تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر الإقتصادى عبدالخالق فاروق..يكتب: (اقتصاد الكرتونة) ومأزق التنمية فى مصر

21/04/2019 09:28


د. عبدالخالق فاروق

مقدمة ..

اعتاد القطاع الأوسع من المصريين فى العقود الأربعة الماضية ( 1975- 2015 ) ، على إستخدام تعبير " الكرتونة " الانتخابية ، لوصف حالة الرشاوى التى تجرى من الجماعات السياسية عموما ، ولدى التنظيمات " الإسلامية " خصوصا ، وفى طليعتها تنظيم الأخوان " المسلمين " ، بحيث باتت ممارسة شبه معتادة من جانب أفراد وكوادر هذه المجموعات السياسية سواء من الحزب الحاكم قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 ، أو من غيرها ، إستغلالا لحالة الفقر المنتشرة بين قطاعات واسعة من السكان ، وأقتناصا لأصواتهم فى الدوائر الانتخابية المختلفة وقتما تحل لحظة الاستدعاء الانتخابى .

والحقيقة أن هذه الظاهرة التى أخذت فى الاتساع والانتشار منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين ، قد أرتبطت بعدة عوامل متضافرة ومتكاملة ، لعل أهمها زيادة رقعة الفقر والحرمان ، وتدهور مستوى المعيشة لقطاعات واسعة من المهمشين من ناحية ، مقابل إنسحاب الدولة عمليا من تقديم الخدمات الحيوية وتوفير مظلة فعالة للحماية والآمان الاجتماعى من ناحية ثانية ، مع تنامى نفوذ الجماعات الدينية السلفية وتنظيم الإخوان " المسلمين " بصورة كبيرة مدعومة من جمعيات ودول عربية خليجية ، ومحاولتها ملأ الفراغ الذى نتج عن إنسحاب الدولة من أدوارها ووظائفها الحيوية من ناحية ثالثة .

وبرغم إنكسار تنظيم الإخوان " المسلمين " فى مصر وكثير من الدول العربية بعد الثلاثين من يونيه عام 2013 ، ووبعد تجربتهم المريرة فى حكم مصر ، وإنتفاضة المصريين ضدهم فى هذا التاريخ ، فأن المثير للدهشة هو تنامى وإتساع ظاهرة " الكرتونة " ، التى تقدمها جهات عديدة فى الدولة المصرية ، بدءا من الجيش والشرطة ، مرورا ببيت الزكاة ، إنتهاءا بوزارة الأوقاف والجمعيات الأهلية التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى وغيرهم .

وهنا يثور السؤال : لماذا أتسع نطاق هذه الممارسة الاقتصادية والاجتماعية فى مصر ؟ وما هى علاقتها بما يسمى فى الأدبيات الاقتصادية الحديثة التى زرعتها مؤسسات التمويل الدولية بشبكات الآمان الاجتماعى ومظلة الحماية الاجتماعية ؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه فى هذه الدراسة .

أولا : بروز وتطور ظاهرة اقتصاد الكرتونة

باذىء ذى بدأ ينبغى التمييز بين ثلاثة مفاهيم مختلفة ، وإن كانوا يتلامسون ويتقاطعون فى بعض المواقع والنقاط وهى :

الأول : العمل الخيرى والتطوعى .

الثانى : اقتصاد الكرتونة .

الثالث : مفهوم شبكات الأمان الاجتماعى أو شبكات الحماية الاجتماعية .

فإذا كان العمل الخيرى والتطوعى قديم بقدم المجتمعات الاسلامية والمسيحية والانسانية عموما ، سواء عبر نظام الوقف الإسلامى أو المسيحى ، أو من خلال نظم " الزكاة " و " العشور " ، فأن اقتصاد الكرتونة هو نمط حديث نسبيا ، يبدأ وينتهى بأهداف سياسية لمن يمارسه ، سواء كان من يمارسه جماعات سياسية مختلفة ، أو اجهزة ومؤسسات الدولة المصرية الرسمية .

وإذا رغبنا فى التعرف على البدايات الأولى لظاهرة " الكرتونة " فى الحياة المصرية خلال الخمسين عاما الماضية ، وتحديدا منذ مطلع عقد السبعينات من القرن العشرين ، الذى تعطلت فيه جهود ومسارات التنمية ، بعد العدوان الإسرائيلى على مصر وبعض الدول العربية فى الخامس من يونيه عام 1967 ، وبهذا التوقف والتعثر ، وتركز الجهد المصرى فيما أطلق عليه " إزالة آثار العدوان " ، و " لاصوت يعلو على صوت المعركة " ، وما صاحبهما من عمليات حشد وتعبئة للموارد الاقتصادية المتاحة من أجل إعادة بناء الجيش المصرى الذى تعرض لهزيمة قاسية ، وتوقفت معها جهود تحسين مستوى الخدمات التعليمية والصحية ، وتدنت مستويات التشغيل والانتاج ، وإستقرت بالتالى عند نقطة من الزمن هى لحظة العدوان الإسرائيلى فى ذلك التاريخ .

وبإنطلاق حرب أكتوبر عام 1973 ، بدأ مسار مختلف نوعيا فى الحياة السياسية والاقتصادية المصرية تجسدت فى أربعة عناصر أساسية هى :

الأولى : بداية تخلى الدولة المصرية وأجهزتها – تحت قيادة الرئيس الأسبق أنور السادات – عن التخطيط الاقتصادى ، والإنغماس فى سياسة جديدة أطلق عليها " الانفتاح الاقتصادى " ، مستهدفة إلحاق مصر سياسيا وأقتصاديا وثقافيا بالغرب الرأسمالى عموما والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا .

الثانية : إطلاق يد الجماعات الدينية عموما ، وتنظيم الأخوان " المسلمين " فى الحياة المصرية وإستعادته للروح بعد ان كاد يذهب تماما فى طى النسيان .

الثالثة : إطلاق حملة عداء إعلامية وسياسية منظمة ضد ما أسماه " إشتراكية الفقر " وكل ما يمت بصلة للتجربة الناصرية وميراثها فى التحيز الاجتماعى للفقراء ومحدودى الدخل ، ورفع شعارات من قبيل " تخفيف العبء عن الدولة " و " ترشيد مجانية التعليم " ، و " ترشيد الدعم " وغيرها من الشعارات الضالة والمضللة .

الرابعة : فتح الباب على مصراعيه لحركة هجرة ونزوح هائلة لملايين المصريين ، للسفر والعمل فى البلاد العربية النفطية والخليجية من ناحية وبلاد المهاجر البعيدة فى أوربا وأمريكا وكندا وإستراليا من ناحية أخرى ، وخلال أقل من أثنتى عشرة سنة (1974- 1986) كان ما يقارب 21 مليون من المصريين قد أستخرجوا وثائق سفر(1) بما يكاد يعادل ثلث السكان فى البلاد ، على أمل الهجرة والعمل فى البلاد النفطية ، ومغادرة البلاد فيما أطلقنا عليه " حلم علاء الدين النفطى " ، فى ظاهرة غير مسبوقة فى تاريخ المجتمعات الإنسانية المعاصرة (2) .

وبتفاعل هذه العوامل الأربعة على مدى أربعين عاما فى مصر ، تبلورت ملامح جديدة تماما فى البلاد ، سواء على المستوى السياسى أو الاقتصادى ، أو حتى الثقافى والاجتماعى . سوف نتوقف عند واحدة منها هنا ، وهو الملمح الاقتصادى .

وبقدر ما أدت عمليات الهجرة المؤقتة ، أو الدائمة للعمال والمهنيين المصريين إلى البلدان العربية النفطية وبلدان المهاجر الأوربية والأمريكية إلى حركة تدفقات مالية من الخارج إلى داخل البلاد ، وما ترتب عليها من تحسن مستوى معيشة مئات آلاف الأسر المصرية ( تملك عقارات ووحدات سكنية – تملك سيارات وأجهزة معمرة وغيرها ) ، بقدر ما أدت إلى تعرض الاقتصاد المصرى إلى موجات تضخم وإرتفاع أسعار جامحة أدت إلى تدهور مستوى معيشة ملايين الأسر الأخرى ، خصوصا فى الإحتياجات الأساسية كالغذاء والمسكن ، والخدمات الحيوية كالتعليم والصحة وغيرها .

وصاحب ذلك - للأسف – تراجع قوى الانتاج فى مصر ، وإتساع الإختلالات الهيكلية فى بنية الاقتصاد المصرى ، فى غير صالح قطاعات الانتاج السلعى ( كالزراعة والصناعة والكهرباء والطاقة ) ، لصالح قطاعات الخدمات والتجارة والبناء والتشييد والمصارف والبنوك والمال ، مما زاد من الفجوة ، ودفع بفئات واسعة إلى حد العوز والفقر .

والمصيبة أن هذه التغيرات قد تزامنت مع تحولات عميقة فى السياسة المصرية ، سواء بإندفاعها لإتباع آليات السوق ، والتحرر من مفهوم التخطيط الاقتصادى ، ورفع شعارات " تحمل المواطنين لبعض الأعباء " كما سبق وأشرنا ، مما ترتب عليه إنسحاب الدولة تدريجيا من دعم وتطوير أهم القطاعات الخدمية الحيوية كالتعليم والصحة ، ومراقبة الأسواق وضبط الأسعار ، مما أوقع بملايين المصريين سواء فى المدن أو الريف إلى وهدة الفقر والعوز .

وقد كشفت الدراسات الرسمية حول إنتشار المناطق العشوائية فى مصر عاما بعد أخر، حتى بلغ عددها 869 منطقة عشوائية فى عام 2006 ، يتركز بها حوالى 13.7% من سكان محافظة الدقهلية ، و 9.6% من سكان محافظة الشرقية ، و8.6% من سكان محافظة القاهرة ، وهكذا فى بقية المحافظات (3) .

لقد كانت الدولة طوال الفترة الناصرية ( 1952-1970)، تقوم عبر إنتهاج سياسات التخطيط بضبط إيقاع الحياة والأنشطة الاقتصادية ، سواء ما تعلق منها بضبط والسيطرة على الأسواق ، أو ضبط الاستهلاك ، ومن خلال دورها كمنتج مرجح وتاجر مرجح ( التوزيع ) ، فحافظت خلال عقدين من الزمان على قدر من التوازن المعقول بين الأجور والمرتبات من جهة ، وبين الأسعار والاستهلاك من جهة أخرى (4) .

كما كان لمجانية قطاعى التعليم والصحة ، دورها فى تخفيف الأعباء عن الأسر المصرية ، والأن وبعد الانفتاح الاقتصادى ، لم تعد الدولة راغبة فى إطار تحيزاتها الاجتماعية الجديدة لرجال المال والأعمال والسماسرة والمستثمرين ، فى تحمل الجزء الأعظم من هذه الأعباء ، وتركتها لعوامل السوق وآليات العرض والطلب .

وهنا تسرب تنظيم الإخوان " المسلمين " فى ظهوره الثالث ( 1971-2013) ، وبقية الجماعات الدينية السلفية ، اللتين طالما أعلنتا العداء لكل ما يمثله المشروع الناصرى من تحيز للفقراء والتخطيط الاقتصادى والاشتراكية ، إلى حيث تستطيع أن تخلق ركائز نفوذ سياسى وإجتماعى طويل الأجل ، مستغلة إنسحاب الدولة المصرية من بعض وظائفها وأدوارها الاجتماعية من ناحية ، وإنتشار حالة الفقر والعوز فى الأحياء الفقيرة والقرى من ناحية أخرى .

وقد أتخذ نشاط هذه الجماعات الدينية – وخصوصا تنظيم الإخوان " المسلمين " – عدة أشكال متكاملة ومتزامنة هى :

الأولى : حركة واسعة ولحوحة لجمع التبرعات وجمع الأموال من الداخل ومن الخارج ، من أجل بناء المساجد التى تعد مركز القيادة والسيطرة ، والتعبئة والحشد والتجنيد ، ودعمتها أموال خليجية وسعودية كثيفة ، وقد بلغ عدد المساجد الأهلية التى جرى بناءها منذ عام 1974 حتى عام 2011 أكثر من 150 ألف مسجد وزاوية للصلاة فى كافة المحافظات بالمدن والقرى ، وكلها ظلت بعيدة تماما لسنوات طويلة عن سلطة الدولة وخطابها المباشر ( 5) .

الثانية : على ضفاف هذه المساجد غالبا نشأت شبكة خدمات إجتماعية واسعة النطاق يديرها أفراد وكوادر هذه التنظيمات والجماعات ومنها :

1- إفتتاح مئات المستوصفات والمستشفيات الصحية ملحقة بهذه المساجد ، تقدم خدماتها لأهالى المنطقة المحيطة بالمسجد بأسعار زهيدة ، فى وقت تنامى فيه سلوك الطمع والجشع لدى كثير جدا من الأطباء فى العيادات الخاصة ، وفى المستشفيات الاستثمارية ، مع تدنى الخدمات الصحية المقدمة للمرضى فى المستشفيات الحكومية ، فأصبحت هذه العيادات " الإسلامية " – وكذلك الملحقة بالكنائس المسيحية – ملاذا لكل مريض فقير لا يقوى على تكاليف العلاج ، ولا يتحمل المعاملة غير اللائقة فى المستشفيات الحكومية ، وهكذا أحتمى الفقراء من الرمضاء بالنار .

2- إفتتاح آلاف المراكز التعليمية الملحقة بالمساجد – والكنائس – لتنظيم مجموعات للتقوية والدروس الخصوصية بأسعار فى متناول الأسر الفقيرة ، فى وقت كان النظام التعليمى الحكومى المجانى يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وأنتشرت جريمة الدروس الخصوصية كالنار فى الهشيم تأكل ليس فقط الدخول المحدودة للفقراء وأولياء الأمور ، بل الأخطر تدمر قيمة القدوة والإستاذية لدى أجيال وراء أجيال .

3- أفتتاح عدد كبير من مراكز رعاية الإيتام ورعاية الشيخوخة ، فوفرت مظلة حتى ولو جزئية ومتواضعة لفئات من الناس لا يجدون رعاية من الدولة ومؤسساتها الاجتماعية .

4- توفير مظلة مساعدات مالية وعينية لكثير من الأسر الفقيرة ، بدأت موسمية ( شهر رمضان – عيدى الفطر والأضحى ) من حصيلة الأموال والتبرعات التى تتجمع لدى هذه التنظيمات من الداخل ومن الخارج ، وهنا بدأت تظهر ظاهرة " الكرتونة " بالمعنى الذى تداوله المصريون فى العقود الأربعة الماضية ، والتى تحتوى على سلة من السلع الغذائية قد تكفى أسرة مكونة من خمسة أشخاص لمدة أسبوع أو أكثر .

وهكذا كونت هذه الجماعات ، وخصوصا تنظيم الأخوان " المسلمين " - الأكثر حركية وعقلا سياسيا – رصيدا بشريا كبيرا ، يستدعى دائما وقت الضرورة ، وخاصة فى أوقات الانتخابات التشريعية والمحلية .

والحقيقة أن الجماعات السياسية الأخرى ، وخصوصا أعضاء الحزب الحاكم ، لم يتأخروا بدورهم عن إستخدام وسائل الرشوة الانتخابية وعمليات شراء الأصوات ، وتقديم الخدمات لأهالى الدوائر الانتخابية فى أوقات الانتخابات تحديدا ، ثم أنخرط بعضهم فى إستخدام أسلوب " الكرتونة " ، خاصة إذا تزامنت الانتخابات مع شهر رمضان أو الأعياد الدينية .

وهكذا تسابق الجميع على إستغلال فقر الناس الذى صنعته الدولة المصرية بسياستها ، من أجل شراء الذمم وضمائر المواطنيين .

لقد تبين فى دراسة حديثة أجريت عام 2013 ، أن الإيرادات السنوية المتاحة لتنظيم الأخوان " المسلمين " فى مصر قد تراوحت بين 6.5 إلى 7.0 مليار جنيه ( 6 ) ، فإذا عدنا للوراء عقدين من الزمان نستطيع أن نقدر حجم إيرادات هذا التنظيم بعشرات الملايين من الجنيهات ، وهو مبلغ ضخم فى ذلك الوقت كان يتيح لهذا التنظيم التحرك بحرية وسط الفقراء .

كما أظهرت نتائج التحقيقات فى القضية المعروفة بأسم التمويل الأجنبى لمنظمات المجتمع المدنى فى مصر بعد ثورة يناير عام 2011 ( القضية رقم 110 لسنة 2011 ) ، بأن جمعية سلفية واحدة هى " أنصار السنة المحمدية " ، قد تلقت أموالا وتمويلا من دولة قطر بلغ 181 مليون جنيه فى عامين فقط ، كما حصلت على 114 مليون جنيه أخرى من جمعية " أحياء التراث الإسلامى " الكويتية (7) ، وبالمثل حصلت الجمعيات السلفية الأخرى المنتشرة فى طول البلاد وعرضها على مئات الملايين من الجنيهات فى صورة تبرعات .

ثانيا : التمييز بين العمل الخيرى .. واقتصاد الكرتونة

قد يتشابه العمل الخيرى والمساعدات التى تقدمها بعض الجمعيات الأهلية والأفراد والمؤسسات ، واقتصاد الكرتونة فى بعض الجوانب ، ولكنهما يختلفان فى جوانب أخرى عديدة ، ومن أبرز نقاط الإختلاف والتمييز بين المفهومين الأتى :

1- إذا كان العمل الخيرى والتطوعى فى مصر يتفق مع " اقتصاد الكرتونة " فى أنهما يحملان طابع المساعدات العينية والمالية لبعض الفئات الفقيرة والمحرومة فى المجتمع ، إلا أنهما يختلفان فى كون المساعدات التى تقدم من خلال العمل الخيرى والتطوعى لا يستهدف بصورة مباشرة أو غير مباشرة تحقيق غاية سياسية سواء على الأجل القصير أو الأجل المتوسط والطويل، بينما اقتصاد " الكرتونة " ومنذ بداية بروز هذه الظاهرة فى الحياة المصرية الحديثة ، على يد تنظيم الأخوان " المسلمين " ، وبقية الجماعات السلفية يتجه إلى تحقيق خدفا سياسيا ، وخلق ركائز أنصار ومؤيدين على المدى القصير والطويل ، إستغلالا لفقر وحرمان المستهدفين به من ناحية ، وأقتناصا لأصواتهم الانتخابية من ناحية أخرى ، وتوسيعا لتجنيد المؤيدين والمتعاطفين مع هذه التنظيمات والجماعات من ناحية ثالثة .

2- أن تنظيم الأخوان " المسلمين " وبقية الجماعات السلفية ، يديران شبكات الدعم تلك بصورة موازية ومستقلة تماما عن العمل الخيرى الذى تديره الجمعيات غير المنتمية لهما ، حتى لو كان بعض جوانب الدعم والمساعدة المقدمة من هذا التنظيم وهذه الجماعات السلفية يستخدم أحيانا بعض الأشكال والكيانات القانونية والشكلية والنقاط الإرتكازية التى تستخدمها جمعيات العمل الخيرى مثل المساجد أو الجمعيات الأهلية ، فالتقاطع هنا لا يعنى أبدا الاندماج أو الإمتزاج بين القطاعين .

3- أن اقتصاد " الكرتونة " قد أمتد بعد الانتفاضة الشعبية والعسكرية فى 30 يونيه عام 2013 ضد حكم تنظيم الأخوان المسلمين لمصر ، ليشمل مشاركة عدد كبير من مؤسسات الدولة الرسمية ( مثل القوات المسلحة والشرطة ووزارة الأوقاف وبيت الزكاة ووزارة التضامن الاجتماعى وغيرها كثير ) ، بهدف ملأ الفراغ الذى خلفته " كرتونة " الأخوان المسلمين والمجموعات السلفية ، حتى بلغ عدد هذه الكراتين المقدمة للفئات الفقيرة فى شهر رمضان عام 2018 ، أكثر من خمسة ملايين كرتونة ، وإذا أضفنا ما قدم فى الفترة السابقة على شهر رمضان من جانب القوات المسلحة وغيرها من المؤسسات لمعالجة حالات الحرمان الناتجة عن بعض الكوارث والسيول ، أو العمليات

العسكرية فى سيناء ما يربوا على 7 ملايين كرتونة ، والتى يقدر تكاليفها بأكثر من مليار جنيه مصرى ، بعضها مدعومة من رجال الأعمال وإن كانت قليلة .

دعونا إذن نطل على ما تقدمه الجمعيات الأهلية وغيرها من منظمات المجتمع المدنى والتطوعى فى مصر ، لنتعرف اكثر على سمات هذا النشاط ،ومدى تمايزه عن ما أطلقنا عليها " اقتصاد الكرتونة " .

فإذا كان العمل الخيرى فى البلاد ينقسم بين العمل الخيرى والعمل التطوعى ، فقد تبين من واقع المسح المعلوماتى الذى قام به مركز معلومات مجلس الوزراء المصرى عام 2010 ، اعتمادا على بيانات مسح النشء والشباب الذى قام بتنفيذه مجلس السكان العالمى بالتعاون مع مركز معلومات مجلس الوزراء عام 2009 ، وكذلك مرصد أحوال الأسرة المصرية الذى ينفذه المركز بصورة دورية ، والذى شمل 10 آلاف أسرة معيشية موزعة على كافة محافظات البلاد باستثناء محافظات الحدود الأربعة ، حيث تبين الحقائق التالية :

1-أن حجم المبالغ المنفقة على العمل الخيرى والتطوعى فى مصر عام 2010 يتراوح بين 18.0 مليار إلى 22.0 مليار جنيه ، ووتتوزع هذه الأموال بين عدة صور وأشكال منها ، الزكاة التى قدرت بحوالى 12.0 مليار جنيه فى ذلك العام ، والتبرعات لأنشطة معينة أو لأسر محددة ، وأقامة الولائم والذبائح ، وتقديم الملابس فى المناسبات للأيتام والأرامل والمطلقات وغيرها من الصور والأنواع .

2-أن 17.5% من إجمالى الأسر المصرية ( التى كان عددها فى ذلك العام 18.0 مليون أسرة ) تعتمد فى دخلها على مساعدات الأهل ، ونحو 3.0% على مساعدات أهل الخير (8) ، وعلينا أن نلاحظ هنا أن 3.3 مليون أسرة ( بمتوسط 16.6 مليون فرد ) يتحصلون على مساعدات سواء كانت مالية أو عينية من الأهل غالبا ، ثم من أهل الخير بنسبة أقل وهذا يختلف عن اقتصاد الكرتونة الذى غالبا لا يميز بين الأهل وغير الأهل .

3-أن إجمالى ما أنفقته الأسر المصرية التى شاركت بأموالها ومجهوداتها فى أعمال الخير عام 2009 قد بلغ حوالى 4.5 مليار جنيه (9) .

4-وأن 97.9% من الأسر المصرية التى تقوم بأعمال خيرية يدفعون أموالا بغرض الزكاة الإسلامية ، أو العشور المسيحية ، والتى قدرت بحوالى 1.8 مليار جنيه ( بمتوسط 120 جنيها للأسرة الواحدة ) ، تتفاوت بين أسر الحضر (155 جنيها ) والريف (93 جنيها ) .

5-كما أن هناك حوالى 45.5% من هذه الأسر تقوم بأعمالها الخيرية من خلال أداء الصدقات ، أو تقديم المساعدات والهبات ، بينما 21.6% من هذه الأسر يقومون بدفع تبرعات .

6-وقد بلغ حجم هذه التبرعات والصدقات المقدرة حوالى 2.5 مليار جنيه سنويا بمتوسط 271 جنيها للأسرة ( تزداد فى الحضر إلى 343 جنيها للأسرة وتنخفض فى الريف إلى 195 جنيها للأسرة ) .

7-وقد تبين كذلك أن دور العبادة سواء كانت المساجد أو الكنائس تأتى فى الترتيب الثانى من حيث أوجه إنفاق التبرعات بنسبة 23% ، وأن معظم هذه التبرعات (75.3% منها ) تكون فى صورة نقدية (10) .

8-وقد برز فى تجارب العمل الخيرى والتطوعى فى مصر بنك الطعام الذى يقدم خدماته لحوالى 150 ألف أسرة سنويا ، بموارد مالية بلغت عام 2010 حوالى 240 مليون جنيه ، وكذلك جمعية رسالة الخيرية التى بدأت كنشاط طلابى بكلية العندسة جامعة القاهرة عام 1999، وأمتدت فروعها لتصل إلى 50 فرعا عام 2009 فى معظم محافظات مصر ، وكذا مؤسسة " مصر الخير " التى أنشئت عام 2007 ، مقدمة هدماتها لحوالى 100 ألف أسرة ، وبالمثل مستشفى سرطان الأطفال ( 57357) ، وجمعية كاريتاس القبطية التى تأسست عام 1967 ، وجمعية الهلال الأحمر المصرى التى تأسست عام 1941 وغيرها من الجمعيات الخيرية (11) .

9-ومن مظاهر العمل الخيرى والتطوعى فى مصر التى أنتشرت بصورة كبيرة جدا خلال العشرين عاما الأخيرة ، موائد الرحمن فى شهر رمضان ، والتى قدر عددها فى رمضان عام 2008 بحوالى 13555 مائدة ، يتراوح عدد المترددين عليها بين 1.8 مليون شخص إلى 1.9 مليون شخص ، وقد تبين أن 87% من هذه الموائد يقيمها أفراد وأسر ، بينما 13% فقط يقيمها جمعيات خيرية وشرعية (12) .

ويكشف تحليل التطور الكمى فى عدد الجمعيات الأهلية فى مصر طوال المائة عام الماضية عن مفارقات مدهشة ، وتعكس درجة الغفلة التى ميزت أداء الدولة المصرية فى التعامل مع هذه الظاهرة .

فالجمعيات الأهلية التى لم يزد عددها فى عام 1976 على 7592 جمعية ، الكثير منها لا يعمل فعليا ، أزداد عددها عاما بعد عام حتى بلغ عام 1985 حوالى 11471 جمعية من جميع الأنواع والأنشطة ، وحينما بدأ تدفق التمويل الأجنبى لبعض تلك الجمعيات ، خصوصا الإسلامية والمسيحية كلا من مصادره المختلفة ، أندفع الكثيرون لإنشاء جمعيات أهلية فبلغ عددها عام 2016 حوالى 48600 جمعية ، وقد شهدت الفترة التى أعقبت ثورة 25 يناير عام 2011 موجة هائلة لإنشاء تلك الجمعيات خصوصا من كوادر تنظيم الأخوان " المسلمين " والمجموعات السلفية الأخرى (13) ، ومع غياب الشفافية والنزاهة ، تحول هذا النشاط إلى سبوبة مالية ومصدرا للتربح لدى الكثيرين ، بدلا من كونه عملا تطوعيا .

ووفقا للبيانات الرسمية التى صدرت من جهات التحقيقات القضائية ، فيما عرف بقضية " التمويل الأجنبى لمنظمات المجتمع المدنى ( القضية رقم 110 لسنة 2011 ) ، فقد بلغ إجمالى التمويل الجنبى للجمعيات والمؤسسات الأهلية فى مصر خلال ثلاث سنوات فقط ( يوليو 2013 حتى يونيه 2016) حوالى 3.02 مليار جنيه (14).وإن كنا من جانبنا نشك كثيرا فى دقة هذه الأرقام ، نظرا لمعرفتنا السابقة بوسائل إخفاء كثير من مصادر التمويل الأجنبى لدى هذه الجمعيات والمنظمات الأهلية .

ثالثا : مفهوم شبكات الآمان الاجتماعى .. واقتصاد الكرتونة

تقدم المؤسسات الاقتصادية والتمويلية الدولية كالبنك الدولى IB ، والبرنامج الإنمائى للأمم المتحدة UNDP وصندوق النقد الدولى IMF ، ومنظمة العمل الدولية ILO كل فترة زمنية مجموعة من المصطلحات والتعبيرات والمفاهيم ، التى تجد رواجا وإنتشارا لدى الكتاب والخبراء الاقتصاديين فى كثير من دول العالم ، مثل مفهوم " الإحتياجات الأساسية " ، Basic Needs ، ومفهوم BOOT ، وشبكات الأمان الاجتماعى Social Security Networks ، وأخيرا ما يسمى النمو الإحتوائى Contained Growth ، سواء كان ذلك بهدف التعامل مع ظواهر اقتصادية وإجتماعية معينة ، كالفقر والحرمان مثلا ، أو من أجل وضع أطر نظرية جديدة تستظل بها المقولات والكتابات التى يرددها وينشرها العاملون فى الحقل الاقتصادى فى البلدان النامية ، متواضعى الموهبة ، والمسحوقين نظريا أمام تلك المنظمات الرأسمالية الغربية .

وتعرف هذه الأدبيات الغربية شبكات الأمان أو الحماية الاجتماعية بأنها ( نظام قانونى ووسيلة إلزامية تأخذ بها الدولة لتحقيق الحماية الاجتماعية لمواطنيها من المخاطر الاجتماعية ) .

كما يعرفها البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة بأنها ( حزمة متكاملة من التدابير المؤسسية للفئات المتأثرة ، أو غير المستفيدة من سياسات الإصلاح الاقتصادى ) ، وبالطبع فأن المقصود بسياسات " الاصلاح الاقتصادى " هى السياسات التى يوصى بها صندوق النقد الدولى ، أو البنك الدولى للتنمية والتعمير ، أو كليهما .

وتتخذ الدولة عدة وسائل عادة لتحقيق ذلك ، فأما من خلال المساعدات الاجتماعية ، أو عبر نظم التأمينات الاجتماعية بكافة أشكالها وأنواعها ، مثل التأمين ضد الشيخوخة ، والتأمين الاجتماعى ضد الوفاة والترمل واليتم ، والتأمين الاجتماعى ضد البطالة ، وكذلك التأمين الاجتماعى ضد أصابات العمل وضد المرض .

ومن وسائلها كذلك المساعدات الفردية ( كالتبرعات ) ، أو التعاون والدعم العائلى ، أو التعاون الجماعى الخيرى ، كما أنها تشمل سياسات الإقراض للمشروعات الصغيرة وتشجيع الإدخار الفردى وغيرها من صور الدعم الجماعى .

وهكذا فأن سياسات الأمان الاجتماعى هى مجموعة من الآليات والأنشطة المترابطة المستخدمة لتحقيق الاستقرار للأفراد والجماعات ، وتحرير الإنسان من الحاجة والعوز والحرمان (15) .

وقد زاد الاهتمام بشبكات الأمان الاجتماعى خلال العقود الأربعة الأخيرة ، بسبب إتساع نطاق تطبيق السياسات الليبرالية المتوحشة فى كثير من دول العالم الثالث ، والإنقلاب على سياسات التخطيط والتنمية ، خصوصا منذ منتصف السبعينات من القرن الماضى ، كوسيلة تعويضية لتخفيف حدة الآثار الضارة لهذه السياسات اليبرالية على الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى ، وكاسبى الأجور والمرتبات عموما ، والعمالة غير المنظمة Informal .

وتحت مظلة مفهوم شبكات الأمان الاجتماعى ، حاولت الدولة فى مصر ، وفى غيرها من الدول التى إنتهجت السياسات الليبرالية المتوحشة تلك ، وأنصاعت بالتالى إلى أوامر وأجندات صندوق النقد والبنك الدوليين إلى توسيع إطار دعمها المالى لهذه الفئات الاجتماعية المتضررة ، من خلال تشجيع آلاف الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدنى للعمل فى هذا الإطار الاقتصادى والخيرى ، تعويضا عن تنفيذ سياسات جادة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية القائمة على التخطيط فى تعبئة وتوجيه الموارد ، والدور النشط والفعال للدولة كمنتج مرجح ، وتاجر مرجح ، ومن ثم توفير مئات آلاف فرص العمل سنويا التى يعجز القطاع الخاص وحده عن توفيرها لأبناء الفقراء فى المجتمع المصرى .

وهكذا نستطيع أن نميز بين ملامح كل من سياسات الرعاية الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعى و" اقتصاد الكرتونة " فى النقاط التالية :

1- أن سياسات الرعاية الاجتماعية ومنها شبكات الأمان الاجتماعى تمثل منظومة وآليات عمل تتكامل مع سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، بينما أقتصاد الكرتونة يقوم فقط على تقديم المساعدات المباشرة والعينية لقطاع من الفقراء ، والتى غالبا ما تتخذ شكل كرتونة تحتوى على بعض السلع الأساسية التى بالكاد تكفى لإستهلاك أسرة لعدة أيام قليلة .

2- أن سياسات الرعاية الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعى ، ذات ديمومة نسبية فى السياسات العامة للدولة ، بينما اقتصاد الكرتونة يتخذ غالبا طابعا موسميا ، حتى لو تجاوز عدد المستفيدين منه سبعة ملايين أسرة ، كما هو الحال فى شهر رمضان ، وأيام الأعياد الدينية ( عيد الفطر والأضحى لدى المسلمين والعشور لدى المسيحيين ).

3- أن سياسات الرعاية الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعى تضم آليات لتقديم القروض لإقامة المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر ، وتوسيع نطاق شبكات التأمين الاجتماعى للشيخوخة والعجز والوفاة والبطالة ، والتأمين الصحى ضد المرض ، بينما اقتصاد الكرتونة الذى أتسع ليشمل ملايين الأسر الفقيرة فى مصر يقتصر فقط على تقديم سلع عينية ، نقيضا للمثل الصينى الشهير " لا تعطنى سمكة .. بل علمنى كيف أصطاد " .

4- اقتصاد الكرتونة يعتمد بصورة أساسية على تبرعات وصدقات أهل الخير ، يضاف إليها تبرعات مقدمة من مؤسسات رسمية ( مثل الجيش والشرطة ووزارات الأوقاف والتضامن الاجتماعى وبيت الزكاه التابع للأزهر وغيرها ) ، ولا يؤدى ذلك على المدى القصير والمتوسط أو الطويل إلى تغيير جوهرى فى مستوى معيشة هذه الفئات الفقيرة ، بينما تمثل سياسات الرعاية الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعى خطوة أولى لتغيير العلاقات الاجتماعية ، وتحسين مستوى معيشة هذه الفئات من خلال رفع مستوى دخولها وتوفير فرص العمل لها ولإبناءها .

5- كما أخذ اقتصاد الكرتونة أشكالا جديدة ، من خلال التوسع الكبير فى دعوة المواطنيين للتبرع من أجل بناء المستشفيات العامة ، والمستشفيات المتخصصة ، وملاجىء الايتام ، وغيرها من الخدمات الحيوية التى هى جزء من صميم عمل الدولة ، وإنشئت فى هذا السياق صناديق وحسابات خاصة لجمع الأموال والانفاق على تلك الأنشطة ، وكان من أبرزها " صندوق تحيا مصر " برعاية رئيس الجمهورية الجديد مباشرة بعد 30 يوليو عام 2014 ، دون أن يكون هناك إعلان للرأى العام المصرى يقدم بصورة دورية عن حجم الإيرادات والمصروفات لهذا الصندوق ، وكذا مراجعة الجهاز المركزى للمحاسبات ، أو حتى البرلمان المصرى .

6- برغم التشابه القائم بين فضيلة " التكافل الاجتماعى " ، التى هى سمة مميزة للمجتمعات الإنسانية الاسلامية والمسيحية فى الشرق أو الغرب ، واقتصاد " الكرتونة " الذى يعد شكلا من التكافل الاجتماعى ، فأن أخطر ما يصاحب عادة اقتصاد الكرتونة فى الحالة المصرية ، والحالات المشابهة ، هو غياب خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التى تستهدف توفير فرص العمل ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة ، ووجود سياسات لمحاربة الفقر وتخفيض نسب الأسر والفئات الفقيرة فى المجتمع ، تماما كم نجحت البرازيل فى تخفيض نسب الفقر خلال ثمانى سنوات فقط من حكم الرئيس الاشتراكى " لولا دى سيلفيا . فنحن هنا إزاء اقتصاد يقوم على الصدقات والتبرعات ، وتقديم " الكرتونة " لفئات واسعة من الفقراء بديلا عن إلتزام للدولة بسياسات جادة لمحاربة الفقر فى المجتمع المصرى .

7- وكذلك فأن العمل الخيرى والتطوعى فى الدول الرأسمالية المتقدمة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ، يشكل نسبة لا تقل أبدا عن 5.0% إلى 10% من الدخل القومى فى هاتين الدولتين ، ويضم بين صفوفه عشرات الآلاف من العاملين التطوعيين فى صفوفه ، ومن غير المتطوعيين ، لكنه يظل عملا أهليا ومجتمعيا ، يخفف من غلواء الفقر لدى الفئات الفقيرة ، لكنه أبدا لا يحل محل الدور التنموى للدولة وأجهزتها وسياستها الاقتصادية وسياستها فى مجال الرعاية الاجتماعية والصحية (16)، وإن كان يحظر على منظمات العمل الخيرى فى تلك البلاد العمل بالسياسة بصورة مباشرة أو غير مباشرة .

كلمة ختامية :

نستطيع أن نؤكد أن اقتصاد الكرتونة هو نمط جديد فى إدارة الشأن الاقتصادى وسياسات الرعاية الاجتماعية فى الدولة المصرية خلال السنوات الخمسة الماضية ، لقد أكتشفت الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية ، أن الفراغ الذى نشأ عن مصادرة نشاط الجماعات السلفية وتنظيم الأخوان " المسلمين " ، وسط الفقراء والفئات المحرومة فى الأحياء الفقيرة وفى القرى المصرية ، الذى أستمر لقرابة أربعة عقود ، وأسس لهم مرتكزات اجتماعية من المتعاطفين والمتحلقين حولهم ، يحتاج بعد 30 يونيه عام 2013 ، إلى من يملأه .

وهنا نزلت الدولة بكل قوتها وأجهزتها لتقوم بالدور الذى كانت تقدمه منظمات أهلية ذات أهداف سياسية بعيدة المدى ، بدلا من وضع الخطط التنموية الحقيقية لمحاربة الفقر ، وتنمية قطاعات الانتاج ، وتنشيط دور الدولة فى هذه المجالات الحيوية ، نقيضا لما كان يجرى طوال أربعين عاما من دور المنظم الفاشل ، والمقاول لمشروعات البنية الأساسية تسهيلا للاستثمار والمستثمرين .

وفى محاولة القيام بهذا الدور ، أستحثت الدولة وقياداتها الجديدة بعد 30 يونيه عام 2013 ، رجال المال والأعمال ، وأبناء الطبقات المتوسطة إلى التبرع " ولو بجنيه " ، و" صبح على مصر ولو بجنيه " ، و " أترك الفكة " ، وتمويل الحملات الإعلانية المنظمة سواء لتوفير كرتونة المساعدات الغذائية ، أو تمويل أقامة المستشفيات ، وعلاج المرضى من الفقراء والأطفال ، ولم تتنبه الدولة بأن هذه السياسة القصيرة الأجل والقصية النفس لا يمكنها أن تغير من توازنات القوى الاجتماعية ، ولا مستويات تركز الثروات فى جانب وإستمرار إتساع الفقر فى جانب أخر .

ولم يكن الحصاد بقدر الثراء والأرباح التى تحققت لرجال المال والأعمال طوال أربعين عاما سابقة ، مما أضطر الدولة إلى السحب من رصيد حسابات بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية لتغطية الموقف وملأ الفراغ .

والحقيقة أنه ما لم تتنبه الدولة والقائمين عليها إلى خطورة إستمرار هذه السياسة ، واهمية بناء إستراتيجية اقتصادية جديدة تقوم على التخطيط وتعبئة الموارد ، ونزول الدولة إلى سوق الانتاج والتوزيع ، فلن تفلح كل هذه المسكنات فى وقف موجات الغضب المتصاعد ، وأصوات الرياح القادمة من بعيد



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق