ... كل ما عدا هذين المعيارين مما يتفرع عنهما هو مجرد تفاصيل؛ فهل وضع أى نظام لحكم مصر خلال القرن المنصرم، أى منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى الآن، أهدافاً صحيحة للدولة المصرية؟ وإذا افترضنا أن بعض أنظمة الحكم التى مرت على مصر خلال القرن الماضى قد وضعت بعض الأهداف الصحيحة، فهل تم العمل على الوصول إلى هذه الأهداف بالطرق الصحيحة التى تحققها دون أن تضيف للدولة أزمات جديدة

فوق أزماتها؟!

 

أغلب المصريين - بكل أسف - سيجيبون عن هذين السؤالين بحسب انحيازاتهم الأيديولوجية، أو بحسب ما ثبته الإعلام وثبتته الثقافة السائدة فى عقولهم وفى ضمائرهم، دون أى تفكير علمى يفصل بين صحة الهدف وصحة السبيل إلى تحقيقه، ودون أى تفكير نقدى بشأن هذا الصحيح ما معيار صحته، وهل هو معيار موضوعى أم معيار ذاتى أو عاطفى؟! ... لا أفرق فى طرحى لهذه الأسئلة بين نظام حكم قائم وبين نظام حكم سابق : فهل كانت أزمة الدولة المصرية فى عدم وجود تفريعة إضافية لقناة السويس تضاف إلى سابقاتها؟! وهل كانت أزمتها فى عدم وجود عاصمة صيفية للحكومة؟! أم هى كانت أزمتها فى عدم وجود أكبر مسجد، وأكبر كاتدرائية، وأطول برج فى أفريقيا؟! أم كانت أزمتها فى عدم وجود مزارع للفلفل الرومى ومصانع للجمبرى منزوع الرأس؟! أم تراها كانت أزمتها فى جزيرتين تثقلان ضميرها الذى يأبى إلا أن يفرط فيهما أصحاب الأرض حتى يرضى عنه من يدعى أنه صاحبها؟!!

 

لنعد قليلاً إلى الوراء ونسأل أنفسنا عن هل كانت أزمة الدولة المصرية فى أن إسلامها كان فى خطر، أو فى أن بعض مواطنيها يعتنقون المذهب الشيعى بينما الأغلبية تدين بالمذهب السنى؟! أم هى كانت أزمتها فى أن دولة الخلافة قد سقطت ولابد من إحيائها واستعادتها ولو بحيل ومراوغات تخفى حقيقة مشروع الحكم الإخوانى؟! ... تصيبنى الدهشة كل مرة يطالعنى فيها هذا الشيخ المعمم على إحدى الفضائيات التى تبث من اسطنبول وهو يتحدث عن الرئيس مرسى - رحمه الله - واصفاً إياه بأنه كان رئيساً مسلماً، لكنه كان رئيساً بلا دولة ! ... أليس هذا اعترافاً كافياً بأن الرجل - مع كل احترامى لسجاياه الإنسانية - لم يكن رجل دولة، وأنه قد ظلم نفسه وظلمنا معه، أو هو ظلمته وظلمتنا جماعته حين حمَّلته مسؤولية تاريخية لم يكن يملك أدواتها؟! فهل كانت مصر تبحث عن رئيس أم هى كانت تبحث عن رجل صالح؟! وهل هى كان سيخرجها من أزمتها رئيس حافظ للقرآن ذو رؤية إيمانية، أم رئيس له رؤية تاريخية تناسب تاريخ مصر الممتد، وتحركه حسابات جيوستراتيجية تناسب مكانة مصر فى هذا الإقليم وفى العالم، ويتمتع بقدرات سياسية تناسب إدارة دولة بحجم مصر لا مجرد قدرات تناسب إدارة جماعة أيديولوجية مهما بلغ حجمها وعلو كعبها؟!

 

عفواً إذا كنت قد خرجت بكم من الشارع الذى تحفه القناديل وأخذتكم معى بلا استئذان إلى الشارع المظلم الذى ضاعت فيه أسباب خروج الدولة المصرية من أزمتها ... صحيح أننا نخاطر ونحن نعبر الحواجز بين الشارعين بأن تخرج علينا النداهة من خرائب الشارع المظلم، وبأن تحيط بنا وتتعقبنا عفاريت أزقته المهجورة، لكنه - موضوعياً - الشارع الذى ضاع منا فيه ما نبحث عنه، ولن نجد هذا الذى نبحث عنه طالما بقينا مستسلمين لمتلازمة الشارع المظلم التى تكاد تميتنا وتميت مصر معنا ونحن أحياء، أو ونحن فينا ما نظن أنه بقية من حياة !!

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق