تابعنا على الانترنت
استفتاء

«جانجا زومبي».. التشويه الإعلامي مع سبق الإصرار والترصد

09/05/2019 07:17


محمد حافظ

قصة الزعيم «جانجا زومبي» زعيم المسلمين في البرازيل، من خلال بيان تاريخ المسلمين في البرازيل وجهادهم في «باهيا وبالماريس» ضد البرتغاليين.

 

يعرفُ الجميع «الزومبيز» باعتبارهم الأموات الأحياء الذي عادوا للحياة بوسائل السِّحر الأسود، واكتسب الزومبي زخمًا كبيرًا بعد استخدامهم في أفلام الرعب في هوليوود بدايةً من عام 1968م.

 

وتعمدوا إظهارهم على أنهم أحياء أموات «نص مجنون على نص ميت»

 

بم يُشتهَرون؟

 

يشتهر أمر الزومبيز في عبادة الفودو الأفريقية، لكنّ الكثيرين ربما لا يعلمونَ بأمر «زومبي» القائد الأفريقي الشابّ الذي استطاع أن يقوم بثورة إسلامية حقيقية للعبيد الأفارقة في البرازيل على المستعمر و«السيِّد البرتغالي».

 

 

 

ما هو تاريخ المسلمين في البرازيل؟
يعود وجود المسلمين على هذه الأرض إلى فجر اكتشاف القارة الأمريكية؛ فعندما رست سفينة «كابرال» على ساحل «البرازيل»، كان برفقته ملاّحون مسلمون ذوو شهرة عظيمة؛ أمثال «شهاب الدين بن ماجد» و«موسى بن ساطع».

 

ويؤكد المؤرخ البرازيلي الشهير «جواكين هيبيرو» في محاضرة ألقاها عام 1958م ونشرتها صحف «البرازيل»، أن العرب المسلمين زاروا البرازيل، واكتشفوها قبل اكتشاف البرتغاليين لها عام 1500م، وأن قدوم البرتغاليين إلى «البرازيل» كان بمساعدة البحارة المسلمين الذين كانوا أخصائيين ومتفوقين في الملاحة وصناعة السفن.

 

محاكم التفتيش

 

كما هاجر بعض المسلمين الأندلسيين سرًّا إلى البرازيل؛ هربًا من اضطهاد {محاكم التفتيش} في «أسبانيا» بعد هزيمة المسلمين فيها، ولما كثرت الهجرة الإسلامية الأندلسية إلى«البرازيل»، أُقِيمَت هناك محاكم تفتيش على غرار محاكم التفتيش في «أسبانيا»، وحددت صفات المسلم، وعمدت إلى حرق الكثيرين منهم أحياء.

 

 

 

المسلمون الزنوج:
تؤكد الوثائق التاريخية المحفوظة في المتاحف البرازيلية، أن أكثرية المنحدرين من الأفارقة الذين جيء بهم كعبيد إلى «البرازيل»، هم من جذور إسلامية، وأنهم كانوا يتلوون القرآن باللغة العربية.

 

وقد وصلت أفواج الرقيق إلى «البرازيل» عام 1538م / 945هـ، ولم تمضِ 40 سنةً؛ حتى نقل إليها 14 ألف مسلم مستضعف، والسكان لا يزيدون على 57 ألفًا، وفي السنوات التالية أخذ البرتغاليون يزيدون من أعدادهم؛ إذ جلبوا من «أنجولا» وحدها 642 ألف مسلم زنجي، وجلّ هؤلاء السود جيء بهم من «غرب أفريقيا»، على أن أبرز مجموعاتهم هي التي اختطفت من المناطق السودانية: مناطق «داهوتي»، و«أشانتي»، و«الهاوسا»، و«الفولان»، و«البورنو»، و«اليوربا» .. وحُمِل هؤلاء المسلمون في قعر السفن بعد أن رُبطِوا بالسلاسل الحديدية، ومات منهم من مات وأُلقِيَ في البحر من أُصِيب بوباء أو حاول المقاومة.

 

لماذا نُقِلُوا؟ وكم عددهم؟ومن أين وإلى أين نُقِلُوا؟وما مدة نَقْلِهم؟

اقتلع هؤلاء بالقوة من محيطهم؛ ليكونوا خدمًا مسخرين كالآلات في هذه البلاد، وليس سهلاً تقدير أعداد هؤلاء المنكوبين الذين كانوا يعدّون بالملايين، والذين ظلوا يُنقَلُون من أفريقيا إلى «البرازيل» وإلى كل أمريكا مدة تزيد عن ثلاثة قرون.

مهارات التعليم

استطاع الأفارقة أن يُعلِّموا «أسيادهم» الكثير من المهارات في الزراعة والهندسة المعمارية، ويقول المؤرّخ فريري: كان هؤلاء المسلمون السود يشكلون عنصرًا نشيطًا مبدعًا، ويمكن أن نقول: إنهم من أنبل من دخل إلى «البرازيل» خُلُقًا، اعتبروهم «عبيدًا».

 

ثورة مسلمي باهيا:
وهذه المهارات التي كانت لدى «العبيد الأفارقة» كانت أيضًا أداتهم لمحاربة هذا المستَعمِر المستَعبِد.

 

فقد بدأت بعض التكوينات الأفريقية بالتكوُّن والتشكُّل في البلاد والمستعمرات الجديدة التي جلبهم لها البرتغاليون عبر الهرب إلى الأدغال والغابات وإنشاء مجتماعات خاصة بهم.

 

كانت أول هذه «الأحراش» كما سمَّاها البرتغاليون «مُستعمرة باهيا» التي كانت قد ضمَّت المئات من الأفارقة من أصول ماليِّة، كان هذا عام 1579م.

 

بالطبع لم يكن المستعمر ليسكت على ما يفعله «عبْدُه»، فقامت العديد من الحروب بينهما كانت الغلبة في أكثرها للمستعمر الذي كان يمتلك مدفعيةً ثقيلةً وسلاحًا متطوِّرًا.

 

 

جانجا زومبا ملك دولة بالماريس الإسلامية:
يذكر أنه كان مع هؤلاء العبيد المسلمين شيوخهم الذين يعظونهم ويرشدونهم ويفقهونهم في الدين، وينزلون معهم الأكواخ، ويعلمونهم القرآن ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، وبعد أن ازداد عددهم وقويت عزيمتهم، قاموا بعدة ثورات إسلامية تحررية، كان من أهمها تجمع المتمردين منهم في «بالميرس» في شمالي «البرازيل»، في القرن السابع عشر وبالتحديد عام 1605م / 1013هـ.

 

كيف تأسست المقاومة؟

تأسس هذا الكيان المسلم المجاهد من مجموع مستوطنات أسَّسها أفارقة جلبهم المستعمر البرتغالي لمستعمرته برازيليا «البرازيل».

 

حسب المعلومات المتاحة وصل عدد سكانها 30 ألفًا معظمهم من السود.

 

استطاعت بالماريس أن تحقق اكتفاءً ذاتيًّا، وفيما بعد تمّ اختيار «جانجا زومبا» كملك لدولة البالماريس من قبل قادة المستوطنات المنطوية تحت لوائها.

 

بقية المستوطنات التِّسع التي حكمها {جانجا زومبا} تحت لواء بالماريس كانت تُحكَم من قبل إخوته وأبنائه وابن أخته القائد الشجاع زومبي وأخيه.

 

 

ولا يمتلك العالم الآن أيَّةَ وثائقَ لهذه الدولة التي قاومت البرتغاليين، فقد فُقِدَت جميع وثائقهم وكتب تاريخهم البرتغاليون أنفسهم!. أحد التحليلات التاريخية تقول: إن زومبا كان ابن لابنة ملك الكونغو الذي قاد معركة كبيرة ضد البرتغاليين، لكنه انهزم بالنهاية.

 

بالجملة كان مواطنو بالماريس من أنغولا والكونغو.

 

انتهت حياة زومبا بيد أتباعه، حين قبل اتفاقية قدَّمها قائد البرتغاليين له بعد المناوشات الدائمة بينهما.

 

فما هي الاتفاقية؟ وكيف برز زومبي؟!

القائد الشاب زومبي:
بعد الصراع الطويل بين زومبا والبرتغاليين، عرض الحاكم البرتغالي «بيدرو ألميدا» على زومبا معاهدة صلح مع بالماريس، تقضي بإعطاء البرتغاليين الحرية لجميع «العبيد» الهاربين إذا أعلنت بالماريس انضواءها تحت السلطة البرتغالية، وافق زومبا.

 

لماذا رفض الشاب «زومبي» الاتفاقية؟

لكنّ القائد الشاب «زومبي» لم يوافق على الاتفاقية التي رأى أنها مجحفةً لهم.

 

إضافةً إلى أنه لم يكن يأمن جانب البرتغاليين.

 

وربما اعترض على الاتفاقية؛ لأنَّها تعطي الحرية لمواطني بالماريس،

بينما يظلّ بقية الأفارقة عبيدًا في مستعمرات البرتغال.

 

 

 

الخيانة رأس الخطايا

 

رفض زومبي المعاهدة تمامًا وأعلن انقلابًا على خالهِ زومبا، وفقًا للمُتاح من المعلومات، فإن زومبا قد تمّ تسميمهُ بعد ذلك.

 

وقاد زومبي المعارك ضدّ البرتغاليين، منذ عام 1678م / 1089هـ، ولم تستطع السلطات البرتغالية إيقاف مدِّ المسلمين إلا بعد مقاومة طويلة والاستعانة برجال الحدود من مقاطعة «باوليستا» أي «ساوباولو»؛ حيث سقطت بالماريس تمامًا في أيدي البرتغاليين عام 1694م / 1106هـ.

 

 

مقتل الزعيم زومبي:
وأُصِيبَ زومبي إصابةً في إحدى قدميه أثناء المعارك الأخيرة، ورغم ذلك أكمل ثورته على المستعمر البرتغالي بعد سقوط «بالماريس»، إلا أن البرتغاليين استطاعوا أن يعثروا على مخبئه؛ بسبب خيانة أحد أتباعه، ساومُوه على حياتِهِ مُقابل أن يدلَّهم على مكان مخبأ زومبي.

 

 

بعد القبض على زومبي تمّ قتله على الفور في 20 نوفمبر 1695م / 1107هـ، وتم قطع رأسه وعرضها في إحدى المدن الكبرى تخويفًا لأي قائد أو "عبد" يفكِّر في الثَّورة على «الأسياد» البرتغال.

 

«وفقًا لبعض التحليلات التاريخية فقد قُطِعَت رأس زومبي وأعضاؤه التناسلية، ومثَّلوا بجثته قبل عرضها على الجمهور، كما تمّ بيع الأسرى الذين تمّ أسرهم في الهجوم في أقصى شمال البرازيل؛ حتى لا يتجمَّع رفاق السلاح من جديد، كما تمّ القضاء على الناجين الذين فرُّوا من بالماريس عام 1713م / 1125هـ، واستمرت الإبادة لكل من كان منتميًا لها لفترة كبيرة من الوقت».

 

 

انتفاضة باهيا المسلمة عام 1835م / 1251هـ:
لم تكن ثورة زومبي هي الثورة الوحيدة ضد المستعمر البرتغالي، ولا مستوطنة «بالماريس» هي الوحيدة، فقد حدثت سلسلة من الثورات امتدت على مدى قرون، وصولًا إلى العقود الأولى من القرن التاسع عشر الميلادي، لكن ثوراتهم سحقت بمنتهى الوحشية والقسوة، وقد أجبرهم البرتغاليون على ترك دينهم وتغيير أسمائهم، لكن المسلمين لم يستسلموا وظلت ثوراتهم تتكرر وآخرها تلك الثورة الشاملة التي قامت في «باهيا» عام 1835م / 1251هـ، بعد أن بلغ هؤلاء العبيد المسلمون من قوة الشكيمة في الدين ومن الاعتداد بعقيدتهم.

 

 

قام بهذه الثورة الكبيرة هؤلاء المسلمون في الأقاليم الساحلية خاصة في «باهيا»، وقد كانت طليعة الثورة مُكوّنة من رجال دين مسلمين، من أبرزهم «الشيخ دندرة» وكان إمامًا وخطيبًا، بإضافة إلى «الشيخ سانيم»، وكان مؤسس مدرسة لتعليم الإسلام، هذان وغيرهما، نظّموا للثورة في سرّية، كشفتها أعين وآذان المُخبرين.

تمّ التجهيز للانطلاق بالتظاهرات فجر يوم 25 يناير 1835م، المُوافق 27 رمضان 1251هـ، وقد كان غرض قادة الثورة من اختيار فجر 27 رمضان موعدًا لانطلاق الثورة؛ إكساب ثورتهم زخمًا روحيًا دينيًا، على اعتبار أن 27 هو اليوم الذي تُوافق ليلته ليلة القدر، وفق أغلب الاحتمالات في الشريعة الإسلامية.

 

لقد كان المسلمون يعقِدون آمالًا كبيرةً على ثورتهم عام 1835م، بأن تكون نهاية للعبودية وإيذانًا بقيام مملكة إسلامية، ولكن أحلامهم تبددت مع قسوة سيوف البرتغاليين وبنادق جنود المملكة التي لم ترحمهم والذين تم استدعاؤهم من باقي الولايات البرازيلية؛ لإخماد هذا الصوت، وظلّت جثث المسلمين تتعفن مدة طويلة على قارعة الطريق وفي عتمة «السنزالات» الخربة، وهذه «السنزالات» عبارة عن أقبية كان البرتغاليون يُودِعُون فيها أولئك المسلمين الذين سُحِقَت ثورتهم، ويقال إن كلمة «زنزانة» جاءت من هذه اللفظة البرتغالية، وأسفرت المواجهات الدامية عن مقتل نحو 100 أفريقي، في مُقابل 14 جُنديًّا من الجيش البرازيلي، الذي استطاع إخماد الثورة نهائيًا، وتنصّر من المسلمين من تنصّر بالقوة، واستُشهِد من استُشهِد، وعادت الوثنية إلى أعداد منهم، وما زالت بعض شعائر الوثنية تقام بينهم إلى اليوم في «البرازيل».

 

قرار منع الرق:
جاء قرار منع الرق وتحريمه في «البرازيل» عام 1888م متأخرًا؛ حيث فقد هؤلاء الأفارقة هويتهم الإسلامية بعد ثلاثة أجيال من المعاناة والقهر والجهاد، وأصبح ابن الحفيد الأفريقي لا يعرف إلا أنه ابن حفيد منحدر من جده الأعلى الذي جيء به عبدًا إلى «البرازيل».

 

واقع مسلمو سلفادور عاصمة باهيا:
ومع مرور الزمن انقطع أثر هؤلاء الأفارقة، ولم يبق إلا الذكريات التي تتحدث عن علمهم وثقافتهم وفضلهم وتأثيرهم في بناء حضارة البرازيل في شتى المجالات.

 

ومازال الشعب البرازيلي في تلك المدينة متأثرًا بالكثير من العادات والتقاليد الإسلامية، فقد أخبر بعض المسلمين أن الملابس البيضاء كانت عادةً يحرص أهل السلفادرو على ارتدائها يوم الجمعة، وكذلك الملابس البيضاء الفضفاضة التي مازالت تردتديها النسوة أو العمامة التي يرتديها الرجال في بعض المناسبات؛ ليرسموا صورة من الماضي غير البعيد يوم كانت هذه الملابس هي الشائعة بما تمثله من عمق إسلامي جاء مع العبيد المسلمين من أفريقيا، وكذلك سترى الكثير من الكلمات العربية مكتوبة على الأماكن، أو يلفظها الناس في تلك المدينة، فقد اختلطت اللغة البرتغالية بكثير من المصطلحات العربية نتيجة تأثر البرتغاليون بمعاشرة المسلمين في شبه جزيرة إيبيريا، ثم بقدوم الأفارقة منتصف القرن السادس عشر والذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة باللغة العربية في حين كان من استعبدهم من البرتغاليين يوصفون بالأمية، ومن المعلوم أن قاموس اللغة البرتغالية يحتوي على أكثر من 3000 ثلاثة آلاف كلمة من أصل عربي، هذا بخلاف الأكلات المشهورة والتوابل التي تعود لأصول أفريقية إسلامية.

 

من المشاهد الجديرة بالتأمل في تلك المدينة حديقة تسمى «جنة الله» تنتصب على ساحل الأطلسي، يقال أن العبيد المسلمين كانوا يجتمعون في تلك الحديقة، وكذلك من المشاهد التي تلفت النظر هذه المدينة كنيسة «لابيلا» والتي طلب من العبيد المسلمين بناءها، فكانت تحفة فنية من الداخل تزدان بالنقوش الإسلامية، حتى المنبر يمثل جزءًا أساسيًا من مكوناتها، ناهيك عن الجدران المزينة بالكلمات العربية، كلها تحكي أن من قام بالبناء أصحاب علم وحضارة.

 

وتقول الروايات أن النقوش الموجودة في سقوف كنائس «باهيا» و«السلفادور» فيها عدة آيات من القرآن الكريم دون أن يشعر القيِّمُون عليها بذلك؛ لأنهم لا يجيدون العربية، ويتصوّرونها مجرد رسوم، وفي الأصل كانت هذه الكنائس مساجد.

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق