تابعنا على الانترنت
استفتاء

ماذا يعني اسقاط مصدرية الشريعة الإسلامية من الوثيقة الدستورية السودانية

14/08/2019 07:27


محمد المجذوب

إنه إذا كانت مصادر الشرعية السياسية في الصياغات النظرية للنظم السياسية الوضعية مصادر عديدة، وهي مصادر تختلف من توجه فكر سياسي لآخر، كالمصادر التقليدية والكاريزمية والمؤسسية القانونية ونحوها، فإنها في نظرية السلطة العامة في الاسلام فان مصدرها هو الشريعة الإسلامية التي تعد هي المصدر الأساسي للشرعية السياسية في الجماعة السياسية ، فتكون شرعية نظام الحكم في نظرية السلطة العامة معنية باحترام والتزام معانى وتعاليم وأوامر ووصايا الشريعة الإسلامية، فهي تعنى التزام الجميع حاكماً ومحكومين بتعاليم الشريعة الإلهية والاقرار الأخلاقي والقانوني بمبدأ سمو الشريعة الإلهية، وذلك بالرهان على تحقق معنى الفطرة الإنسانية واستمراريته تحقها بالالتزام بسنة التدين، وهو معنى لا بد له من أن يستمد ديمومته من تطلع الإنسان نحو الإيمان بالله المتعالي، ذلك التطلع الذي يجعل الإنسان يتفاعل بكلّ ابعاده وقواه لتحقق معاني الرشد والاستقامة والتقوى، التي تمثل منطلق الإنسان والجماعة نحو تجاوز كلّ أنواع التحديات والابتلاءات السياسية التي تواجه الإنسان في الحياة.

 

من التعريف السابق للشرعية السياسية فإننا نفترض وجود ميثاق سياسي ،، دستور،، ينظم علاقات السلطة العامة حيث أن السلطة العامة المشروعة هي تلك السلطة التي تكون مصادرها الثقافية والعقدية النهائية هي للشريعة الإسلامية ، وان تلتزم المؤسسات داخل السلطة العامة بالميثاق السياسي السابق الاشارة اليه وهذه هو المقصود بالشرعية أي إن تكون تصرفات تلك المؤسسات متماشية مع ما جاء في الميثاق السياسي وبذلك يكون هذا التعريف للشرعية قد تضمن المشروعية أيضاً، بمعنى ان المشروع في الفعل السياسي هو المجاز في الميثاق السياسي، وان يكون الميثاق السياسي في السلطة العامة ملتزماً بالقيم الأساسية في الجماعة السياسية وبتحقيق مقاصدها العليا الموضحة في عقائدها النهائية وهذا هو المدلول الحق للشرعية.

 

وبناء على ذلك فلا يجوز ان يكون هناك نص قانوني أو دستوري يهدر أو يتعارض مع القيم الاساسية في الجماعة السياسية أو يحول دون تحقيق مقاصد عقائد الجماعة السياسية العليا وهي تحقيق المعنى الأمثل من وجهة نظر الرؤية العقدية التي تأخذ بها الجماعة السياسية. أما لو خرجت نظم السلطة أو المؤسسات الرسمية في السلطة العامة على عقائد الجماعة السياسية فهذا يعني سقوط صفة الشرعية عن الميثاق السياسي كله وعن المؤسسات الرسمية وعن القائمين عليها لأنه بذلك يكون قد فقد السبب الاساسي لوجوده وهو وضع تلك العقائد موضع التطبيق وبذلك يكون قد فقد شرعيته. وبهذا يعتبر مبدأ الشرعية السياسية اصلاً من أهم اصول النظم السياسية وكل نظام لا يلتزم بهذا المبدأ ليس نظاماً شرعياً.

 

ودلالة ذلك أن علاقة نظم السلطة داخل الاجتماع السياسي لا بد وأن ينتظم وفق محتوى "أوامر" الرسالة وأوامرها وسيادتها وإماميتها، يقول تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ {الحج/67}. ويقول: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ {الانبياء/ 73}. والمعنى أن معنى "الأمر" على هذا له جميع الامكانات التي تجسد فكرة الشرعية السياسية، كونه ينطوي على التصور العقدي النهائي الذي يستبطنه الاجتماع السياسي للأمة في مقابل مداخل العقائد الليبرالية التي استمدت منه الوثيقة الدستورية.

 

ومن ثم فإن معرفة طبيعة شرعية نظم السلطة وعلاقاتها في الوثيقة الدستورية تغدو مسألة ضرورية لتقديم فقه متكامل لشكل الاجتماع والسلطة في الفترة الإنتقالية، باعتبار أن معنى ولاية "الأمر" يعني القدرة ذات الشرعية المحققة للالتزام والرضا العام عند القيام بانفاذ شرعية الشريعة الإسلامية على صفحة الواقع الأرضي، وهذا القيام أو النفاذ للأوامر الإلهية هو في الحقيقة "أمانة"، يقوم بها الاجتماع السياسي أفراداً أو جماعة بحسب طبيعة الالتزام الإلهي، والمعنى المراد القيام به ونفاذه في الواقع الظرفي للأمة ، فنكشف تعدد مستوياتها وتعقد علاقاتها بالنسبة إلى نظام السلطة العامة.

 

بعيارة اخري أنه إذا كان لسان الشرعية السياسية هو لسان حال العقائد والأوامر والوصايا والتعاليم وأن منشأ القيم واللزوميات السياسية هو الأوامر، فانه لا يمكن أن تقبل أفضلية شرعية ولاية فرد مستبد أو اقلية متميزة أو اغلبية ديمقراطية أو نظم قانونية أو دستورية، مهما كانت على الآخرين، أو أن تكون هذه الأفضلية والشرعية دليلاً كافياً لاعتبار أوامره في حقهم، وعليه فإنه يعتقد بأن كل إنسان يمكن أن يكون آمراً أو أن يقبل أي أمر سياسي أيضاً.

 

والواقع أن في الإجابة عن هذه التساؤلات ما يحسم الاعتقاد بأن منشأ الشرعية السياسية هو الأوامر المنزل في الشريعة الإسلامية، المستقرة في الفطرة الإنسانية. لأن منشأ الشرعية السياسية واللزوم السياسيين تظهر أكثر ما تظهر في علم السياسة باعتبار أن كل نظام او حكم سياسي يرتبط بوجود علة تبرر مصدر الامر السياسي، باعتبار أن أمر أي آمرٍ يوجب اعتبار هذه الأحكام السياسية، مما يجعل هذ الأوامر معتبرة وملزمة للأفراد في الاجتماع السياسي ، ولذلك ينبغي إعادة بناء نظرية منشأ الشرعية السياسية في النظام السياسي ، بدءًا بإعادة تعيين مصادرها، بالبحث في فطرة الإنسان "منبع استلهام الهدي الإلهي والالزام الفردي"، مما يستوعب الفضيلة السياسية والرشد والمشيئة للناس، بإرجاعها إلى الله تعالى، فمن خلال التزام الفطرة الإنسانية الطوعي بالتعاليم والأوامر السياسية المنزلة في الرسالة فإنه يتجسد معنى منشأ الشرعية السياسية في الواقع الظرفي للجماعة المسلمة، لأن صفة التعالي

هي الصفة الأساسية التي تتألف منها الفطرة الإنسانية.

 

وعليه فإنه يمكن القول إن آمرية الشرعية السياسية في نظم السلطة تعمد على تأسيس معنى الآمرية على معنى "الفطرة" التي يتساوي فيها جميع الناس، والأطروحة الأساسية التي ندافع عنها هي أنه لا ولاية لإنسان على إنسان آخر من حيث المبدأ، وحجتنا في ذلك هي أن الناس ولدوا في حالة الفطرة متساويين وأحراراً ... الخ، وهو الوضع الذي ينفي أن يكون لإنسان حق الأمر على إنسان آخر بموجب المساواة في الفطرة، مع الوضع في الاعتبار أن معنى الفطرة التي يستمد منه الإنسان المؤمن ولايته على نفسه، هي حالة تقوى دينية قيد التحقق بالتقرب إلى المطلق والكمال وليست "حالة طبيعة" فوضوية وعشوائية مطلبها تحقيق مبدأ المصلحة أو القوة، كما في الفكر الوضعي، بل هي طبيعة منفتحة ومتفاعلة، في شروط وفي أشكال موضوعية، لا تعرف الاستقرار التام.

 

وآية ذلك أن هذا القيد متصل بالطرح الكلي لنظرية السلطة العامة في الوثيقة الدستورية، أعنى فكرة الحرمات الإنسانية المعترف بها كادعاءات مشروعة يتصف الناس في المجتمع لكونهم بشراً ولكونهم بشراً متدينين، فحرمة كل أفراد الجنس البشري بسبب كرامتهم البشرية المشتركة والمدعومة بواسطة القيم الدينية، وذلك يعني إن الحرمات الإنسانية للبشر لم تنشأ بسبب ادعاءات اجتماعية أو سياسية، بل إن فكرة الحرمات في الحقيقة ترجمة عن التصور التوحيدي، فهو السياق الذي يتضمن أمراً يكون صحيحاً أو خطاً في موقف معين. وهو بالتالي المعنى الأقرب إلى استعمال معنى الشرعية السياسية وضمان الحرمات الإنسانية مثل حرمة النفس والملكية والاعتقاد والرأي ... الخ.

 

ودلالة ذلك ضرورة التزام الميثاق السياسي كله "وثيقة الدستور والقوانين واللوائح" في السلطة العامة بالقيم والعقائد الأساسية للجماعة السياسية وبمقاصدها العليا الموضحة في عقيدتها وثقافتها الدينية والسياسية وهذه تترجم في صورة مبادئ يتقرر منها مبدأ الشرعية، كونه مبدأ سياسي يلتزم به المشروعون عند وضع العهد السياسي فيكون ذلك هو الضمان للحريات والحرمات والحقوق.

 

ونخلص من كل ما سبق إلى أن الشرعية السياسية في مضمونها الحقيقي وفي معناها الصحيح هي مدى التزام نظم السلطة وبالتبعية التزام المؤسسات السياسية والقانونية في الجماعة السياسية بالقيم الاساسية والمقاصد العليا للجماعة السياسية المصورة في العقيدة التي تعتنقها هذا الجماعة السياسية.

 

وحيث أن مبدأ الشرعية مبدأ سياسي ومضمونه سياسي فينبغي أن يكون جزاء الخروج على الشرعية أو جزاء الجور وهو مقاومة الجور جزاء سياسي أيضاً وهو المقاومة، وينبغي أن يعتبر مبدأ الشرعية مبدأ سياسيات حيث أنه يقع في نطاق ما قبل النظم السلطة أما لو أدخل هذا المبدأ في النظم السلطة فيكون من الممكن تعديله بواسطة سلطات الدولة ومؤسساتها وبذلك تنهار ضمانات الإيمان بالله وعبادة الله سبحانه في المجال السياسي العام.

 

وحيث أن مبدأ الشرعية "الشريعة الإسلامية "، مبدأ سياسي وعقدي سابق على الميثاق السياسي وعلى الوثيقة الدستورية نفسها فلا يمكن للحاكم إذن ان يغيره كما يغير النظام وبذلك يخضع الميثاق السياسي كله لهذا المبدأ، وهذا يمكننا من الحكم علي شرعية الميثاق السياسي كله أو عدم شرعيته من ثنايا مدى ارتباطه بعقائد الجماعة السياسية وهذا هو المضمون الدقيق لمبدأ الشرعية.

 

ولما كان مبدأ الشرعية مبدأ سياسياً، فانه ينبغي أن يكون جزاء الخروج على الشرعية من نفس طبيعته أيضاً أي إن يكون جزاء سياسي وليس جزاء قانونياً بمعنى أن يكون خروج الميثاق السياسي علي المبادئ الاساسية والمقاصد العليا للجماعة السياسية مجرماً تجريماً سياسيا وليس تجريماً قانونياً فحسب.

 

أما إذا حدث الخروج على الشرعية، أعنى حالة الجور التي تعني تجاوزت النظم السلطة حدودها بالجور على الرؤية والقيم الاساسية والمقاصد العليا للجماعة السياسية، فإن جزاء الجور يجب أن يكون من طبيعته اي جزاءً سياسياً فيكون الجزاء هنا المقاومة، وبذلك تكون ضمانة الشرعية هي مقاومة الجور، سوى أن معنى الجور لا يقصد بها شعور الأفراد بقسوة أو ظلم النظام فقد يكون النظام شديد القسوة بالنسبة للفرد، ولكنه شرعي طالما أنه لم يخرج على القيم الاساسية والمقاصد العليا للجماعة السياسية، وقد يكون النظام لينا بالنسبة للفرد فيترك له الحبل على قاربه لدرجة التسيب ومع ذلك يمكن اعتباره جائراً لمجرد كونه قد خرج على قيم الجماعة السياسية ومقاصدها العليا.

 

فما المقصود إذن بالمقاومة أو مقاومة الجور؟، ان المقاومة سلوك للفرد الواعي سياسياً الذي لا مانع عنده من أن يمتثل لنظم السلطة في الجماعة السياسية وإنما بشرط أن يعرف إلى أي مدى التزام هذا النظام بالقيم الاساسية والمقاصد العليا للجماعة السياسية،  أي أنه لا يخضع للنظام الا بعد أن يمحص في مدى شرعيته فإن اقتنع بجوره راح يعبر عن ذلك بأعمال واعية تعبر عن عدم رضاه بذلك النظام نظراً لكونه جائراً وقد يكون من هذه الاعمال الدعوة الي الإصلاح السياسي وإذا تعثر ذلك تكون الدعوة الى الثورة. كون أن الثورة في التعريف الاصطلاحي هي التغير الجذري في خصائص الجماعة السياسية الاقتصادية والسياسية.

 

ومن هنا فإن من واجبات الجماعة السياسية حق مقاومة الحاكمين أذا خرجوا على الشرعية السياسية، وفقاً للقاعدة السياسية التي تقول:" أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ".



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق