تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو (1)

20/07/2019 02:24


د. حازم حسنى

كما وعدت متابعى ما أواظب على طرحه من قضايا وآراء، ها أنا أبدأ اليوم سلسلة من المشاهد التى ارتبطت بالمسار الذى قادنا إلى الثلاثين من يونيو، كى لا يبقى أحد أسير فقاعة الوهم، وكى لا يستسلم أحد لحملات الابتزاز التى تسعى لزرع عقدة الذنب فى نفوس كل من خرجوا فى الثلاثين من يونيو حتى يقروا بخطئهم، وحتى يقدموا عن هذا الخطأ اعتذارهم، ويطلبون مع الاعتذار العفو والمغفرة عما ارتكبوه من آثام فى حق مصر وفى حق ديمقراطيتها وثورتها المجهضتين !

 

كما سبق أن وعدت، فلن أتعرض فى هذه السلسلة من الرسائل لأية خلافات سياسية أو أيديولوجية، ولن أتناول سيرة الدكتور محمد مرسى - رحمه الله - إلا باعتباره الرئيس المدنى المنتخب دون أى إشارة لانتمائه التنظيمى أو الأيديولوجى لجماعة الإخوان، رغم ما لهذا الانتماء التنظيمى والأيديولوجى من أهمية فى تحريك الأحداث التى انتهت بنا إلى الثلاثين من يونيو، وإلى ما بعدها، وهو ما قد أعود إليه لاحقاً ولكن بعد أن أنتهى من هذا التحليل الموضوعى لرحلة تلك السنة التى أوصلتنا للثلاثين من يونيو بما لها وبما عليها !

 

ما أقصد بالتحليل الموضوعى هنا هو التحليل الذى يتناول الأحداث استقلالاً عن الذات التى تتناولها، وعلى الرغم من صعوبة هذا التناول الموضوعى لأحداث تاريخية كنا جميعاً جزءاً منها إلا أننى سأحاول ذلك جاهداً بتركيز الحديث فقط على بضعة مشاهد، قد يتراوح عددها بين الخمسة والسبعة، وقد انتقيتها جميعها بعناية بحيث لا يحتاج توصيفها ولا تحليلها لأية إشارة للانتماءات التنظيمية والأيديولوجية للعناصر التى صنعتها وحركت أحداثها، تاركاً لكل قارئ أن يستخلص من التوصيف والتحليل - بعد استعراض كل سلسلة المشاهد التاريخية التى اخترتها - إن كانت ثمة أخطاء قد ارتُكِبت فى حق التجربة الديمقراطية فى مصر، ومن تراه يكون مرتكب هذا الخطأ الذى يستحق أن يقدم صاحبه اعتذاراً عنه، ولمن يكون تقديم الاعتذار؟ !

 

----------------------------------------------

 

سؤال المشهد الأول : متى بدأت الرحلة إلى الثلاثين من يونيو؟

 

هذا سؤال حاكم لفهم أى حدث تاريخى، فتأريخ الحدث بلحظة وقوعه، أو بلحظة الغليان التى سبقته، إنما يلهينا عن فهم الحدث الذى بدأ قبل لحظة الغليان بكثير فى اكتساب الحرارة التى انتهت به إلى لحظة الغليان؛ فلا تاريخ بغير رصد للحظة وضع القِدر على النار، وهى لحظة تسبق لحظة الغليان، كما تسبق هذه الأخيرة لحظة نضج الحدث داخل القِدر التى قد تنسينا أحياناً متى كان الغليان، ومتى كان وضع القدر على النار !

 

دعونا نرصد هذه اللحظات المتتابعة من حياة القِدر التى احترق بداخلها الحدث، ونرصد حرارتها كيف تطورت، وحال المحروق بداخلها كيف تغيرت، وهل كان الطاهى حصيفاً يرقب هذه التطورات، أم أنه ظل يلهو ويفاخر بما سيقدمه لنا من طيب الطعام حتى احترق ما بداخل القِدر؟!

 

فقد خرجت مصر من ثورة 25 يناير بإعلان عن تخلى الرئيس حسنى مبارك عن رئاسة الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد .. كان هذا التكليف إشكالياً : فبطبيعة تكوينه، يصعب على العقل العسكرى إدارة الشأن المدنى بكفاءة، خاصة إذا كان هذا الشأن المدنى فى مرحلة تحول تاريخى، تتكاثر فيها المتغيرات، وتتغير فيها الثوابت، وتتحور فيها العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية !

 

بيد أن الجيش كان فى هذه اللحظة التاريخية الحرجة هو المؤسسة الوحيدة المتماسكة التى كان بإمكانها الإمساك بخيوط السلطة فى مصر، وهو ما أدركته جميع الأطراف المشاركة فى الثورة، والتى استقبلت الإعلان الدستورى الأول الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية فى الثالث عشر من فبراير 2011، إما بقبول صريح لهذا الإعلان أو بقبول ضمنى حين قبلت الانخراط فى العملية السياسية التى أدارها المجلس العسكرى بمرجعية هذا الإعلان الدستورى، وكان أبرز هذه الإجراءات استفتاء 19 مارس وما تلاه من إصدار الإعلان الدستورى بتاريخ 30 مارس 2011 !

 

لن أخوض فى تفاصيل هذا الاستفتاء، ولا فيما سبقه أو صاحبه أو تلاه من ملابسات، فمثل هذا الحديث قد يجرفنا بعيداً عما آمله من مناقشات هادئة لقضايا لا تحتمل المهاترات ... ما يهم هو أن كل الأطراف السياسية فى ذلك الوقت قد انشغلت بمصالحها الذاتية، وبكيف تحقق أكبر قدر من المكاسب السياسية، فراحت تتفاعل أنانياً مع ما يتخذه المجلس العسكرى من إجراءات غاب عن الجميع كل قدرة

على التفرقة بين ما كان من هذه الإجراءات "تأسيسياً" يتحكم فى مفاصل وهندسة الدولة المصرية، وبين ما كان منها "سياسياً" يمكن أن يجد فيه هذا الطرف أو ذاك موضع قدم له فى المشهد السياسى، أو هى غابت عن الجميع الرغبة فى التفرقة بين ما هو تأسيسى وما هو سياسى بعد أن تحول المشهد التنافسى - أو التناحرى - بين الفرقاء إلى مجرد مشهد انتخابى مُحَمَّل بكل أمراض المشاهد الانتخابية التى عرفتها مصر قبل الثورة !

 

انشغل الفرقاء إذن بالمكاسب السياسية، تاركين فى سبيل تحقيقها كل اهتمام بما هو تأسيسى لحين انتقال هذه السلطة التأسيسية التى يتمتع بها المجلس العسكرى إلى الرئيس المنتخب بمجرد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية، وكأن سلطة التأسيس هذه ستنتقل بالضرورة إلى الفائز بمقعد الرئاسة ومعها كل الصلاحيات التى نصت عليها المادة 56 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 !

 

حدث بعد هذا التناحر الانتخابى الذى سبق انتخابات 2012 الرئاسية أن صدر حكم من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون الذى أجريت على أساسه انتخابات مجلس الشعب، ومن ثم أصدر صاحب السلطة التنفيذية فى ذلك الوقت - وهو المجلس العسكرى - قراراً تنفيذياً بحل المجلس؛ وهذه ليست المرة الأولى فى تاريخ مجلس الشعب المصرى التى يُحَل فيها المجلس لعدم دستورية القانون الذى أجريت على أساسه الانتخابات البرلمانية؛ ومن ثم فقد أجريت الانتخابات الرئاسية فى ظل غياب سلطة التشريع التى كانت قد انتقلت فى تاريخ سابق من المجلس العسكرى إلى المجلس المنحل !

 

أجريت الانتخابات الرئاسية فى شهرى مايو ويونيو 2012، وانتهت بإعلان فوز الدكتور محمد مرسى محققاً نسبة 51.7%، ومرة أخرى لن أخوض فى ظروف وملابسات هذه الانتخابات، ولا فى ظروف وملابسات إعلا نتائجها، فهو كسابقه حديث يخرجنا عن السياق الذى تسير معه هذه الرسالة ... الوصول إلى مرحلة إعلان النتيجة أثار مجموعة تساؤلات عن الجهة التى سيؤدى أمامها الرئيس المنتخب اليمين الدستورية فى ظل غياب مجلس الشعب، وعن ماهية السلطات التى ستنتقل إلى الرئيس المدنى المنتخب من بين السلطات المنصوص عليها فى المادة 56 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2012؟ وهل ستنتقل إليه كل السلطات التى مارسها المجلس العسكرى خلال الفترة الانتقالية، فضلاً عن بعض سلطات رئيس الجمهورية التى كان منصوصاً عليها فى دستور 1971 دون الإعلان الدستورى الذى كان يحكم المرحلة الانتقالية؟ ثم هل تنتهى سلطة المجلس العسكرى التأسيسية بمجرد انتخاب رئيس الجمهورية، أم هى سلطة ممتدة لحين وضع دستور جديد للبلاد؟!!

 

لم تكن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة الشائكة ممكنةً إلا بإعلان دستورى مكمل لإعلان 30 مارس، لكن هذا الإعلان الذى صدر يوم 18 يونيو 2012، بعد انتهاء فرز الأصوات، وقبل ثلاثة أيام من إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، قد جاء متضمناً بعض المواد التى لم يتقبلها المرشح الرئاسى الفائز فى الانتخابات، حتى كاد يعصف هذا الخلاف بالانتخابات الرئاسية كلها، ومن ثَمَّ حام شبح استنساخ النموذج الجزائرى على المشهد الانتخابى المصرى، وكاد يُدخِل مصر فى عشرية سوداء يعلم الله وحده إلى أين كانت ستقود البلاد !

 

من هذه النقطة تحديداً بدأ الطريق إلى 30 يونيو 2013، أى قبل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية بثلاثة أيام، إذ ظلت تداعيات هذا الخلاف حول الإعلان الدستورى المكمل تتفاعل إلى ما بعد إعلان النتيجة، بل وإلى ما بعد تنصيب الرئيس، بشكل لم يلحظه من انحازوا لفكرة أن الرئيس المدنى المنتخب كان يمثل فى هذا الخلاف جانب الحق، بينما كان يمثل الإجراء الذى اتخذه المجلس العسكرى جانب الباطل !

 

الحقيقة الموضوعية هى أن الحق والباطل لا يفسر أيهما شيئاً من أحداث التاريخ، فلم يكن فى هذا الجانب ولا ذاك حق ولا باطل، وإنما كان هناك منطقان يتدافعان أو يتصارعان، وكان لكل منطق منهما مرجعياته وهواجسه؛ والسؤال المهم هو كيف أدار كل طرف من طرفىّ هذا التدافع أو هذا الصراع شؤون الدولة؟ وكيف كان يمكن تجنيب البلاد وتجربتها الديمقراطية الوليدة المبتسرة كل التداعيات السلبية التى وصلت بنا إلى ما وصلنا إليه الآن؟

 

للإجابة عن مثل هذه التساؤلات دعونا ننتقل إلى سؤال المشهد الثانى، وهو موضوع رسالتى التالية التى لابد وأن تبدأ برسم خريطة هذا النزاع الذى قام بين طرفى السلطة وقتها حتى قبل أن يتسلم الرئيس المدنى المنتخب نصيبه من هذه السلطة !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق