تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر السياسى حازم حسنى..يكتب: بعقلى وضميرى لا بعقل وضمير غيرى

16/05/2019 11:31


د. حازم حسنى

أحببت فى هذه الأيام الرمضانية أن أكتب عن الصوفية، وعن المتصوفة، وأن أمتع نفسى بحِكَم وأشعار الصوفيين، وأن أناقش فلسفة الصوفية وتعبيراتها الفنية والرمزية فى علاقتها بمنظومة الأفكار الإنسانية ... كنت أريد بهذا أن أريح رأسى خلال هذا الشهر الكريم من بؤس السياسة ومن نكد المشاحنات، لكن يبدو أن حديث التصوف قد استفز قطاعات عريضة من عامة المصريين ما زالت غارقةً حتى أطراف أنوفها فى دوامة الحساسيات الدينية المغلقة على نفسها، فكان أن فتحت هذه الحساسيات بدورها أبواب السياسة ومشاحناتها على مصاريعها من حيث أردت إراحة الرأس منها !

 

لا بأس، فشهر رمضان هو على أى حال شهر مجاهدة، وذلك على غير تصورات البعض عن الشهر الكريم بأنه فقط شهر صيام وصلوات وصدقات، فما هذه العبادات إلا ضرب من ضروب المجاهدة التى لا تنفى فروض مجاهدة محترفى التنطع الذين أفسدوا علينا ديننا، ومجاهدة أصحاب الجهالة الذين أفسدوا علينا دنيانا ! ... علنا ونحن على طريق المجاهدة هذا - الذى فُرِض علينا ولم نسعى إليه - ننصر العلم على الجهل، والحكمة على الحماقة، والحق على الباطل، والحقيقة على الزيف ... ولأنه لا أحد معصوم من الزلل، فلا دعاء يعلو فى هذه المجاهدة على دعاء أن يرزقنا الله العلم والحكمة، وأن يجعلنا من أهل الحق والحقيقة، وأن يعيننا على كل ما يبعدنا عن كل هذا، وأن يوفقنا - كما قال ذو النون المصرى - لألا نكتب بأيدينا غير شئ يسرنا فى القيامة أن نراه !

 

ربما كان حديث الصوفية والمتصوفة الذى أحببت أن أتطرق إليه منذ البداية هو - من حيث لم أقصد - بداية الخيط لطرح كثير من القضايا التى تعيننا على هذه المجاهدة، حتى وإن لم تكن الصوفية بذاتها هى موضوع هذه المجاهدة، ولا هى بالضرورة سلاحها ! ... هى مجرد بداية خيط قد ننجح - إن نحن تتبعناه - فى فهم حقيقة المرض الذى تعانى منه الأمة المصرية، ويترنح من قسوة أعراضه جسد الدولة المصرية، فلا نقفز بعدها إلى هذا الذى أقرأه كثيراً، وأعنى به وهم الاعتقاد بأننا قد فرغنا من تشخيص المرض ورصد أعراضه، ولم يبق أمامنا إلا أن نصف العلاج ! ... الحقيقة المُرَّة هى أننا لم نفرغ بعد من تشخيص المرض، ولا نحن رصدنا بعد كل أعراضه؛ فما زالت أمامنا طريق طويلة كى لا نكرر نفس ما قعنا فيه من قبل مرات ومرات ونحن يهيأ لنا أننا نعرف المرض ونعرف علاجه !!

 

ليست سراً هذه الكراهية، ولا هو خاف على أحد هذا العداء، اللذان يباعدان بين السلفية الوهابية وبين الفكر الصوفى؛ أضيف إلى هذا ما اعتاد أتباع الوهابية ترديده على الناس من أن الوهابية ليست مذهباً وإنما هى حركة إصلاحية تعيد الإسلام إلى أصوله وتبعد عنه الانحرافات والبدع والضلالات، وما كان وصف الوهابية بالمذهب - على حد قولهم - إلا جهلاً من جماعة المثقفين الذين لا دراية لهم بالنواحى الفقهية التى لا يملكها إلا أتباع الوهابية الراسخون فى العلم !

 

نفى صفة "المذهب" عن الوهابية هو فى حقيقته قول ماكر يدعى به الوهابيون لأنفسهم عصمة من النقد؛ فالمذهب هو بناء فكرى يؤخذ منه ويُرَد عليه، ومن المقبول أن يتركه المرء، بل وأن يهدمه بالكامل، دون أن يؤثر ذلك على إيمانه ولا على صحة موقفه الدينى؛ أما ادعاء الوهابيين بأنهم حركة إصلاحية فإنه يفترض أن الوهابية لا تمتلك بناءً فكرياً يخصها، وإنما هى تملك فقط مفاتيح البناء الفكرى للإسلام الذى يسعى الوهابيون لتطهيره من الانحرافات والبدع والضلالات، ومن ثم فإن أى نقد - أو نقض - لما يقولون أو يفعلون إنما يكون بالضرورة نقداً - أو نقضاً - للإسلام ذاته !

 

الحقيقة هى أن الوهابية مذهب - كأى مذهب آخر - حتى وإن كان هذا المذهب فى تراتبية المذاهب هو فرعٌ من فرعٍ من فرعٍ من فرع ! ... فلا الوهابية هى صحيح الدين، ولا الأخذ بها يكون بالضرورة إصلاحاً، بل قد يكون إفساداً ونحن لا ندرى أنه الإفساد ! ... كيف نعرف إذن صحيح الدين من فاسده؟ فلكل إنسان قراءته الدينية، ولكل إنسان رؤيته الإصلاحية ! ... قد يقول قائل إنه بالاتباع يعرف المرء طريقه ويصل إلى وجهته، وهذا ما تراهن عليه الوهابية التى ترفع شعار إصلاح ما فسد من الدين، ومن ثَمَّ فهى تعتبر نفسها على يقين بمعرفة صورة الإسلام الذى لم يفسد، وذلك وفق مرجعيات الوهابية بطبيعة الحال !

 

حتى حين ساروا بغير عقل نقدى وراء أفكار وأحكام وكتابات الإمام ابن تيمية - رحمه الله - باعتبارها الصحيح الملزم لكل زمان ومكان، فإنه لم يكن لديهم العقل التاريخى ولا التكوين المعرفى الذى يمكنهم من الربط بين فتاوى ابن تيمية وبين الظرف التاريخى الذى أحاط بفكره، مما قد أعود إليه لاحقاً فى رسائل قادمة، لا لأتحدى ابن تيمية فيما كتب كما يفعل بعض من يرفعون شعار "أمير الانتقام" القائل

: "أتحداك مبارزاً، فحدد المكان والزمان!"، فهذا لا يقود إلا للمقارعة والمخاصمة والمغالبة الدينية، وهى من كبرى آفات وخطايا مجتمعنا؛ وإنما قد أعود لاحقاً لابن تيمية فقط لنفهم جميعاً العلاقة الوطيدة بين التاريخ والفكر، ومن ثم بين الفكر وبين بنائية المستقبل !

 

أعود مرة أخرى إلى السؤال الذى طرحته فى فقرة سابقة وهو كيف نعرف أن أفكارنا تسير بأمان على طريق مستقيمة لا اعوجاج فيها، إن لم يكن مصباحنا الذى نتعرف به على الطريق هو النقل بلا أى عقل نقدى؟! ... لا إجابة يفرضها المنطق فى مواجهة هذا السؤال الصعب إلا لغة العقل الذى وضعه الله فينا عند خلقه إيانا لنتبين به الطريق، وإلا لغة الضمير التى تعبر عن إنسانيتنا التى تهذب العقل وتعصمه من الانزلاق بعيداً عن معايير الحق والخير والجمال؛ فبهذا العقل وبهذا الضمير نمضى على طريق استكشاف الأفكار، كانت هذه الأفكار عن الصوفية والمتصوفة، أو كانت عن غيرهم من أصحاب المذاهب والطرق.

 

غير أن الحكيم لا يلجأ فى استكشافه لمنظومات الأفكار إلى استدعاء عقل آخر غير عقله، أو ضميراً آخر غير ضميره؛ بل إننى لا أستدعى حتى العقل الصوفى والضمير الصوفى كى أدرك أو أعى أو أفكر أو أفهم أو أفرز أو أختار أو لأقرر ما أراه بشأن هذه الفكرة أو تلك من أفكار الصوفية، قديمها وحديثها، أو من أفكار مخاصميها وأعدائها؛ وإنما هو العقل الذى يلازمنى، وضميرى الذى لا يفارقنى فلا أرانى أثق فى عقل ولا فى ضمير سواهما إلا بعد أن تمر الأفكار على موازين العقل الذى أثق فيه والضمير الذى لا يخذلنى عند الحكم على الأمور.

 

عقلى - لمن كان من بين المتابعين الغاضبين متحيراً فى أمره - هو عقل نقدى بطبيعته، ثائر على ما طال به المقام بيننا حتى استقر تحت جلودنا وكأنه حقيقتنا التى لا شك فيها ! ... هو بعد هذا عقل يحب السياحة فى دنيا الأفكار، وفيما ارتبط بهذه الأفكار من سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية وفلسفية، ولا يكاد يركن بلا قيد ولا شرط لأى حزمة أفكار تُعطَى له، على ما قد يكون بها من بعض اعتلال، ولا هو يرفض غيرها دون تردد على ما قد يكون بها من أفكار تثير الاهتمام ... دور العقل النقدى فى هذه السياحة الفكرية هو رصد الشبه بين ما يبدو مختلفاً، ورصد المختلف بين ما يبدو متشابهاً، ولا يقل عن ذلك أهمية قدرة العقل على الربط بين مفردات الأفكار وبين بعضها البعض من جانب، والربط بينها وبين سياقاتها من جانب آخر.

 

ومع تأكيدى على أننى لا أطرح فيما أكتب قضايا دينية، وإنما أطرح قضايا معرفية وفكرية ووجدانية أريد بها الوصول إلى عمق الأزمة الوجودية التى تعانى منها الأمة المصرية، فإننى لا أنكر أن ظلالاً دينية قد تصاحب ما أطرح من قضايا، وأن هذه الظلال قد تزعج كثيرين ممن يجهلون لغة الظلال؛ غير أن أحداً منا، أياً كانت درجة إيمانه بما يعتقد فيه دينياً، ليس له حق إصدار أحكام دينية على ما يراه من ظلال، فيمنح بهذا لنفسه سلطاناً على أمور لا يعلم حقيقتها ولا يحكم فيها إلا الله سبحانه وتعالى.

 

ما يعنينى وأنا أتناول بعضاً من الفكر الصوفى هو أن نتعلم كيف نتعامل مع هذا الفكر - أو مع أى فكر دينى أو غير دينى آخر - من داخله وبمرجعياته، لا من خارجه بمرجعيات أى فكر آخر، وإلا فنحن نسقط فى فخ الأحادية الفكرية التى هى منبع كل كل شرور الفكر السياسى الاستبدادى ! ... هذا لا يعنى أن لا يكون للمرء موقفه السياسى من الأطروحات السياسية لأى فرقة دينية، فالتمييز بين ما هو دينى وما هو سياسى هو مفتاح باب الأخذ بمنطق التعامل مع الأطروحات الدينية من داخل منظومتها الفكرية، أو بمنطق التعامل معها سياسياً من خارجها، مع عدم إغفال المرجعية الفكرية التى سيكون بها هذا الموقف السياسى النقدى !

 

قد يكون الحلاج مثالاً للحالة الصوفية التى اختلطت فيها أفكار الصوفى الدينية بمخاوف وتطلعات محيطه السياسى، فقد انتهى هذا المحيط السياسى بالتخلص من الصوفى الدينى بأساليب وحشية مثلت بجسده وبسيرته حياً وميتاً، بعد أن شهد عليه شهود كغيرهم من شهود نشهدهم فى كل الأزمان، وبحكم قضاة نرى أمثالهم فى كل زمان ومكان، وبتوجيه صاحب سلطان كمن نعرف من أصحاب السلطان ! ... وقد أحب أن أنهى هذه الرسالة ببيت شعر لهذا الحلاج يلخص به فكرة التحرر الصوفية من الاستبداد الذى يقهر الإنسان، وإن لم يكن قد تمكن من قهر الحلاج ! ... بيت الشعر هذا اشتهر مؤخراً بسبب مسلسل "الخواجة عبد القادر"، وفيه يقول الحلاج :ـ

 

ما لِى وللناس يَلْحْونَنِى سَفَهاً ... دِينى لنفسى ودينُ الناسِ للناسِ

 

ـ (يَلْحْونَنِى - كما جاء فى لسان العرب لابن منظور - أى يلوموننى، أو يعنفوننى، أو يشتموننى، أو يبغضوننى، أو يعادوننى ... إلى آخر مرادفات هذا المعنى)



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق