تابعنا على الانترنت
استفتاء

العلامة سعد مصلوح..يكتب: من حديث السيرة رأيت يد الله

09/04/2019 08:55


د. سعد مصلوح

إن تَعْجَبْ فعَجَبٌ أن ترى المرء ، وقد وضعته ذاتُ حَمْلِهِ حُرًّا ، يستبدل بِحَبْلهِ السُّرِّي حبلا من مَسَدٍ يَشنُق به عنقه ، ثم يتركه يتدلي على صدره ، ثم يُسْلِمُه للصاحب أو الساحب لِيَرِدَ به من المراعي كل ذي أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشيء من سدر قليل . هذا من أعجب العجب ، بيد أنه كان .

في عام ١٩٩٥ كنت أنا والكريمة بنت الكرام زوجتي إلهام -حفظ الله مهجتها - زميلين في قسم علمي واحد ، ولم يكن قد مر على زواجنا إلا أشهر قِلال ، ومن عجب أن هبت علينا أعاصير المنغصات من بعض المسؤولين في القسم . وأشهد أن المسؤول الأول في القسم لم يكن في ذاته من الأشرار ، بيد أنه من سوء حظه قد اتخذ بطانة من دونه لم تَأْلهُ خَبَالَا ؛ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ، ثم إنهم أفرغوا خَبَثَهُم كله في حجري وحجر أخي العالم المكين الرصين عبد اللطيف الخطيب ؛ - فسح الله له في أجله ، وبارك في عمله - لغير ما سبب معلن أو مفهوم . كان العام الدراسي يهدف إلى نهايته ، وجاءت كتب تجديد العقود إلى جميع الزملاء المعنيين دوني ودون الخطيب . ولقد ظن القوم - وبعض الظن سفه - أنهم بذلك قد قذفوا في قلوبنا الرعب ، وانتظروا منا الزحف إلى مضاربهم ومكاتبهم وحَبْلُ الرُّكْبَةِ من كلينا ساقط ، فطال بهم الانتظار ، وحال الله بينهم وبين ما يشتهون. أما أنا فقد وطنت نفسي على الرحيل والعودة إلى مصر ، وجلست إلى الرفيقة الحكيمة الصابرة ننظر ونتدبر أمر أولادنا وما ينتظرهم من تغيير المدارس وقد اختلفت بهم مراحل التعليم ، وتواصينا ألا تتعامل هي مع المسؤولين في أي شأن يخصني وأن تخَلِّيَ بيني وبينهم ، وكذلك كانت حال الخطيب.

ولما كان الأجل القانوني للإشعار بانتهاء العقد قد فات ، لم يكن بد من إرسال كتاب التجديد لي ولأخي عبد اللطيف الخطيب إما لا ؛ فسينشأ عن ذلك حقوق مالية لا قِبَل لهم باحتمال تبعاتها . لكن أنوفهم وَرِمَتْ أن يمضي الأمر هكذا سهوا رهوا فضمنوا كلا الكتابين عددا من الملاحظات التي ألزمنا كتاب الرئاسة إياها شرطا واجب الاتباع لأي تجديد لاحق. وكان نصيب الخطيب منها أربعاً ، أما أنا فحظيت منها بِسِتٍّ كوامل. وبديهي أن يكون بعضها مشتركا بيني وبينه. وقد كان لي وللخطيب رد على كتاب التجديد تَغَنّى به الحُداةُ وسارت به الركبان.

وقد أسلمت الرد الذي كتبته يومها إلى رئيس القسم بالإجراء الرسمي المتبع في مثل هذه الحال ، وفندت الملاحظ الستة واحداً واحدا ، ولعلي أضمن الكتاب كاملا مصورا حين تصدر هذه السيرة في كتاب إن شاء

الله.

أذكر من بين الملاحظ

- قولهم :"شكوى الطلاب من صعوبة المادة العلمية والامتحانات ". وكان ردي على كتاب رئيس القسم أني قضيت من عمري عشرين عاما في التدريس الجامعي في مصر والسعودية والسودان وفي كليتكم هذه ولم ينكشف لي هذا العوار في عملي إلا في عامنا هذا. ويرحم الله زمانا كنت تقول لي فيه : ليت عندي من الوقت ما يسمح لي بحضور محاضراتك مع الطلاب لأستفيد ؛ ونعم ؛ لقد قلتها لي غير مرة وكم أخجلت بها تواضعي

فما عدا مما بدا !!                         

- ثم قولهم : "التدريس خارج الكلية بغير إذن من القسم ".وهو ملحظ يقع في القرارة من نقيض الصدق. وقد نقموا أن كنت قبل التحاقي بالعمل في جامعة الكويت من بين هيئة أساتذة الدراسات العليا في الجامعة. وقد كان الرد :كنت أحسب أن يكون ذلك مدعاة فخر لكم ، لكني لم أجد بين يديّ ردا إلا قول البحتري العظيم :

إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها

كانت ذنوبي فقلْ لي كيف أعتذرُ

- أما الملحظ الذي كان شركة بيني وبين الخطيب فكان عَجَبَا من العجب ؛ إذ يقول :

« تشكيل محور ضد رئيس القسم » ؛ فكان الرد على ذلك مني ما يأتي :

« إن هذه التهمة الغليظة لا تصدر إلا عن حسن ظن شديد بالنفس ، وسوء ظن شديد بالناس ، وكلتاهما من موبقات الخصال ،

سيدي رئيس مجلس القسم !

يسلم عليك أمير الشعراء ، ويقول لك :

ما كلنا ينطقه لسانه *. في الناس من ينطقه مكانه

ولقد نطق في ما جرى به قلمك المكان . لكن اعلم أنه إن يكن لك مكان ، فإن لنا بحمد الله مكانة .

وأنت حَرِيٌّ بما هو معروف عنك من العلم الغزير والأدب الجم والحسب اللُّباب. أن تعرف فرق ما بين المكانة والمكان .

إن المكان يأتي ربه عفوا . أما المكانة فلا يحصلها ربها إلا بكَدِّ العين ورشح الجبين ،

والمكان محدود بالجدران ، ومظروف بالآن .أما المكانة فقد أطلقها الله بفضله من قيد المكان والزمان.

وهما قد بجتمعان وقد يفترقان ، ولكنهما لا يتلازمان على جهة الحتم والضرورة

أسأل الله أن يهدينا وإياك إلى التي هي خير »

 

انتهى الكتاب ، وهكذا أحرقت من ورائي سفائن طارق ، وأمضيت أمري على الرحيل على ما فيه من مفارقة الأهل وشتات أمر الولد . بيد أني كما قدمت في العنوان رأيت يد الله ؛ إذ حالت بي الحال إلى خير فائض ما كان ليخطر لي ببال »

وللحديث فضل بيان يأتي في الإبان إن سمح الزمان



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق