تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر السياسى حازم حسنى..يكتب: "بداية الطريق " حديث المعنى

23/06/2019 02:06


د. حازم حسنى

حين انتصرت لحركة التاريخ فى الخامس والعشرين من يناير، لم أكن أسعى بهذا لتمكين جماعة الإخوان ولا للدكتور مرسى - رحمه الله - من حكم مصر .. وحين انتصرت بعدها لحركة التاريخ فى الثلاثين من يونيو، لم أكن أسعى لتمكين الفريق السيسى - هداه الله وإيانا - من حكم مصر .. فى الحالتين لم أكن أنتصر إلا لحق مصر فى أن تبدأ رحلتها إلى مستقبل يليق بها بعد أن طال انتظاره وطال انتظار الرحلة إليه، وهى رحلة يعلم كل قارئ للتاريخ أنها ستكون طويلة وشاقة، وأن طريقها ملئ بالمنعرجات الخطرة، والمفترقات المخادعة، والمطبات التى ستصيب من لا ينتبه لوجودها بما لا يستريح إليه !

 

جميعنا - حتى من حافظ منا على حذره، وكان أكثرنا حرصاً فى حساب خطواته قبل أن يخطوها - إنما صادف مطباً أو أكثر من هذه المطبات المزعجة، وكادت تودى بنا جميعاً منعرجات الطريق الخطرة؛ بل رأينا كيف أعجزت هذه المطبات الكثيرين ممن لم يقووا على إكمال الطريق، وكيف تاه منا عند مفترقات الطرق من كابر وعاند وتصور أن تكرار اتجاهات الماضى يقودنا إلى الطريق الآمن نحو المستقبل، بل ورأينا - فوق هذا وذاك من الأهوال - كيف أودت بعض منعرجات الطريق بمن فقدناهم - اعتقالاً أو استشهاداً - منذ بدأت الرحلة :-(

 

يخطئ منا إذن من يتصور أنه محصن ضد هذه المخاطر، أو أن ما بيده من خرائط سيعصمه من غدر المطبات التى ستقابله على طول الطريق، أو أن خرائطه ستمنحه بالضرورة حكمة الاختيار الرشيد عند مفترقات الطريق، أو أنها ستأخذ بيده إلى مأمنه عند منعرجاته التى ستفاجئنا جميعاً - خاصة ما قد يستجد منها - كلما قطعنا شوطاً من أشواط الرحلة التى بدأناها بحكم تململ الحاضر، أو استجابةً لنداء المستقبل، لكننا لا نعرف متى ولا كيف ستنتهى بنا رحلتنا هذه إلى المستقبل إن كان لمثل هذه الرحلات من نهاية؛ ويخطئ أكثر من أولئك وهؤلاء من ينكر امتلاء رحلات التاريخ بهذه السلاسل التى لا تنتهى من المطبات ومن منعرجات ومفترقات الطريق ..

 

.. لكنه لا يخطئ فقط، بل هو يرتكب الخطيئة كل من يتصور أن ما يرسمه من خرائط الطريق التى ترضى أهواءه، أو تحقق له مصالحه وحده ولو على حساب الأجيال القادمة، هو ما سيمنح الطريق إلى المستقبل هندسته، ويزيل عنه مطباته، ويهذب منعرجاته، ويلملم الشمل اصطفافاً وراء خرائطه عند مفترقات الطريق !!

 

ما قمنا به فى

الخامس والعشرين من يناير، أو فى الثلاثين من يونيو، إنما قمنا به من أجل هذا المستقبل القابع وراء المجهول .. لا مستقبل جماعة الإخوان التى تسعى لاستعادة دولة الخلافة وصولاً لأستاذية العالم، ولا لمستقبل الساعين لاستعادة ملك سليمان على طول الطريق الممتد بين وهم الكرسى الذى جلس عليه سليمان ووهم الكرسى الجالس عليه من فهمها كما فهمها سليمان ! ... المستقبل الذى كنا وما زلنا نسعى إليه هو مستقبل مصر : مصر الأمة والوطن والدولة والمعنى؛ فبغير هذا الأخير لن يكون ثمة معنى لاستعادة الأمة المصرية التى ذهبت ولم تعد إلى الآن، ولا لاستعادة الوطن الذى تكاثر عليه الجراد ليأكل ما استطاع من أوراقه، ولا لاستعادة الدولة التى تآكلت مقوماتها، وفقدت جل قوتها وتماسكها !

 

سؤال المعنى هو السؤال الوحيد الذى لم نطرحه على أنفسنا حتى بعد أن استغرقتنا الرحلة وقسا علينا مذاق أهوالها .. وبغير إجابة عن هذا السؤال الوجودى لن يكون للمضى قدماً فى رحلتنا أى منطق تاريخى، ولا نحن سنعرف إن كان لاصطفافنا وراء ما ندعوه "مصر" أو ندعوه بـ"الثورة"، أو "الديمقراطية"، أو "الحرية"، أو "الشرعية" أى مدلول أو أى قيمة يُعتد بها ... الثورة - كما أفهمها - هى الثورة على اللامعنى، والديمقراطية كما أفهمها هى اشتراك الجميع فى استخلاص ما غاب من ملامح المعنى، أما الحرية فهى أن نتخلص من كل ألوان الاستبداد التى تغرينا بالشعارات بدلاً من المعانى، فلا وجود لأى شرعية إن لم تكن شرعية المعنى الذى ضاع منا فى زحام الشعارات التى قتلته على مدى قرون طويلة تحولت حياتنا خلالها إلى حياة بلا معنى !

 

أعلم أن الحديث قد طال، لكنه على طوله كان مجرد مقدمة قصيرة لحديث عن المستقبل أعتقده سيطول لاستخلاص المعنى الذى يستقيم به هذا المستقبل وتستقيم به الحياة : حياة الأمة والوطن والدولة والناس ... هو حديث تأخر بعضه طويلاً، ربما لقرون، حتى توطن المرض فينا، وكاد يأتى على ما تبقى من جسد مصر التى نهتف بحياتها - بالحق حيناً، وبالباطل فى أغلب الأحيان - بغير حمرة حياء تكسو وجوهنا ونحن ننظر فى المرآة إلى حقيقتنا ! ... وعفواً إذا كنت سأثقل على الكثيرين منكم بحديث قد يكرهونه عن هذا "المعنى" الذى سقط منا حتى قبل أن نبدأ رحلتنا نحو مستقبل مازال بلا معنى، لكنه رغم فقدانه للمعنى قد راح الجميع يتصارعون على الإمساك بزمامه، وعلى تحديد ملامحه، وعلى رسم خرائط الطريق التى تأخذنا إليه !!

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق