تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر السياسى حازم حسنى..يكتب: خطاب مفتوح للأستاذ محمد ناصر 1/2

11/07/2019 06:18


د. حازم حسنى

عزيزى ... تحية طيبة، وبعد ...

 

لم يدفعنى لتحرير هذا الخطاب المفتوح إلا ما اختصصتمونى به مساء أمس السبت، بافتتاحية برنامجكم التى استمرت لأكثر من ربع ساعة، مما رأيته أمراً يستدعى الرد؛ فليس من الحكمة أن تبقى الحقائق ضائعة فيما بيننا، ولا أن يبقى المصريون الذين يتابعون برنامجكم فى حيرة من أمرهم بعد أن حار أكثر المصريين فلم يعودوا يعرفون، وقد فقدوا ثقتهم فيما يسمعون أو يقرأون، أين هى الحقيقة ومع من تراها تكون أسبابها ! ... دعنا نتفق - مبدئياً - على أن الحقيقة لا توجد مع أى شخص، ولا هى توجد مع أى جهة؛ وإنما هى تقوم بذاتها، وتقف على أرضها هى لا على أى أرض أخرى يعتقد بعضنا أنها بالضرورة أرض الحقيقة !

 

دعونى فى بداية هذه الرسالة الطويلة أتوجه إليكم بالشكر مرتين: الأولى لمشاعر التقدير والاحترام التى أبديتموها تجاه شخصى، مما أرجو أن أكون مستحقاً لها، والثانية لما أبديتموه من شجاعة الاعتذار عن ألفاظ "جارحة" كنتم قد وجهتموها لكل من لا يتفقون معكم فى فهم وتقييم الأحداث التى مرت بمصر منذ أكثر من ست سنوات مضت ... واسمحوا لى الآن بالتوقف عند عنوان فقرتكم الافتتاحية التى أصررتم على أن تبدأوها وأن تنهوها بنفس كلمة "بنفكرك" التى مازلت لا أدرى ما علاقة الثلاثين من يونيو بها !

 

تريد يا عزيزى أن تعترض - بل وأن تُجَرِّم - رؤى وسياسات وقرارات النظام الذى حكم مصر بعد يونيو 2013، أو بعد يونيو 2014، فلماذا تقحم يونيو أو حتى يوليو فى الأمر؟ هل قامت المظاهرات فى الثلاثين من يونيو وما قبلها لتنادى بالتفريط فى جزيرتى تيران وصنافير، وبالتنازل الطوعى عن السيادة المصرية على مضايق تيران الاستراتيجية؟! هل هى نادت بتبديد موارد مصر وإغراقها فى الديون لحفر تفريعة قناة السويس، أو لبناء عاصمة إدارية جديدة، إلى آخر قائمة المشاريع التى يعترف صاحبها بأنها لم تخضع لأية دراسات جدوى؟! هل نادى أحد فى الثلاثين من يونيو بإفقار المصريين وتجويعهم، وبرفع الأسعار وانهيار قيمة الجنيه؟! هل نادت 30 يونيو - أو نادى الثالث من يوليو - بتولى عبد الفتاح السيسى مقاليد الحكم فى البلاد، وفرض حالة الاستبداد، وقتل السياسة فى مصر، وإهدار الحريات، واللجوء لحل كل مشاكل الدولة المصرية باستدعاء القبضة الأمنية وحدها والقوة الغاشمة التى يعلم كل دارس للتاريخ أنها تهدم الدول ولا تقيمها؟!

 

آه ... فاتنى أنك ترى أنه لولا الثلاثين من يونيو ما كان قد حدث شئ من هذا كله، غير أن ثمة مغالطة منطقية فى رؤيتكم هذه التاريخية، وعفواً إن أنا بينت لكم هذه المغالطة المنطقية وما يشوبها من اعوجاج فى مسارات التفكير !

 

لا أرغب فى الاسترسال قبل أن أصحح معلومة ليست خاطئة تماماً، لكنها أيضاً ليست دقيقة كل الدقة؛ فأنا لست أستاذاً للعلوم السياسية بمعناها الأكاديمى الضيق، أى أننى لست أستاذاً بقسم العلوم السياسية بالجامعة مثل الزميلين والصديقين الدكتور حسن نافعة والدكتور سيف الدين عبد الفتاح على سبيل المثال، لكننى أستاذ بقسم "الحوسبة الاجتماعية" بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكنت أنتمى قبلاً لقسم الإحصاء بالكلية، ومجال اهتمامى - أياً كان القسم العلمى الذى أنتمى إليه تنظيمياً - هو مجال بينى ألا يتقيد بهذه التصنيفات الأكاديمية الضيقة؛ فمكتبتى مليئة بكتب ومواد سمعية وبصرية تستحضر علوماً ومعارف شتى من بينها "العلوم السياسية" بالمعنى الذى تتعامل به خرائط التصنيف المعرفى الجامعية؛ وقد يكون هذا ما يجعلنى أرصد الأمور وأقَيِّمها من زوايا أوسع من تلك التى يتناول بها غيرى هذه الأمور، وفى كلٍّ خير، فالعلم يحتاج كل هذه الزوايا التى تتكامل ولا تتنافر !

 

على أية حال، فإنا لا أجد بأساً فى الحديث عما أكتب وأعبر عنه باعتباره يتناول علوماً سياسية (بصيغة الجمع) لا "علم السياسة" (بصيغة المفرد)، فهذا الأخير هو الترجمة الصحيحة للتصنيف الأكاديمى لأقسام "علم السياسة" فى جامعات العالم، لا أقسام "العلوم السياسية" كما هى الترجمة الخاطئة فى جامعاتنا ! ... ما سبق فى هاتين الفقرتين قد يبدو هامشياً، أو إقحاماً لما هو خارج عن الموضوع، لكنه فى الحقيقة ذو أهمية فى حديثنا؛ إذ أجدنى مضطراً لاصطحابكم معى فى رحلة قصيرة خارج "علم السياسة"، نلامس فيها علم المنطق الرياضى، علَّكم تجدوا فيها بعض الفائدة، وعلَّها تزيل كثيراً من اللبس الذى يصاحب دائماً ما نتناوله من أفكار أو من "أوهام" !

 

=====================

 

سألتنى يا عزيزى عن كيف أدرس للطلبة الظواهر السياسية التى قد يتناولها "علم السياسة" كما قد تتناولها علوم ومعارف أخرى، بما فيها الآداب والفنون وصولاً حتى إلى الموسيقى ! ... دعنا نكتفى - كما قدمت - بالمنطق الرياضى، فهو يقوم على مبادئ كثيرة منها مبدأ يقال له "الانتقالية"، وهو مبدأ

بسيط لا تعقيد فيه، فأنا أعرف قدر نفوركم من طلاسم الرياضيات ! ... يقول مبدأ الانتقالية هذا إنه لو كان (أ) يؤدى إلى (ب)، وكان (ب) يؤدى إلى (حـ)، فإن (أ) يؤدى بالضرورة إلى (حـ) ! ... دعونا الآن نترجم هذه الألف والباء والجيم إلى أحداث سياسية، ولكن دعونا نتفق قبلاً على أنه ما كان لأحداث الثلاثين من يونيو أن تقع لولا أن سبقتها أحداث الخامس والعشرين من يناير؛ فلو لم تكن ثورة يناير ما كان للأحداث أن تتداعى وصولاً إلى يونيو، أياً ما كان تقييمنا لهذه الأحداث التى تداعت !

 

إذن، فإذا كنا نرى أن ما نحن عليه الآن من أحوال بائسة هو نتيجة لأحداث يونيو 2013، وإذا كنا نتفق على أن أحداث يونيو نفسها ما كان لها أن تقع ما لم تكن قد سبقتها أحداث يناير 2011، فإن المنطق الرياضى يقودنا - ظاهرياً - إلى القول بأن أحداث يناير هى المسؤولة عما نحن فيه الآن ! ... أرجو أن تلاحظوا معى يا عزيزى أن هذا هو المنطق الذى يتحدث به من يرفعون شعار "ولا يوم من أيامك يا مبارك"، ومن ثَمَّ فهم يشيطنون يناير كما تشيطنون أنتم يونيو أو ما بعدها ! فهل هذا المنطق الذى يعتمده أبناء مبارك مقبول علمياً، فنأخذ به وننضم إليهم، أم أنه منطق به من المغالطات ومن اعوجاج التفكير ما يجعلنا نرفضه وننأى بأنفسنا عن الأخذ به؟!

 

دعونا نعود مرة أخرى للمنطق الرياضى، فهو لحوح على العقل ولا يقبل منا الانسياق وراء الأوهام ... فكما يقر هذا المنطق بمبدأ "الانتقالية" فإنه يؤكد أيضاً على ضرورة التفرقة بين الشروط الضرورية والشروط الكافية لتحقق أمر من الأمور ... وكى لا أرهقكم معى بلغة هذا المنطق الآمر الناهى، دعونا نترجمه إلى لغة سياسية منضبطة، ولننحى جانباً هذه اللغة السياسية المنفلتة التى أضاعتنا وأوصلتنا لما نحن فيه الآن : فلا شك أن أحداث الثلاثين من يونيو كانت شرطاً ضرورياً لتمكين السيسى ونظامه من حكم مصر، لكنها لم تكن أبداً شرطاً كافياً لهذا التمكين؛ كما أن أحداث الخامس والعشرين من يناير كانت شرطاً ضرورياً لوقوع أحداث الثلاثين من يونيو، لكنها لم تكن شرطاً كافياً لوقوع هذه الأحداث !

 

هكذا، فقد كان ممكناً لأحداث يناير أن تسير بنا فى طريق آخر تماماً لا ينتهى إلى أحداث الثلاثين من يونيو، وكان يمكن لأحداث الثلاثين من يونيو أن تسير بنا فى اتجاه آخر تماماً غير ذلك الذى أوصلنا لما نحن فيه الآن ... ومن ثَمَّ، فإن (أ) ليست كافية بذاتها لكى تتحقق (ب)، ولا (ب) كافية بذاتها لكى تتحقق (حـ)، وبسقوط هاتين المقدمتين يسقط مبدأ الانتقالية لأن المقدمات الخطأ تؤدى إلى النتيجة الخطأ كما ذكرتم فى فقرتكم التى استدعت رسالتى تلك؛ وإلا فإذا نحن أكدنا على كفاية (أ) لحدوث (ب)، وعلى كفاية (ب) لحدوث (حـ)، كما تذهبون فى تعاملكم مع أحداث التاريخ، لكان علينا الانضمام لمعسكر البكاء على عصر مبارك وعلى شيطنة يناير لأن (أ) تكون فى هذه الحالة كافية لحدوث (حـ) ... وإن كنا لا نختلف فى كل الأحوال حول كون حالتنا الآن هى الحالة (حـ) !!!

 

الأمر أشبه بشيخ صالح أنجب ابناً ضل طريقه فى هذه الدنيا وصار من الطالحين على غير ما كان يأمل أبوه، أو كما يقال : "يخلق من ضهر العالم فاسد"؛ فهل وجود هذا الشيخ فى ذاته هو الذى أفسد الابن، أم أن أسباباً أخرى هى المسؤولة عن فساد هذا الأخير، مع إقرارنا بأنه لولا وجود الشيخ الصالح ما كان قد وُلِد الابن الذى فسد !!

 

ليس من الحكمة إذن أن نسارع باتخاذ المواقف التى تدين هذا الحدث أو ذاك، ولا أن ننتقى على هوانا لحظات الزمن التى ترتبط بحدث ما دون غيرها من علامات الزمن، فربما نجد ببعض التأمل المنطقى والعلمى أن بعض ما نعيشه اليوم قد تعود جذوره لا ليونيو ولا ليناير وإنما لعقود أو لقرون طويلة مضت ... بل قد أقول ما يصدمكم، وكنت قد أنهيت به رسالتى أمس الأول، من أن الثلاثين من يونيو قد لا يكون سبباً فيما وصلنا إليه بل هو ربما كان نتيجة له، على غير ما نظن ونعتقد ويروج البعض منا؛ لكن هذه قصة أخرى أتناولها فى رسائل أخرى قادمة حتى لا تصرفنا عن متن هذا الخطاب المفتوح الذى طال لكنه لم ينته بعد، فما زال هناك الكثير من الاتهامات التى لم أرد عليها بعد، وأستأذنكم فى إكمال الجزء الثانى من الخطاب بعد عودتى من رحلة قصيرة، تدوم أربعة أيام، أقوم بها لشواطئ الأسكندرية لا لشواطئ المنطق الرياضى، فقد اكتفيت من هذه الأخيرة فى هذا الجزء الأول من خطابى المفتوح إليكم !!

 

تحياتى !!

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق