تابعنا على الانترنت
استفتاء

العلامة سعد مصلوح..يكتب: من حديث السيرة حكاية من زمان القيم والقمم

14/07/2019 06:50


د. سعد مصلوح

جمهور الشبيبة من هذا الجيل - وربما من أبناء جيلي أيضا - لا يعرفون كثيرا ولا قليلا عن قانوني مصري عظيم هو مصطفى باشا مرعي . كانت حياة الرجل مثلا سائرا في الوطنية ومجابهة السلطان الجائر بكلمة الحق ؛ مجاهرا بها في غير مُخافَتَةٍ ولا جمجمة.

تخرج مرعي باشا في كلية الحقوق عام ١٩٢٣ ، وكان الثالث على دفعته ومن زملاء في هذه الدفعة الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية الأسبق ، وَوَزَرَ في عدة حكومات قبل حركة الجيش في ٢٣ يوليو ، وكان فخر المحاماة وهو محام ، وفخر القضاء قاضيا .

وحين تقدم للدفاع عن إبراهيم باشا عبد الهادي أمام محكمة الثورة التي رأسها عبد اللطيف البغدادي وكان فيها معه أنور السادات وحسن إبراهيم ، ووجد من المحكمة تضييقا وحيدة عن أصول الالتزام بطلب الحقيقة ، وتعويقا لمهمته المقدسة ، رددت قاعة المحكمة قوله على أعين السامعين وملء آذانهم : " خير للمتهم أن يكون بلا دفاع من أن يكون ذا دفاع أبتر " .

ولم يكن موقفه إبان ما سمي في ستينيات القرن الماضي بمذبحة القضاء بأقل صلابة وشموخا . أما النزعة الإنسانية فيه فقد تجلت في سفره إلى بيروت ، واستثماره عبقريته القانونية في الدفاع عن الأديبة مي زيادة وإخراجها من غياهب مستشفى الأمراض العقلية ( أو ما يسمونه في لبنان بالعصفورية ) ، حين مكر بها بعض أهلها وأكل أموالها ظلما ، واتهمها في عقلها ؛ وكان أن تاح

لها على يد مرعي باشا فرصة إلقاء محاضرة على طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت ، فكان الاقتناع من الجميع إثر سماعهم المحاضرة بحقيقة ما هي عليه من كمال العقل وعميق المعرفة. ولمن شاء مزيدا عن سيرة الرجل أن يرجع إلى مقالة منصفة ضافية كتبها الدكتور شريف حلمي أديب منشورة في الشبكة .

والحكاية التي قصدت إلى سردها وعَلْوَنْتُ بها هذا المنشور هي عن هذا الرجل العظيم ، وقدسمعتها فَمًا لأذُن من شيخي أحمد الحوفي رحمه الله ورضي عنه وهو عندي مُصَدَّقٌ ؛ قال : إن أحد الشيوخ ممن تبوؤوا منصب الإفتاء في مصر في سبعينيات القرن الماضي رُشِّحَ لعضوية مجمع اللغة العربية في مصر ، وزينت له نفسه أن يتصل بالأعضاء ذوي النفوذ والتأثير ليكونوا هم والواقعون في مجال تأثيرهم ظهيرا له عند الانتخاب ، وساقته المقادير إلى مهاتفة مصطفى مرعي باشا علما منه بما له من مكانة بين الأعضاء ، وقال له كلاما مما يجري في العادة على ألسنة العوام في مثل هذا المقام ؛ من مثل قولهم : فيك البركة ، ونَفَسُكَ معنا .

ومضى المفتي في حديثه على مثل هذا الجر والسحب حتى قاطعه مرعي باشا قائلا : " أأنت على يقين من أنك المفتي ؟ أنا لا أُصَدِّقُ أنك هو ، واعتقادي جازما أنك دسيسة أريدَ بها الإساءة إلى هذا العالم الفاضل ". ثم صفق الهاتف في وجهه.

ألبست هذه الحكاية عَسِيَّةً بحق أن تكون حكاية من زمان القيم والقمم.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق