مَن هي منى حوَّا.. التي اعترضت عليها إسرائيل وفصلتها شبكة الجزيرة؟

20/05/2019 01:57

ربما لم تكن الصحفية الفلسطينية منى حوا تدرك وهي تشرع في تأسيس صفحة (الأندلس) على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عام 2010، أن هذه الصفحة ستكون نقطة انطلاق حقيقية لها نحو الشهرة، لكنها كانت كذلك.

 

منى عبد المحسن حوَّا من (صفد) التي ستعود إليها كما تقول، وهي من مواليد الكويت4 يناير 1988م، نشأت في السودان ودرست فيها، وتعمل في مجال الإعلام منذ نحو تسع سنوات، أعدت وقدمت مجموعة من البرامج، وعملت مراسلة لقناة الأقصى من الخرطوم.

 

كانت منى حوا طالبة في الجامعة عندما حصلت عام 2006 على "كنز مسموع" اسمه: "فلسطين حتى لا تكون أندلس أخرى"، للدكتور راغب السرجاني، أثر فيها كثيراً ودفعها إلى عقد بعض المحاضرات مع صديقاتها حول العنوان والطرح، واشتعل الشغف بقلبها لتعرف المزيد عن الأندلس؛ ما قادها إلى مجموعة أخرى بعنوان: "الأندلس من الفتح إلى السقوط"، وعلى إثر هذا الشغف، جاء إنشاء مدونة "أندلسي" عام 2014.

 

تدريجياً بدأت حوا بالتوسع في القراءة لإثراء الصفحة، وبعد القراءة اختلفت نظرتها للقضية، تقول: "كنت أظن الأندلس تاريخاً، فوجدتها واقعاً مغيباً"، لذا فهي تؤمن الآن بأن "الأندلس إن سقطت من الخريطة فلن نسمح لها بالسقوط من الذاكرة".

 

تقول حوا: "الأندلس قضية تشريد أكثر من خمسة ملايين لاجئ في المغرب وحده، وهي قضية تزييف تاريخي كبرى وسرقة وإجرام وتزوير، ومن فرّط في أندلس البارحة يفرط في فلسطين والشام وبورما وكل بلد تنتهك فيه الإنسانية اليوم، الأندلس قصة الأمة المبادة الشهيدة".

 

الحديث عن الأندلس والجراح لا تزال تثخن في أنحاء عدة في الجسد الإسلامي ومنها فلسطين، يبدو أمراً غير منطقي، لكنه (في نظر حوّا) ليس كذلك على الإطلاق، فالقراءة المتعمقة للتاريخ تثبت أن تاريخ فلسطين هو الوجه الآخر لتاريخ الأندلس؛ فالمحنة واحدة، كما تقول.

 

إذا أردت أن تعرف ما لا تعرفه عن الأندلس وتاريخها وعمق مأساتها فما عليك إلا الدخول إلى صفحة منى حوا (الأندلس)، لتجد نفسك أمام حقائق وتواريخ ربما لم تعرفها من قبل، وربما لم تكن لتعرفها لولا هذه الصفحة التي أسستها هذه الشابة الفلسطينية.

 

تحت عنوان (المطرودون) تحدثك حوا عن (الموريسكيون) فتقول: "من المدهش حقاً أن نعلم أن لأجدادنا من الأندلسيين المواركة إسهامات حضارية، برغم المعاناة والتنكيل والتهميش وكل المظاهر البائسة التي كانت تشاركهم حياتهم المعذبة التي كانوا يحيونها".

 

وتضيف حوا: "فعلى مدى قرابة قرن من الزمان عاشوه بعد سقوط الحكم الإسلامي في كنف السلطة القشتالية الغاشمة، وجبروت محاكم التفتيش وتعنت الكنيسة الكاثولكية، لم يعرفوا يوماً لذة العيش ولا ذاقوا هناء الحياة، فكل أيامهم كانت محاطة بالشقاء؛ يهيمون على وجوههم بين الأزقة الأندلسية التي ألفوها وألفها من قبلهم الأولون، فيرسم الحزن ملامحه على وجوههم، بينما تصفع أجسادهم رياح عز قد زال".

 

لو لم تقرأ سوى هذا المقطع من المقال لشعرت بما شعر به هؤلاء الأجداد من خسارة واضطهاد.

 

ولا تقف حوا عند حد الاضطهاد والشقاء الذي عاناه مسلمو الأندلس

بعد سقوطها؛ لكنها تحدثك أيضاً عن فنونهم وموروثاتهم وأكلاتهم وعاداتهم الاجتماعية والثقافية، وتنقل لك صوراً من هناك (من الأندلس)، وقد وصل التأثر بـ"حوا" إلى شكل الأثاث وبعض الطباع وبعض الملابس، وتعلم بعض الأطباق على النسق المغربي الأندلسي، ومبرر هذا كله أن "الشغف عندما يسيطر على الإنسان يغير كل تفاصيل حياته". حوا تنقلك عبر الزمن إلى "الأندلس".

 

الأندلس عندي ليست عاطفة "رومانسية" إطلاقاً بقدر ما هي معرفة بهوية مبادة يجب الانتصار لها، تقول الكاتبة الفلسطينية؛ فليس من المقبول أبداً أن تحتفل إسبانيا سنوياً حتى هذا اليوم بسقوط الأندلس، تقول حوا. وتدحض كل شبهة تدعي أن الاحتفالات الإسبانية هي احتفالات استقلال: "الأندلس سلمت غرناطة تسليماً بمعاهدة دولية بين سلطة شرعية في الأندلس مع محتل قشتالي"، بحسب قولها.

 

وتتابع: "هذا الاحتفال هو احتفال بالغدر والجريمة، وبنقض المعاهدة وبإبادة هوية، وبقرون متتالية من التعذيب والحرق والملاحقة".

 

وفي تجربة الأندلس دروس أيضاً، إذ تقول: "علمتني أننا لا شيء؛ لا شيء بجهلنا ولا شيء بعملنا ولا شيء بصمودنا أمام أصحاب الأخدود في الأندلس، الأندلس جعلت طموحنا يكبر مع سيرة بنائها، وهمومنا تصغر مع قصص سقوطها"، مشيرة إلى أنها تطمح من خلال صفحة "الأندلس" إلى منع الاحتفالات السنوية بسقوط الأندلس في إسبانيا.

 

في العام 2013، ومع مرور الذكرى الـ(521) لسقوط الأندلس، أطلقت حوا حملة لإحياء الأندلس، وكان عدد متابعي صفحتها على فيسبوك قد تجاوز حاجز 133 ألفاً، لكن العدد ليس هو المقياس، كما تؤكد حوا، فالمهم نوعية الأعضاء الذين تلمس في بعض تعليقاتهم عمقاً واطلاعاً واسعاً، مشيرة إلى أن حملتها شهدت تفاعلاً جيداً من المشاركين في الصفحة، آنذاك، وأظهرت لها أن هناك شباباً شغوفين بالأندلس، ويسعون لإحداث تغير معرفي، ويزيلون الكثير من الضباب عن التاريخ.

 

وعن الشباب والأندلس بشكل عام، ترى حوا أن المطلوب أن يتكون لديهم وعي للكيفية التي بُطش بها بهذه الحضارة، وكيفية سقوطها وإبادة الهوية فيها، قائلة: "انتصار العدو الحقيقي كان في البطش بحضارات الشعوب الأخرى، عندما تُعاد كتابة معظم صفحات التاريخ في صورة تناسب العدو، فيعملقون حضارتهم ويقزمون الحضارات الأخرى، يومها فقط انتصروا، ويا للأسف كلا الجانبين مغيب بشكل عام، وإن كان هناك نماذج رائعة لتفاعل الشباب"، لذا هي تختزل نصيحتها لهم في كلمة واحدة "اقرأ".

 

في أبريل/نيسان 2015 استضافت العاصمة القطرية الدوحة مؤتمراً بعنوان (الأندلس تاريخ نعيشه)، بمشاركة عدد من الباحثين والمتخصصين، وكانت حوا في مقدمة الحاضرين طبعاً.

 

في كلمتها خلال المؤتمر أكدت حوا ضرورة الاهتمام بقضية الموريسكيين بصفة خاصة والأندلس بصفة عامة، موضحة أن تجرع الفلسطينيين الآن لمرارات الظلم لا يعني أبداً تجاهل ظلم شبيه حدث منذ خمسة قرون، وأن التعايش ليس مجرد شعار ولا يمكن تطبيقه أبداً إلا في وجود العدل.

 

وبعد الحديث عنها وعن الأندلس تقول: "الأندلس ليست ترفاً ثقافياً؛ هناك عجوز من أصل أندلسيّ في شمال إفريقيا ما زالت تحتفظ بمفتاح بيتها وقوشان أرضها في الأندلس، الأندلس التي سقطت من الخريطة لا تجعلوها تسقط من الذاكرة".



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق