تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر السياسى حازم حسنى..يكتب: وضوح الملامح - لا اختلاطها - هو بداية الطريق

25/04/2019 08:04


د. حازم حسنى

فاجأنا السياسى المعروف دكتور أيمن نور بتوجيه دعوة حوار لنحو مئة شخصية رافضة للطريقة التى تُحكَم بها مصر، وقد فاجأنى شخصياً بوضع اسمى بين هؤلاء المئة المختارين لبدء ما يريده أن يكون حواراً وطنياً موسعاً لإيجاد مخرج لمصر من أزمتها، بحثاً عن المشترك بين المئة وتجاوزاً عما يُفَرِّق بينهم؛ وقد حرص الدكتور أيمن نور على أن يتوزع أصحاب هذه الأسماء المدعوة للحوار على كل التيارات السياسية الرافضة للحالة المصرية التى تسوء يوماً بعد يوم !

 

أشكر بطبيعة الحال صاحب الدعوة الكريمة على حسن ظنه بشخصى، كما أتمنى له النجاح فى مساعيه الرامية لاجتماع المصريين على كلمة سواء تُخرِج مصر والمصريين من أزمتهم؛ غير أننى لا أجد نفسى فى هذا الحوار الذى يتناقض مع رؤيتى لمستقبل مصر بعد كل ما مر بها - ومر بى شخصياً - من تجارب على مدى أكثر من ثمانى سنوات، إذ استقر فى يقينى بعد تجارب السنين أن مصر ليست بحاجة لحوارات تختلط فيها الرؤى، وتختلط مع هذه الرؤى فى عيون المصريين ملامح المستقبل !

 

إذا كان المصريون حائرين اليوم، ولا يعرفون لمسارات حياتهم بوصلة يطمئنون إليها، فلأنهم لا يرون ملامح واضحة لمستقبل بديل، بل هى أضغاث ملامح مختلطة لا تسمح لهم بالفرز والاختيار ... ما يرغب المصريون اليوم فى رؤيته أكثر من أى شئ آخر هو ملامح واضحة، حتى وإن كانت متنافرة، تسمح لهم بالتمييز بين أصحابها قبل التحاور معهم، حتى وإن كان أصحاب الملامح بلا فلسفة حكم مشتركة، إذ يكفى أن يكون لأصحاب كل ملمح فلسفة حكم واضحة يمكن أن تقارن بفلسفة الحكم القائمة؛ فأكثر المصريين قد صاروا ينفرون من أضغاث الملامح التى لا يعرفون من هو صاحبها، حتى وإن اجتمع أصحاب الأضغاث على تبنى خطاب واحد يعبر عما اتفقوا عليه دون ما اختلفوا بشأنه !

 

مرة أخرى، فأنا لا أشكك فى مقاصد الدعوة إلى الحوار، ولا فى وطنية أصحاب الدعوة والمتحمسين لها، لكننى أرى مثل هذه الحوارات تعمق من الأزمة ولا تخرجنا منها؛ فأنا لا أعرف - على سبيل المثال لا الحصر - ما هى مخرجات الحوار مع كوادر تنظيمية تتمسك بأن الدكتور مرسى مازال رئيساً شرعياً للبلاد، وتعتبر ذلك من الثوابت التى لا تحيد عنها؟!

 

الأمر لا علاقة له عندى بشخص الدكتور مرسى، ولا هو له علاقة بالفساد الدستورى لنظام حكم السيسى، وإنما له علاقة فقط بهذا المعنى الخبيث الذى يريد تنظيم الإخوان تثبيته فى الأذهان من خلال حديث ما ترى أنه "الشرعية" وهو أن حكم الجماعة هو "البديل الشرعى" لحكم السيسى، وليس أدل على ذلك مما قاله الدكتور حمزة زوبع مساء الأربعاء - وهو كادر إخوانى معروف - من أن أولى خطوات ما بعد انقضاء حكم السيسى - التى على أطراف هذا الحوار أن يتفقوا عليها

- هى المجئ بالدكتور مرسى من السجن إلى قصر الرئاسة كى يحدد لمصر - باعتباره رئيساً شرعياً - كيف يكون الخروج من الأزمة !!!

 

موقف الجماعة هذا، الذى لا يريد التنظيم أن يحيد عنه، إنما يصادر كل مسارات المستقبل لصالح ما تراه الجماعة من مسارات؛ فهو فعلياً موقف يفرض وصايته على المستقبل، ويقصى أى بديل آخر يمكن أن يرتضيه المصريون فى قادم الأيام، ومن ثَمَّ يفرض نفسه على المشهد المصرى طريقاً نحو المستقبل !

 

ما أراه من هذا الطريق وأتمسك بخرائطه، رغم كل تعقدات الخرائط، ورغم كل مصاعب الطريق، لا يجعلنى أتحمس لغير أن يعمل كل فريق على تحديد ملامحه بوضوح، وإبراز أهدافه دون مراوغة، واقتراح خرائط المستقبل كما يراها لا كما يراها أى فريق آخر، مع بيان مواقفه من كل القضايا والأفكار والسياسات التى يطرحها الآخرون، لا أن تختلط الملامح والأهداف والمواقف فيشوه بعضها بعضاً !

 

وضوح الملامح لا اختلاطها هو الحل، استحسن المصريون ملامح هذا الفريق أو رفضوها، واستنكروا ملامح منافسيه أو ارتضوها، فإن هذه هى الطاقة الفكرية والسياسية التى ستنطلق بها مصر إلى فضاء المستقبل، متحررة من جاذبية الحاضر ومن تراكمات الماضى الذى يلازمنا منذ عقود، بل ومنذ قرون ! ... ليس مهماً كم يستغرق هذا من الوقت، ولا كم سيستهلك من الجهد؛ ولا يعنينى إن كانت مصر ستجد طريق الخلاص فى حياتنا أو بعد مماتنا، لكن يعنينى أن يكون الطريق نحو المستقبل واضحاً ولا اعوجاج فيه !!

 

الاستسلام لوهمية أن الإخوان - تنظيماً - هم الرقم الصعب فى صناعة المستقبل هو تحديداً ما جعل منهم هذا الرقم الصعب الذى يفرض شروطه على مسارات الحاضر والمستقبل، منذ عهد الرئيس السادات وإلى اليوم، دون أى منطق سياسى أو حتى دينى يدعم هذا الوهم ... بيد أن لهذا الحديث رسائل أخرى تخصه، وما أكثر ما نحتاجه من رسائل نُقَلِّب فيها كل أمور حياتنا المرتبكة - سياسياً ودينياً وفكرياً ووطنياً ومؤسسياً، بل ووجودياً - لنرى ما يصلح من هذا المرتبك لأن نستخلصه فيكون زاداً لنا فى رحلتنا، وما هو من هذا المرتبك لا وظيفة له إلا أن يكون عبئاً على الرحلة وعلى الذين أظنهم يجيدون قراءة خرائطها، ويحرصون على ألا تبتلعهم رمالها المتحركة مهما طال - فى سبيل تحقيق هذا الهدف - زمن الرحلة !

 

مرة أخرى، أشكر للدكتور أيمن نور حسن ظنه بى، وأتمنى له ولرفاق رحلته التوفيق فى مسعاهم إن كان فى هذا المسعى خيرٌ لمصر، وإن كنت أحتفظ لنفسى بحق نقد مخرجات هذا المسعى، كما أحفظ له نفس الحق فى نقد مسعاى إن لم يكن الخير فيه؛ فلكل مسعى منطق فلسفى، وضوابط تفكير، وعناصر تكوينية، وغايات مرجوة، ونجاحات تثبت قوته، وإخفاقات تكشف عواره ... والحق أسأل أن يهدينا جميعاً سواء السبيل !



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق