تابعنا على الانترنت
استفتاء

المسيرة الميليونية في السودان... الى أين؟ نموذج في التحليل ومحاولة للفهم

04/07/2019 07:20


البرفسور التجاني عبد القادر حامد

مشهد الأعداد "المليونية التي خرجت في مسيرة الثلاثين من يونيو 2019 يؤكد ما بات مؤكدا: أن شعلة الثورة السودانية لم تخمد. أما إن قُدر لهذا الحراك أن يُترجم الى مشروع وطني متكامل الابعاد فسيؤذن بافتتاح صفحة جديدة في السياسة السودانية. إن كثيرا ممن تخصص في دراسة النظم السياسية يضع اعتبارا كبيرا لظاهرة "الأعداد الكبيرة" التي تخرج الى الشوارع لتعبر بقوة عن ارادتها الجماعية، بحسبانها "قوة" فاعلة في تحريك الواقع الاجتماعي-السياسي، وخلخلة قواعده وتغيير مساره. غير أن "الأعداد الكبيرة" وان نجحت في خلخلة الواقع السياسي، لا تستطيع لوحدها أن تستولد نظاما سياسيا بديلا (يتوفر فيه الاستقرار والسلام والحرية والعدالة)، وإنما تحتاج الى "أقلية خلاقة" بتعبير أرنولد توينبي. وهذه "الأقلية الخلاقة" قد تكون من أصحاب "العقول"، أو من أصحاب "التجارة والصناعة"، كما قد تكون من أصحاب "السلاح". أي أن أي نظام سياسي يحتاج، لكي يستقر، الى نوع من تحالف بين هذه الفئات الثلاثة: الأعداد (الجماهير)، العقول (علماء/خبراء/مثقفون)، الجنود (المؤسسة العسكرية). هذا من حيث النظرية، أما من حيث الواقع فإنه قلما يقع مثل هذا التحالف بطريقة سلسة، وتلك معضلة يكدح المفكرون على مر العصور في إيجاد حل لها.

لقد تلمست ملامح هذه المعضلة في دراسة سابقة عن (أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، 1982). كنت أدرس أبعاد النزاع المتطاول بين موسى (عليه السلام) والنظام الفرعوني، كما يعرضها القرآن بإسهاب في عدد من السور المكية. أدركت بعد جمع وتحليل لعدد من النصوص القرآنية أن هناك "متغيرات" أربعة كان يدور حولها النزاع: الرؤية (العقيدة)، والأرض (مصادر الثروة)، والناس (القوى العاملة)، والسلاح (المؤسسة العسكرية). كان النظام الفرعوني يهيمن على هذه العناصر الأربعة هيمنة كاملة، بينما لم يكن موسى يملك غير عنصر واحد يتمثل في "الرؤية البديلة". وكانت مهمته أن يفصح عن تلك الرؤية، وأن يجذب نحوها "الناس"، وأن يسحب بها "الأرض" من تحت أقدام الفرعون، دون أن يلجأ لحمل "السلاح". كانت مهمة صعبة ومعقدة، وتقدم لمن يتعمق في دراستها "نموذجا" تفسيريا يمكن، مع بعض التعديل، أن يلقى الضوء على حالات أخرى. (اقترحت قبل سنوات على واحدة من طالباتي أن تبحث في هذا الموضوع، ففعلت في رسالة حصلت بها على درجة دكتوراه)

ثم قرأت فيما بعد كتاب صاموئيل هانتنقتون. لا أقصد كتابه الشهير عن "صدام الحضارات"، وانما كتابه الآخر، الأسبق تأليفا (1968)، والأقل شهرة عن "النظام السياسي في مجتمعات متغيرة"، فاذا به يؤكد أن الاستقرار السياسي يحتاج الى "تحالف" أساسي بين فئتين على الأقل من الفئات التي أشرت اليها. يذهب هنتنقتون، في سعيه للتعرف على العوامل التي يمكن ان يتحقق من خلالها الاستقرار للنظم السياسية في دول العالم الثالث، الى القول بأن هناك ثلاثة فئات من القوى الاجتماعية: فئة المثقفين التي تمتلك العقول، وفئة العسكريين التي تمتلك السلاح، وفئة الفلاحين ذات الاعداد الضخمة (ولم يتحدث عن المتغير الرابع: الأرض ذات الخصوبة والموقع). ولن يتحقق الاستقرار، بحسب هانتنقتون، الا بنوع من التحالف بين فئتين على الأقل من هذه الفئات. ولكنه سرعان ما يستبعد احتمال أن ينشأ تحالف بين العسكريين والمثقفين، ويعتبر ذلك أمرا نادر الحدوث. ولكن في حال حدوثه، كما وقع في تركيا ابان فترة اتاتورك، فانه لن يقود الا الى استقرار هش ومؤقت (هل تدري لماذا؟ لأن العسكري يأمل في "توظيف" المثقف أداة لتثبيت النظام العسكري وتجميل صورته (دون حاجة لعملية ديموقراطية). بينما يأمل المثقف أن "يستخدم" العسكري أداة لتطبيق الأيديولوجيا (دون مرور أيضا بعملية ديموقراطية)، فيقع الصدام بينهما لا محالة). فلا يبقى حينئذ الا احتمالان: أن يتحالف المثقفون مع الفلاحين (مع استبعاد كامل للمؤسسة العسكرية)، وهذا مسار يقود الى الثورة الشاملة، إذ يستلزم تحطيم نظام السلطة القائم، وانشاء نظام جديد على أنقاضه، يكون أكثر استقرارا. أما الاحتمال الثاني فهو أن تتكتل البنادق والأعداد ضد العقول؛ أي أن يتحالف العسكريون والفلاحون ضد المثقفين. وهذا، بتقديره، هو الاحتمال الأكثر ورودا في التاريخ المعاصر، منذ ستينيات القرن العشرين. ويستشهد في هذا الصدد بما وقع من انقلابات عسكرية في كوريا ومصر والعراق وتركيا وباكستان، حيث انحدر معظم الضباط الذين قاموا بتلك الانقلابات من أصول ريفية، مما مكنهم من التواصل السهل مع القوى الريفية، وتعبئتها، والفوز بتأييدها؛ فاتحين، من ثم، فرصة للاستقرار السياسي الذي يمهد لعمليات التحديث. أما الانقلاب العسكري الذي يعجز عن كسب ولاء الفئات الريفية، وينحصر تأييده بين الثكنات والمدن، فلن تكون لديه قاعدة اجتماعية يستطيع ان يقيم عليها مؤسسات سياسية فعالة (...).

تساءل البروفسور على مزروعي، رحمه الله، من واقع تخصصه العميق في الدراسات الأفريقية، عما إذا كان من الممكن أن يساعدنا هذا النموذج في فهم الحالة اليوغندية، وما إذا كان سيظهر فيها "المركب العسكري-الفلاحي" الذي أبانه هانتقتون. للتحقق من ذلك قام مزروعي بدراسة الوضع السياسي في يوغندا في فترتي الرئيس ميلتون أبوتي وعيدي أمين في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، فانتهى لنتيجتين: الأولى هي أن فترة حكم الرئيس ميلتون أبوتي قد شهدت بالفعل تحالفا بين المثقفين والعسكريين، وهو من نوع التحالف النادر الذي أشار اليه هانتنقتون، ولم يؤد بالفعل الا الى استقرار هش ومؤقت في يوغندا، تماما كما توقع النموذج. أما النتيجة الثانية فهي أن الانقلاب العسكري الدى وقع في يوغندا ضد حكومة ابوتي في عام 1971 بقيادة الجنرال عيدي أمين قد كان يمثل بحق تحالف البنادق مع الأعداد؛ أي تحالف العسكريين مع القاعدة الريفية الفلاحية التي ينحدرون منها، ضد الشرائح المثقفة التي تسيطر على مرافق الدولة في المدن. وهذه أيضا صورة مطابقة لصورة التحالف التي يبحث عنها هانتنقتون، ولكن مع فارق اساسي هو أن العسكريين اليوغنديين الذين قاموا بالانقلاب لم يكونوا يمثلون التنوع الاثني للمجتمع اليوغندي، وانما كانوا ينتمون لمجموعة اثنية واحدة، هي مجموعة القبائل النيلية والسودانية. ولذلك فلم يسعوا لعقد تحالف مع الطبقات الريفية بصورة عامة (كما توقع هانتنقتون)، وإنما عملوا على التحالف مع مجموعاتهم العرقية بصفة خاصة ضد المجموعات العرقية الأخرى من ناحية، وضد المثقفين في المدن من ناحية أخرى (...).

وهذه حالة تختلف كثيرا في نظر المزروعي عن الحالة المصرية مثلا، حيث يتصف المجتمع المصري بقدر أكبر من التجانس العرقي، مما مكن العسكريين المصريين (بقيادة عبد الناصر) من التقارب مع القاعدة الريفية، ومن اتخاذ اجراءات حاسمة في مسألة الاصلاح الزراعي، مع السيطرة الكاملة على قطاع المثقفين (ترغيبا وترهبا). بينما استنزف العسكريون اليوغنديون جهودهم

في جبهة الصراعات القبلية في الريف، وجبهة الصراعات السياسية في المدن. فلم يتحقق الاستقرار السياسي المنشود، وما يمكن أن يترتب عليه من تحديث وتنمية بالصورة التي توقعها هانتنقتون.

اما إذا مددنا هذه المناقشة الى الحالة السودانية، فقد نرى بوضوح أن العشرية الأولى من عهد "الانقاذ"(1990-2000) عكست بوضوح نمطا من أنماط "التحالف" بين العسكريين والمثقفين، وهو من أنماط التحالف النادر الذي أشار اليه هنتنقتون، وقد انتهى الى الصدام والمفاصلة، تماما كما توقع. أما العشرية الثانية والثالثة من عهد الإنقاذ (2000-2019) فقد مثلتا انعطافا نحو المركب "العسكري-الفلاحي"؛ إذ ما أن فرغ الرئيس البشير من الإطاحة بالدكتور الترابي ومجموعته إلا وقد عمد (أي الرئيس البشير) والقيادات المدنية والعسكرية الموالية له الى تحطيم سيطرة المدينة على الريف، والى التواصل مع التكوينات القبلية في الريف، خاصة وأن البشير ومجموعته ينحدرون في الغالب الاعم من أصول ريفية بسيطة، تماما مثل الجنود والضباط اليوغنديين الذين استولوا على السلطة في كمبالا بقيادة عيد أمين عام 1971، ومثل الضباط البعثيين الذين استولوا على السلطة في دمشق بقيادة حافظ الأسد عام 1963. ولكن التحالف العسكري-الفلاحي لم يحقق نجاحا في الحالتين اليوغندية والسورية، ولم يوفر الاستقرار السياسي المتوقع، وذلك لأن العسكريين فضلوا الانحياز لمجموعاتهم العرقية في الريف، وتجاهلوا المجموعات العرقية الأخرى التي يتشكل منها الريف اليوغندي والسوري. وعلى المنوال اليوغندي-السوري ذاته سار نظام الرئيس البشير، فانحاز هو ومجموعته بصورة كبيرة الى المجموعات القبلية التي ينتمون اليها، وطفقوا يرفعونها اجتماعيا وسياسيا وعسكريا، بينما ضيق الخناق "سياسيا وأمنيا" على مجموعات قبلية أخرى، خاصة تلك التي تتوطن في أطراف البلاد.

وكانت النتيجة مشابهة تماما للحالة اليوغندية تحت قيادة عيدى أمين؛ أن استنزف "نظام الإنقاذ" جهوده في جبهة الصراعات القبلية في الريف (تُقرأ الحركات الثورية)، وفى جبهة الصراعات السياسية في المدن (نقابات وأحزاب ومهنيون). فخسر المجموعات القبلية في الريف، كما خسر القوى الحديثة في المدن، فلم تتحقق التنمية الموعودة، ولم يتحقق الاستقرار السياسي المنشود بالصورة التي تحدث عنها هانتنقتون.

أما الآن وقد سقط نظام الإنقاذ أو كاد، وبلغت الثورة الشعبية مداها، فكيف تبدو آفاق المشهد السياسي؟ والى أي مدى يمكن أن يفيد نموذج التحالف الذي اقترحه هانتنقتون وعدله المزروعي؟ إن تشغيل النموذج يبدأ، ضرورة، بهذا بسؤال: إلى أي فئة اجتماعية تنتمي "قوى الحرية والتغيير"؟ وإن كانت الاجابة التي لا ريب فيها أنها تنتمي الى "فئة المثقفين" من سكان المدن، فما نوع "التحالف" الذي تريد أن تبرم لتصل بالبلاد الى مرحلة الاستقرار والتنمية؟ أهو تحالف بينها وبين المؤسسة العسكرية؟ أم تحالف بينها وبين القوى الريفية التقليدية؟ إن من يرى مشهد الحشود المليونية التي أشرنا اليها في مطلع المقال (والتي تؤكد القدرة القيادية لقوى الحرية والتغيير) سيقول بلا تردد إن أمام قوى الحرية والتغيير خيار واحد راجح: أن تعقد عزمها على تحالف مثقفي المدن مع القوى الريفية (مع استبعاد كامل للمؤسسة العسكرية)، وهو مسار الثورة الشاملة التي تسعى لتحطيم نظام السلطة القائم، وإنشاء نظام جديد على أنقاضه، يكون أكثر استقرارا. والمدخل الطبيعي لذلك هو دعوة الجماهير للاحتشاد والمرابطة حتى يسلم المجلس العسكري السلطة، طوعا، لحكومة مدنية، أو حتى أن يركب أعضاؤه في طائرة واحدة ويهربون الى جهة تحميهم، كما فعل شاه إيران قديما، وكما فعل زين العابدين بن على حديثا؛ ثم الدعوة لإجراء انتخابات عامة قبل أن يتبدد الزخم الثوري.

ولكن من ينظر الى "المفاوضات" المباشرة وغير المباشرة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، سواء تلك التي جرت قبل الفض الدموي للاعتصام أو بعده، سيقول بلا تردد أن الفئتين يسعيان معا لإبرام نوع من التحالف؛ كل لأسباب خاصة به، وضغوط واقعة عليه. فاذا وقع ذلك فسيكون هو نمط التحالف بين "العسكريين والمثقفين" الذي تحدث عنه هنتنقتون آنفا، وتنبأ له بالفشل.

أما إن تسأل: لماذا يريد المجلس العسكري تحالفا مع قوى الحرية والتغيير، فلأن المجلس العسكري يحتاج لغطاء "مدني" ينال به القدر المطلوب من الاعتراف الدولي، ويستر به "الفظائع" التي ارتكب، وينجز من خلاله "التعهدات" التي قطع مع حلفائه في الداخل (من بقايا الإنقاذ)، وحماته الإقليميين؛ وكل ذلك في مرحلة انتقالية سابقة للعملية الديموقراطية المرتقبة. أما قوى الحرية والتغيير فلا تريد من المجلس العسكري أن يركب طيارة ويهرب، وإنما تريد أن تجعل منه "حصان طروادة، لتقضى من خلاله على ما تبقى من قوى الإنقاذ بضربة واحدة سريعة، وأن يمكنها، دون غيرها وقبلهم، من وضع أسس دستورية جديدة للحياة السياسية في السودان، وذلك قبل الدخول في العملية الديموقراطية المرتقبة (التي لا يعلم أحد لمن تكون الغلبة فيها). يضاف الى ذلك أن قوى الحرية والتغيير تتكون هي ذاتها من مجموعات سياسية متنافسة، وأن بعض تلك القوى لها "تفاهمات" سابقة مع المجلس العسكري، ومع القوى الإقليمية الداعمة له (بوساطة "حميدة" من قبل مدير المخابرات السابق صلاح قوش)، مما يعنى أن المجلس العسكري يمكن أن يعقد تحالفا منفردا مع من يرغب من فئات المثقفين، تاركا الآخرين في قارعة الطريق.

ويبقى الاحتمال الآخر الذي تخشاه قوى الحرية والتغيير، ويجبرها على التفاوض مع المجلس العسكري على علاته، وهو احتمال أن ينجح المجلس العسكري في التواصل مع القوى الريفية التقليدية، وفى حشدها وتعبئتها، فيتمكن، بما لديه من إمكانات مادية، من عقد التحالف العسكري-الفلاحي، ويستبعد عندئذ جميع مثقفي المدن، أو يبقيهم تحت السيطرة (ترغيبا أو ترهيبا) كما في الحالة المصرية.

الغريب في الأمر أن هذا النموذج هو ما كان يرمى اليه هانتنقتون ويوصى به الإدارات الامريكية. فدول العالم الثالث لن تنخرط، بتقديره، في "المسار الديموقراطي" دفعة واحدة، وانما تحتاج الى مرحلة انتقالية، تتحالف فيها البنادق مع الأعداد (أي القوى العسكرية مع قوى الريف)، تحت نظام أوتوقراطي، تتحقق به التنمية الاقتصادية؛ فّإذا تحققت التنمية الاقتصادية فإنها ستقود تلقائيا الى المسار الديموقراطي. لقد توفى هانتنقتون قبل عدة سنوات، ولكن نظريته عن تحالف البنادق مع الاعداد لم تزل حية في أدمغة الإدارة الأمريكية. ولعل المراقب للموقف الأمريكي من الثورة السودانية (ولموقف حلفاء أمريكا في الاقليم)، سيدرك أنهم لا يبحثون عن ثورة شعبية ناجحة في السودان، ولا يبحثون عن نظام ديموقراطي يُستبعد فيه العسكريون، وتقرر فيه الشعوب مصيرها وتشكل مستقبلها، وإنما يبحثون عن "الأرض وعن الجنود"، وعن نظام أوتوقراطي تابع، على شاكلة النظم الأفريقية والعربية القابضة، يمنحهم الأرض، ويوفر لهم الجنود، فيحفظ لهم بذلك الأمن والاستقرار في المنطقة.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق