تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: من اختار دوره اختار نهايته

27/06/2019 04:34


د. حازم حسنى

كل من عايش الانتخابات الرئاسية الأخيرة أو راقبها، وكل من قرأ أحداثها وحللها، يعرف أن لا مكان لوهم الاعتقاد بأن المنافسة السياسية ممكنة فى وجود هذا النظام الذى يحكم مصر الآن، حتى ولو كان المنافس السياسى ذا خلفية عسكرية ! ... لذا، أجدنى مندهشاً من أن ينساق بعض السياسيين فى مصر - من الشباب ومن الشيوخ - وراء وهم المنافسة فى أى انتخابات قادمة ولو على مستوى المحليات، أو وراء وهم المشاركة فى أى نشاط سياسى ميدانى، مسالماً كان هذا النشاط السياسى كما تخطط معارضة الداخل، أو كان تحركاً جماهيرياً ثورياً كما تأمل بعض فصائل المعارضة بالخارج !

 

لا انتخابات إذن ستخرج مصر من أزمتها التى تستحكم حلقاتها يوماً بعد يوم، ولا الرهان على انتفاضة الجماهير ستخرجها منها حتى لو كانت الثورة ممكنة، وهى لن تكون ممكنة فى السياق المصرى الحالى إلا إذا تساوت الحياة والموت لدى الكتلة الحرجة من الشعب المصرى، وهو أمر أستبعده وإن كنت لا أتعامل معه لاعتباره مستحيلاً ! ... يبقى التفكير فى الانتخابات أو فى الثورة إذن تبديداً لطاقة العقل فى الاصطدام بمعطيات الواقع وبكل أوهام تجهضها توازنات القوة الإقليمية والدولية !

 

ليست هذه دعوة لليأس من المستقبل، وإنما هى دعوة فقط لأن لا نضحى بكوادر مصر الواعدة فى معارك طواحين الهواء الخاسرة؛ فالسيسى سيذهب كما ذهب كل من جاءوا قبله، إن بحكم الطبيعة أو بحكم تغير السياقين الإقليمى والدولى، أو حتى بحكم انهيار النظام من داخله ! ... ولكن سيبقى من بعد ذهابه سؤال يجب أن نفكر فى إجابته من الآن وهو "ماذا بعد؟" ... ماذا بعد أن ينقضى حكم السيسى؟ هل سنعيد تجاربنا التاريخية الفاشلة مرة أخرى؟ هل سنقف عاجزين عن صياغة مستقبل بديل لا يربطنا بمفاهيم القرون الوسطى، ولا يدفعنا بلا عقل لتوريط مؤسسات الدولة فى أدوار تستهلك قدراتها وتفقدها أدوارها التقليدية فى إدارة شؤون الدولة المصرية؟!

أسئلة المستقبل هذه هى ما يجب علينا الاهتمام به، لا أن ننشغل بحاضر بائس لا أمل له فى الحياة إلا عبر أجهزة التنفس الاصطناعى، وأجهزة ضخ الدماء اصطناعياً فى شرايين تزداد تيبساً كل يوم كلما فقدت أجهزة الدولة الطبيعية أدوارها واعتادت أن تستعيض عما هو طبيعى بما هو اصطناعى !

 

أى قارئ جيد لنظام السيسى يعى تماماً أنه نظام وُلِد ولادة غير طبيعية، وأنه لم يكتسب الحق فى الحياة بحلوله فى جسد دولة طبيعية، ولا هى استلهمت إرادته إرادة الأمة المصرية فى البقاء؛ وإنما هو وُلِد مبتسراً سياسياً وتاريخياً، وأودع حضانات إقليمية

ودولية هى التى تمنحه أسباب القوة على مواجهة ما يواجهه من تحديات الحياة ... لا أعنى بالولادة المبتسرة هنا أحداث 30 يونيو وملابساتها، وإنما أتحدث عن نظام وُلِد بعد هذا التاريخ بشهور ومعه كل عوامل بقائه التى هى أيضاً عوامل انقضائه؛ فكل أوراق قوته ستكون هى نفسها أوراق ضعفه حين يتغير السياقان الإقليمى والدولى، وهما يتغيران؛ فعند لحظة معينة، قد نسميها لحظة الحقيقة، لن يُمَكِّنه هذا الإقليمى وهذا الدولى من أن يستمر هذا النظام فى الحياة اصطناعياً إلى الأبد ضد منطق السياسة، وضد منطق المصالح، وضد منطق التاريخ !

 

السيسى اختار لنفسه ولأركان نظامه ولنظامه نفسه الأدوار التى يقومون بها، وقد عبر الرجل عن هذه الأدوار بوضوح حين أكد على الملأ "إنه لو ينفع يتباع ليتباع" ! ... ومن يختار دوره، ويمضى فى أدائه بكل هذه الرعونة، وبكل هذا الطيش، وبكل هذه الثقة فى حكمة يعتقدها تأتيه من حكمة السماء، دون أى شعور بالحاجة لامتلاك ما يحتاجه رجل الدولة من ملكات الحكم الرشيد، مكتفياً بثقته فى دوام الحال الذى هو من المحال، إنما يختار - فى نفس الوقت، ودون أن يدرى - نهايته الحتمية التى ستأتيه عند لحظة الحقيقة من حيث يظن أنها كانت أوراق مأمنه !

 

اقرأوا دفتر أحوال النظام، وسترون نهايته تطل عليكم من بين كل سطرين فيه ! ... لا أرانى أهتم بمتى، ولا بكيف ستكون النهاية، لكنها قادمة فلا تستعجلوها ... أعلم أنها كلما تأخرت ازداد حجم ما سنواجهه ونتحمله من خسائر ومن فرص ضائعة، لكن يبقى السؤال الذى يؤرقنى، وأراه أهم من سؤال "متى" ومن سؤال "كيف"، هو سؤال "ماذا" ... ماذا ستكون حالنا عندما يذهب هذا الحاضر وتحضر لحظة الحقيقة؟ هل نحن مستعدون لما بعدها، أم أننا سنأخذ مصر معنا من بعدها إلى حيث خواء وتيبس وبؤس الأفكار التى أورثتنا بؤس تجاربنا بعد 25 يناير، كما أورثتنا بؤس ما تلاها من تجارب ما بعد 30 يونيو؟

 

ليست هذه الكلمات بطبيعة الحال استهانة بما حدث ويحدث كل يوم لكل الشباب والشيوخ الذين يدفعون ثمن محاولاتهم السياسية وراء القضبان، أو ربما تحت الثرى؛ فأنا لا أعرف ماذا يمكن أن يصيبنى بعد هذه الكلمات، ولا ماذا سيكون ما ألقاه عن مجمل أعمالى !! ... لكن، وإلى أن نرى ما يخفيه عنا الغيب ولا يفصح عنه، دعونا ننشغل بما هو فى أيدينا، وألا نبدد طاقتنا الفكرية فى مناطحة طواحين الهواء، وفى استعجال لحظة الحقيقة التى لها - ككل مثيلاتها - توقيت يختبئ فى جيوب الغيب !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق