تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: العلاقات المدنية العسكرية...من خطاب أيزنهاور إلى خطاب عنان

08/04/2019 06:40


د. حازم حسنى

أبدأ هذه الرسالة بتأكيد ما هو مؤكد بعنوانها، وهو أن موضوعها ليس المقارنة بين الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية، دوايت أيزنهاور، وبين الرئيس الأسبق لأركان الجيش المصرى، الفريق سامى عنان؛ فمثل هذه المقارنة، إن أنا تهورت فأقدمت عليها، لن تكون إلا ظلماً للرجلين كما هى ظلم لنفسى فى آن واحد !

 

بالطبع، يجمع الرجلين خلفيتهما العسكرية، ووصولهما لأعلى الرتب فى بلديهما، ومن ثَمَّ يجمع بينهما فهم ماهية الثقافة العسكرية التى تحكم الجيوش كما تحكم تعاملات هذه الجيوش مع الفضاء المدنى اقتصادياً وسياسياً ومعرفياً ... هذا هو المشترك بين الرجلين، لكنهما بشخصيهما ليسا مقصد هذه الرسالة، وإنما مقصدها هو المقارنة بين خطابين، لا بين رجلين، ولا بين جيشين، ولا بين سياقين تاريخيين يباعد بينهما الزمان والمكان، كما يباعد بينهما واقع أحوال منظومتىّ الحكم اللتين تعاملا معها !

 

أول الخطابين موضوع هذه الرسالة هو خطاب "الوداع" الذى وجهه الرئيس أيزنهاور لمواطنيه يوم 17 يناير 1961، قبل ثلاثة أيام فقط من تسليمه السلطة لخليفته جون كينيدى؛ أما الخطاب الثانى فهو خطاب "الاستهلال" الذى ألقاه الفريق سامى عنان للشعب السيد فى الوطن السيد، وشاءت ظروف الوطن والشعب "السيدين" أن يكون خطابه الاستهلالى هذا خطاب وداع، حتى وإن كان فى نية صاحبه أن يكون "استهلالاً" لا "وداعاً" !!

 

المقارنة إذن هى بين خطابىّ "وداع" وجههما الرجلان كلٌّ لمواطنيه، ولا أرغب بهذه المقارنة بين "الوداعين" أن أعيد الفريق عنان لساحة المنافسة السياسية، لا بشخصه ولا بمشروعه الرئاسى، فهما لم يعودا مطروحين على مسرح الأحداث بعد ما لاقاه الرجل ومعيته من عنت جعله غير قادر على أى منافسة سياسية، لا بجسده حتى وإن أراد، ولا بمشروعه الرئاسى بعد كل ما أصاب هذا المشروع مما أصاب كل أوجه الحياة السياسية فى مصر من تغيرات تخفى وراء أكمتها ما تخفيه، وهو ما لا يجوز لأى عاقل أن يتجاهله !

 

ما أريده بهذه المقارنة بين الخطابين هو فقط إعادة الاعتبار للعلاقات المدنية العسكرية بعد كل ما أصاب هذه العلاقات فى بلادنا من اختلالات ستؤذينا جميعاً، مدنيين وعسكريين، بل هى قد تهدد وجودية الدولة نفسها إن نحن تغافلنا عن خطر هذه الاختلالات، وعن أخطار غيرها من الاختلالات التى استوطنت مصر حتى صارت دستوراً غير مكتوب يحكم الحياة فيها، بل ويريده بعض أصحاب المصالح أن يكون دستوراً مكتوباً يحكم مستقبلها ومستقبل الأمة المصرية كلها !!

 

==============================

 

فى خطابه، الذى غادر به البيت الأبيض، حذر أيزنهاور مواطنيه من خطر رآه يهدد الحريات المدنية والنظام الديمقراطى فى الولايات المتحدة الأمريكية، بل ويهدد نظامها الجمهورى ويقوض أساسه الذى هو سلطةٌ مُوَزَّعة، وتوازنٌ بين السلطات كما بين كل مكونات الدولة الأمريكية، مدنيةً كانت هذه المكونات أو عسكرية !

 

قال أيزنهاور فى خطابه إن المؤسسة العسكرية الأمريكية قد بلغت من مستويات القوة فى نهاية عهده ما لم تعرفه فى أى عهد سبقه، لا فى وقت السلم ولا فى وقت الحرب، بل ولا حتى خلال الحرب العالمية الثانية التى خدم خلالها قائداً لقوات الحلفاء فى أوروبا ! ... أشار أيزنهاور فى خطابه إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، فى سعيها لمواجهة اخطار ما بعد الحرب العالمية الثانية، قد زادت من المخصصات المالية لمؤسسات الأمن القومى حتى تجاوزت هذه المخصصات فى نهاية عهده مجموع ما تحققه كبريات الكيانات الاقتصادية المدنية الأمريكية !

 

حرص أيزنهاور فى خطابه على تبرير هذه الزيادات فى مخصصات الأمن القومى بضرورة امتلاك بلاده كل أدوات الردع العسكرى لمواجهة تهديدات خارجية رآها تتعاظم بدورها فى عالم مضطرب أفرزته حرب عالمية لم تكن أهوالها قد غادرت الذاكرة الإنسانية بعد؛ بيد أنه رصد مع ظاهرة تنامى القدرة العسكرية الأمريكية أيضاً تنامى نصيب مجمع الصناعات العسكرية من الإنفاق العسكرى، كما رصد المصالح القوية والعلاقات الوطيدة التى صارت تربط بين قوة الولايات المتحدة العسكرية، من جانب، وبين صناعاتها العسكرية، من جانب آخر، مما يجعل من تحالفهما تهديداً وجودياً للدولة الأمريكية لا ينتبه لخطره الشعب الأمريكى، فقد قدَّر أيزنهاور أن هذا الخطر الذى يتنامى بمعدلات متسارعة إنما يشكل تهديداً للحريات المدنية وللنظام الديمقراطى الأمريكى !!

 

لم يخرج أحد بعد هذا الخطاب الصدمة ليتهم أيزنهاور بالخيانة العظمى، أو ليتهم القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية المنتهية ولايته بالخروج على مقتضيات الانضباط العسكرى، ولا هو صدر بيان منسوب لقيادة الجيش الأمريكى يصف تنبيه الرجل لمواطنيه من تنامى خطر التحالف بين المؤسسة العسكرية ومجمع الصناعات العسكرية على مستقبل الدولة الأمريكية بأنه تحريض صريح ضد الجيش، ولا فهم أحد من هذا التنبيه أن الرئيس المنتهية ولايته يسعى للوقيعة بين الشعب الأمريكى وبين قواته المسلحة !!

 

لا أيزنهاور، وهو يلقى خطابه الأخير، كانت تراوده مثل هذه الأفكار السوداوية التى تغرقنا فيها أذرع النظام المصرى الإعلامية والسياسية، ولا الشعب الأمريكى استقبل كلماته بهذه المعانى الكارثية، ولا الجيش الأمريكى نفسه فكر للحظة فى تخوين الرئيس الذى كان فى يوم من الأيام قائداً عاماً لقوات الحلفاء

فى أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية !! ... الكل قرأ فى خطاب أيزنهاور قلقاً على مستقبل الدولة الأمريكية، وحرصاً على وجوديتها، وتنبيهاً يفيق الأمريكيين - عسكريين ومدنيين - من سكرة الانتشاء بتعاظم قوة الجيش الأمريكى وكأنها تنعكس إيجابياً بالضرورة على قوة الدولة الأمريكية، ولا تنعكس سلبياً على هذه القوة كمصدر إضعاف للدولة إن هى لم توازنها باقى المؤسسات المدنية !

 

هكذا، وفى لحظة مكاشفة استثنائية، منح أيزنهاور مواطنيه مفتاح فهمهم لطبيعة التفاعلات التى تحكم بنائية الدول مما قد يهدد وجودها، أو يحقق استمراريتها واستقرارها، وكانت كلمة السر فى هذه التفاعلات هى "توازن الأدوار التى تقوم بها كل القوى المجتمعية، عسكرية كانت أو مدنية" ... فبسبب هذه القوة الاستثنائية التى اكتسبها الجيش الأمريكى ومجمع الصناعات العسكرية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، دون أن يقابل نمو وتطور هذه القوة الاستثنائية نمو وتطور فى قوة المؤسسات المدنية، وفى بنية الفضاء المدنى العام الذى يحتضن العلاقات المدنية العسكرية، صارت الدولة الأمريكية فى نهاية عهد أيزنهاور أمام تحدٍ وجودى، أو هكذا رآه الرئيس المنتهية ولايته، فقرر ألا يغادر منصبه قبل أن يدق للأمة الأمريكية - بمدنييها وعسكرييها ناقوس الخطر !

 

الدرس المستفاد من خطاب أيزنهاور هو أن ثمة فرقاً شاسعاً بين أن تكون قوة الجيش، فى ذاتها، خطراً يهدد الدولة وبين أن يكون مكمن الخطر - الذى شخصه وحذر منه الرئيس أيزنهاور - فى عدم إدراك مؤسسات الدولة وعناصرها التكوينية لشروط استيعاب الدولة لهذا النمو الاستثنائى لمؤسسات القوة الخشنة، ومن ثَمَّ لضرورات تطوير مؤسسات الدولة المدنية بما يحقق التوازن المؤسسى الذى يحمى الحريات العامة، ويحافظ على استقرار الدولة، وعلى نظامها الجمهورى الديمقراطى !

 

فقط الدول التى تقودها العقول الضامرة ترى أن تنامى القدرة العسكرية للدولة يعنى - فى ذاته، وبمعزل عن أية اعتبارات أخرى - أن الدولة قد صارت أقوى؛ وهى رؤية تشى بقصور معرفى يقود أصحابه - كما هو الحال فى بلادنا - لتملق المؤسسة العسكرية على حساب المكون المدنى للدولة الذى تتناقص - تدريجياً، وبمعدلات متسارعة - قدرته على موازنة المكون العسكرى الذى يتضخم حتى كاد يبتلع الدولة نفسها لا قطاعها المدنى فحسب ! ... وفى ظل هذا الخلل الوجودى تفقد الدولة - وهى الكيان المؤسسى الأكبر - اتزانها، ومع افتقادها لآليات التوازن تفقد الدولة قدرتها على التكيف التاريخى مع المتغيرات التى تساعدها على مواجهة أىٍّ من التحديات الوجودية التى تتكاثر فى عالم يزداد اضطراباً كلما مضت رحلة الأيام نحو غايات لا تملك الجيوش وحدها فهماً كاملاً لطبيعتها، ولا مرونة تسمح لها بقراءة خرائطها، ناهينا عن مهارة رسم هذه الخرائط التى تتغير تحت سمع وبصر الجميع !!

 

====================

 

ما سبق من حديث لا يعنى بطبيعة الأحوال أن ليس للمؤسسة العسكرية دور فى التعامل مع رحلة التاريخ، فمرة أخرى لم يكن هذا هو مقصد أيزنهاور من خطابه، ولا هو كان مقصدنا فيما تناولناه، ولا هو كان مقصد الفريق عنان فى خطابه الاستهلالى الوداعى ! ... المقصد الوحيد للجميع هو التأكيد على أن استقرار الدول وقدرتها على التعامل الإيجابى مع ما تواجهه من تحديات لا يمكن أن يتم بغير بنية مؤسسية ودستورية تحقق التوازنات بين مكونات الدولة، وتحافظ على علاقات صحية بين ما هو مدنى وما هو عسكرى، وإلا فإن خللاً يصيب هذه العلاقات لن تكون نتيجته إلا أن تفقد الدولة توازنها، ومن ثَمَّ تواجه خطراً وجودياً لن يفرق - إذا ما تَمَكَّن من الدولة - بين ما هو مدنى وما هو عسكرى !!

 

من يقرأ بعناية خطاب الفريق عنان لن يراه يحيد عن هذا المعنى، فلا هو حرض على الجيش، ولا هو سعى للوقيعة بينه وبين الشعب، وإنما تبنى الرجل خطاباً يفتح الطريق لتحقيق بعض التوازن بين القطاعين المدنى والعسكرى، حرصاً منه على استقرار الدولة أولاً، وعلى سلامة الجيش نفسه ثانياً؛ لولا أن تداخل مع مسارات الخطاب أصحاب العقول الضامرة وتجار الضمائر الخربة الذين سعوا بالباطل بين الرجل وبين القوات المسلحة للوقيعة بينهما ! ... حدث ما حدث، وطويت صفحة الفريق عنان، لكن تبقى المعانى التى تبناها فى خطابه - بعيداً عن شخصنة القضية - هى الأبقى وهى الأهم ... فقد ذهب أيزنهاور من قبله - والقياس هنا مع الفارق بين الرجلين وبين السياقين - وبقيت رسالته تهتدى بها الدولة الأمريكية بدرجات متفاوتة من النجاح ومن الفشل !

 

بقى التأكيد على أننى وأنا أحرر هذه الرسالة، وأعقد هذه المقارنة بين الخطابين، قد نحيت جانباً كل هذه الادعاءات الشاردة التى تقول بأن أمتهم غير أمتنا، ودولتهم غير دولتنا، وحريتهم غير حريتنا، وديمقراطيتهم غير ديمقراطيتنا، ومدنيتهم غير مدنيتنا، وإنسانيتهم غير إنسانيتنا ... فمثل هذه الأطروحات الشاردة لا تختلف فى شئ عن أطروحات من كانوا السبب فى خروج المصريين فى الثلاثين من يونيو، فكلها أطروحات لا تعين على فهم الحاضر، ولا على استشراف المستقبل، ولا حتى على الحفاظ على ما تبقى لنا من زاد الماضى الذى به كانت قد بدأت الرحلة !!

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق