تابعنا على الانترنت
استفتاء

ما حكم رفع اليدين في التكبيرات الزوائد في صلاة العيد والجنائز؟

25/06/2019 12:07


محمد حافظ

 جدلٌ واسع عند الصلاة على الميت وقع في إحدى المساجد في مسألة رفع اليدين مابين قائلٍ بالابتداع لمن رفع، وآخر بعدم العلم لمن لم يرفع. 

والقاعدة الأصولية تنص :«لا إنكار في مواطن الخلاف»

وقد أثا حفيظتي ما وقع  فأردت بيان المسألة لزوال الخلاف.

 

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: يرفع يدَيْه مع كل تكبيرة.

القول الثاني: لا يرفع يديه في التكبيرات الزَّوائد.

 

 

 

القائلون بالقول الأول:

بادئ ذي بدء «ما ورد من أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يرفع يديه في أوَّل تكبيرة ثم لا يعود، قال الحافظ: لم يصِحَّ فيه شيءٌ».

 

قال النوويُّ في «المجموع» (5/ 26): مذهَبُنا استحباب الرَّفع فيهن... وبه قال عطاءٌ والأوزاعيُّ، وأبو حنيفة، ومحمد، وأحمد، وداود، وابنُ المنذر.

 

ونحوه في «المُغْنِي» (2/ 381) وكذا في «الدِّين الخالص» (4/ 337)، وزاد: «وروي عن مالك».

 

وروى عبدالرَّزاق (3/ 297) عن ابن جريج قال: قلت لعطاءٍ: يَرفع الإمام يديه كلَّما كبَّر هذه التكبيرة الزيادة في صلاة الفطر؟ قال: نعَم، ويرفع الناسُ أيضًا.

 

وروى الفريابيُّ (2/ 136) بسند صحيحٍ عن الوليد - هو ابن مُسْلم - قال: سألتُ مالكَ بن أنسٍ عن ذلك - يعني: الرَّفع في تكبيرات الزوائد - فقال: نعَم، ارفع يديك مع كلِّ تكبيرة، ولم أَسمع فيه شيئًا.

 

وذهب لذلك أيضًا «عبدالحليم محمود» («الفقه الإسلامي الميسر» ص 98)، و«سيد سابق» («فقه السنة» 1/ 270)، و«ابن باز»، و«ابن عثيمين» («الشرح الممتع» 5/ 177)، وغيرهم - رحمهم الله.

 

 

 

أدلتهم:

 

الدليل الأول:

حديث «لا تُرْفَع الأيدي إلاَّ في سَبْعة مواطن»، وذكَر من جملتها تكبيراتِ الأعياد.

 

ذكره الكاسانيُّ (1/ 277)، والمرغيناني (1/ 86)، وغيرهما، وهو حديث ضعيفُ السَّند.

 

القاعدة الأصولية « إذا وُجد حديث ضعيف ووُجد رأيٌ فالأولى الأخذ بالحديث الضعيف لوروده عن النبي أما الرأي فلم يرد فيه شيئ عن النبي»

 

والضعف في ذاكرة أحد الراوة لا  في كلام النبي، فكلام النبي لا يوصف بالضعف { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يُوحى }

 

 

الدليل الثاني:

عن وائل بن حُجْر قال: «رأيتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يرفع يدَيْه مع التكبير».

 

رواه أحمد (4/ 316) ونحوه الطيالسي (1021) والدَّارِمي (1/ 285).

 

قال الألبانيُّ: وهذا سنَدٌ حسَن، رجاله ثقات، كلُّهم من رجال الستَّة غير اليحصبيِّ هذا، وقد روى عنه ثِقَتان، ووثَّقه ابن حبان.

 

قال الإمام أحمد عقِبَ هذا الحديث: «أمَّا أنا، فأرى أنَّ هذا الحديث يدخل فيه هذا كله»؛ يعني رفع اليدين في العيدين في التكبيرات الزَّوائد.

 

وهذا حديث عامٌّ، يدخل فيه تكبير العيدين، ولكن الألباني خالف في هذا العموم، وسيأتي كلامُه.

 

 

 

الدليل الثالث:

عن ابن عُمَر قال: كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتَّى تكونا حذْوَ منكبيه، ثم كبَّر وهما كذلك، وركع، وإذا أراد أن يرفع رفعَهما، حتَّى يكونا حذو منكبيه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده»، ثم يسجد، ولا يرفع يديه في السُّجود، ويرفعها في كلِّ تكبيرة يكبِّرُها قبل الركوع حتى تنقضي صلاتُه.

 

 

 رواه أحمد (2/ 133) بسندٍ على شرط الشيخين، فهو «حديثٌ صحيح».

 

واحتجَّ به ابن المنذر والبيهقيُّ كما في («التلخيص» 145).

 

قال في «عون المعبود» (4/ 11): وأما رَفْع اليدين في تكبيرات العيدين، فلم يَثْبت في حديث صحيحٍ مرفوع.

 

قال الألبانيُّ في «الإرواء»: «الاستدلال بِهذه الجملة التي في آخر الحديث على ما ذهب إليه ابنُ المنذر والبيهقيُّ لا يخلو من بُعْد؛ ذلك لأنَّ سياق الحديث في وصف الرفع في الصلاة المكتوبة التي ليس فيها تكبيرات الزَّوائد الخاصة بصلاة العيد، والقول بأنَّ ابن عمر أرادها في هذا الحديث مما لا يساعد عليه السِّياق».

 

والاستدلال بهذا الحديث بعيدٌ، ولكنه شاهدٌ من الشواهد التي تنضمُّ لما سيأتي فيتقوَّى الحكم، ولا سيَّما أن «العبرة بعموم اللَّفظ» كما تنص القاعدة الأصولية.

 

 

 

الدليل الرابع:

أنَّ ذلك وإن لم يثبت عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد ثبت عن الصحابة؛ إذْ ورد عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت.

 

حديث عمر:

أنَّه كان يَرفع يديه مع كلِّ تكبيرة في الجنازة وفي العيد، رواه البيهقيُّ (3/ 293) والأثرم، وفيه ابن لهيعة، وابن لهيعة ضعيفُ الحفظ، ولذلك فهو يعتبر به في الشَّواهد والمُتابَعات، ولا يكون حجَّة إذا تفرَّد، إلا إن روى عنه العبادلةُ كما عُرِف في محلِّه.

 

 

 

حديث ابن عمر:

قال ابن القيِّم في «زاد المعاد» (1/ 433): وكان ابن عمر مع تحرِّيه للاتِّباع يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة.

 

قال الكمال بن الهمام - كما في «الدين الخالص» 4/ 337، و«فتح القدير» 1/ 427 -: «ثبت الرَّفع عن عمر وابنه مع تحرِّيهما للاتِّباع، ولم يُعْرَف لهما مخالِف، وتكبير العيد داخلٌ في عموم حديث وائل بن حُجر».

 

وهكذا ذكَر العلماءُ أنَّ ذلك ورد عن ابن عمر، وقال الألبانيُّ في «تمام المنة» (1/ 349): لَم أقف عليها الآن.

 

وإنَّما الذي صحَّ عن ابن عمر، رفْعُه يدَه في تكبيرات الجنائز.

 

 

 

ذكره البخاريُّ تعليقًا (3/ 189) ووصله في جزء رفع اليدَيْن (105) ورواه الشافعيُّ في «الأُمِّ»، (1/ 240) وأحمد (6/ 266) وعبدالرزَّاق (6360) وابن أبي شَيْبة (3/ 269)، والبيهقيُّ (4/ 2).

 

وصحَّحه الألبانيُّ في «تمام المنة» (1/ 349)، مع أنه لم يَقُل به، وكذلك صحَّحه الحافظ.

 

 

 

حديث زيد بن ثابت:

ذكره صاحب «منار السبيل»، ونسبه للأثرم.

 

وروى ابن أبي شيبة (3/ 296) عنه أنه قال: من السُّنة أن ترفع يديك في كلِّ تكبيرة.

 

وقال الألبانيُّ: وأما الرواية عن زيدٍ بذلك، فلم أقِف على إسنادها.

 

هذه هي الآثار الواردة عن الصَّحابة، وبعضها في الجنائز، وكذلك صحَّ عن ابن عباس أنَّه كان يرفع يده في تكبيرات الجنائز، رواه سعيد بن منصور (الحافظ في

«التلخيص» 2/ 147)، ولا فرق بين العيد والجنائز في ذلك، ولا أعلم أحدًا من المتقدِّمين فرَّق بينهما، فقال: يرفع في أحدهما دون الآخر، وحتى إن قال بذلك أحد، فليس هناك دليلٌ على التفريق.

 

وعلى التنَزُّل نقول: إنَّ الآثار الواردة في العيدين إن كانت ضعيفةً، فهي «خفيفة الضَّعف»، تعتبر في الشواهد والمتابعات، فتنضم لما ذُكِر من شواهدَ مرفوعةٍ من قبل.

 

 

 

الدليل الخامس:

الاستقراء؛ أي: استِقْراء مواضع الرَّفع في الصلاة، احتجَّ بذلك الشافعيُّ في «الأم» (1/ 237)، فقال: «رفع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يديه حين افتتح الصلاة، وحين أراد أن يَرْكَع، وحين رفع رأسه من الركوع، ولم يرفع في السُّجود، فلمَّا رفع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كلّ ذكر تكبيرة، وقول «سمع الله لمن حمده»، وكان حين يذكر الله - جلَّ وعز - رافعًا يديه قائمًا، أو رافعًا إلى قيام من غير سجود، فلم يَجُز إلاَّ أن يُقال: يرفع المكبِّر في العيدين يديه عند كلِّ تكبيرة كان قائمًا فيها؛ تكبيرة الافتتاح، والسبع بعدها، والخمس في الثانية...».

 

 

 

ونَحْوَ ذلك قال ابن المنذر في «الأوسط» (4/ 281)، قال:

 

سنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يرفع المصلِّي يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع، وكلُّ ذلك تكبيرٌ في حال القيام، فكلُّ من كبَّر في حال القيام رفع يديه استدلالًا بالسُّنة.

 

بيان ذلك أنَّ الاستقراء من الأدلة التي يَلْجأ إليها المجتهدُ عندما لا يستطيع الترجيح بنصٍّ أو دليل آخَر، فإذا استقريت مواضع التكبير والرَّفع فيها وُجِد أن كلَّ تكبير في حال القيام يرفع فيه، ولم يأتِ بخلاف ذلك شيءٌ، «وما ورد من أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يرفع يديه في أوَّل تكبيرة ثم لا يعود، قال الحافظ: لم يصِحَّ فيه شيءٌ».

 

فمن ثَمَّ أُلْحِقت تكبيراتُ العيد بتكبيرات الجنازة التي صحَّ فيها عن ابن عمر الرَّفع؛ لعدم وجود ما يَمنع من هذا الإلحاق.

 

وحينما سُئل بن باز مفتي الحرمين الشريفين

هل من السنة الصحيحة أن يرفع المصلي يديه عند التكبيرات الزوائد في العيدين؟

 

الجواب:

هذا هو الأفضل، الأفضل يرفع يديه في صلاة العيدين وفي الجنازة أيضًا في التكبيرات الأربع، وكذلك في صلاة العيدين، في الأولى والثانية. نعم.

 

القول الثاني: لا يرفع يديه في التكبيرات الزوائد:

 

القائلون به:

 

قال في «المجموع» (5/ 26): وقال مالكٌ والثوريُّ وابن أبي ليلى وأبو يوسف: لا يرفع اليدين إلاَّ في تكبيرة الإحرام.

 

قال ابن المنذر في «الأوسط» (4/ 281): يرفع يديه في أوَّل تكبيرة، هذا قول سفيان الثوريِّ، وقال مالكٌ: ليس في ذلك سُنَّة لازمة، فمن شاء رفع يدَيْه فيها كلها، وفي الأُولى أحبُّ إليَّ.

 

 

 

أدلتهم:

قالوا: الأصل عدَمُه، ولم يثبت فيه شيءٌ يوجب المصيرَ إليه.

 

ففي «الدِّين الخالص» (4/ 337)، قال: «لأنَّه لم يثبت عندهم ما يدلُّ عليه».

 

 

 

وقال ابن الهمام الحنفي «فتح القدير» (1/ 427):

 

«ما روي عن أبي يوسف أنَّه لا تُرْفَع الأيدي في تكبير العيد، يكفي فيه كونُ المتحقّق من الشَّرع ثبوتُ التكبير، ولم يثبت الرفع فيَبْقى على العَدم الأصليِّ».

 

 

 

قال الشوكانيُّ في «نَيْل الأوطار» (5/ 55):

 

«والحاصلُ أنَّه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيءٌ يصلح للاحتجاج به عن النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأفعال الصحابة وأقوالهم لا حجَّة فيها، فينبغي أن يقتصر على الرَّفع عند تكبيرة الإحرام؛ لأنه لم يشرع في غيرها إلاَّ عند الانتقال من ركنٍ إلى ركن كما في سائر الصَّلوات».

 

 

 

وقال الألبانيُّ في «تمام المِنَّة» (1/ 348):

 

لا يُسَنُّ ذلك؛ لأنه لم يثبت ذلك عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكونه روي عن عمر وابنِه لا يَجعله سنة.

 

الرد على الألباني

وهذا الكلام فيه نظَر، ولا سيَّما مِن مِثل الألبانيِّ؛ فإنَّه من أشدِّ المتمسِّكين بأقوال الصحابة والعمل بها في تفسير نصوص الشَّريعة، والعمل بها عند عدم وجود المرفوع، فكيف لا يكون ما رُوي عن الصحابة سُنَّة، وليس هناك مرفوع ولا حتى موقوف يخالفه؟!

 

والعجيب أنه بعد أن قال ما سبق، نقل عن مالكٍ أنه قال: لم أسمع فيه شيئًا، مع أن مالكًا نفسه قد قال: «من شاء أن يرفع فليرفع»، كما سبق نقله عنه، وهذا يدل - والله أعلم - على أنه إن لم تثبت في ذلك سُنَّة، فالعمل على ما تدلُّ عليه النصوص من عموماتٍ وقرائن، ونحو ذلك جائز، والله أعلم.

 

فالذي يترجَّح: رفع اليدين فيها، والله أعلم.

 

 

 

فإن قيل: إنَّ عموم الأحاديث المذكورة لا يصحُّ الاحتجاج به؛ لأنه لا يُحتجُّ بالعموم في العبادات العمليَّة التي فُصِّلت تفصيلًا كالصلوات.

 

الرد

قلنا: هذا كلام صحيح، ولكنه حيث لم يَجْرِ العمل بهذا العموم بين المسلمين مثل وَضْع اليدين على الصدر بعد الرَّفع من الرُّكوع، أما رفع اليدين في التكبيرات الزوائد فهو عمل المسلمين قديمًا وحديثًا، فيصحُّ الاحتجاج عليه بالعموم.

 

 

فإن قيل: إن كان ذلك كذلك، فكيف لم يُنْقَل عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -؟

 

قلنا: القاعدة الأصولية «إنَّ عدم العلم ليس علمًا بالعدم»، كما هو مقرَّر في أصول الفقه، فعدم النَّقل عن النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في ذلك ليس دليلًا على أنه لم يفعَلْه، ولكنه عدم أصلي، والقرائن المذكورة أقوى منه، ولا سيَّما بما ورد عن الصَّحابة - رضوان الله عليهم- وعلى التنَزُّل فقد ورد ذلك عن التابعين، فقد صحَّ عن عطاء بن أبي رباحٍ أنه قال بذلك.

 

رواه عبدالرزاق (3/ 297) والبيهقي وابن المنذر وغيرهم.

 

 

وقد قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، فإذا فُرِض أنَّ ذلك لم يرد في حديث مرفوعٍ ولا موقوف، فأَوْلى ما أُخِذَ به في ذلك ما رُوِي عن التابعين؛ لأنه لا يوجد خلافه مرفوعًا ولا موقوفًا، والله تعالى أعلى وأعلم.

 

والحمد لله ربِّ العالمين.

 

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق