تابعنا على الانترنت
استفتاء

أدونيس وقصيدة الهلس

02/04/2019 05:20


د. إبراهيم عوض

(نص من كتابى: "دراسات فى النثر العربى الحديث")

وإلى جانب ما مر هناك شىء نسمع به فى العقود الأخيرة اسمه "قصيدة النثر"، التى تنتمى إلى جنس النثر فى خلوها من الوزن والقافية، وتزعم أنها تأخذ من الشعر تكثيفه وعاطفيته وصوره وأحلامه والسطور غير الكاملة بدلا من السطور التامة المتتابعة التى تكوّن بدورها فقرات فمقالاتٍ أو كتبًا. فهل هناك جديد فى ذلك؟ لقد عرف العرب أولاً، ولقرونٍ طِوَاٍل، القصيدةَ التى تتكون من عدد من الأبيات، كل بيت منها مقسم إلى شطرين يتطابقان عروضيا أو يكادان، وكلها تنتهى بذات القافية. أى أن البيت هو وحدة القصيدة الأساسية موسيقيا. ثم إنهم عرفوا بعد ذلك الموشَّحات وبعض الأشكال الشعرية الأخرى التى لا يشكّل البيت وحدتها الموسيقية الأساسية بل المقطع، فللمقطع نظامه الذى يتكرر بحذافيره فى كل المقاطع. وفى العصر الحديث ظهر الشعر الحر أو شعر التفعيلة، وهو لا يتكون من أبيات ولا مقاطع، بل من سطور. وهذه السطور لا تجرى على بحر من بحور الخليل المعروفة، بل فى الغالب على تكرير تفعيلة بعينها عددا من المرات يختلف من سطر إلى سطر دون نظام مُطَّرِد. كما أن القافية موجودة، لكنها هى أيضا لا تعرف نظامًا ثابتًا، إذ الشاعر يقفِّى كلما عَنّ له، وبالطريقة التى تستهويه. وإلى جانب الشعر الحر نَظَم بعض الشعراء لونا آخر هو الشعر المرسل، وهو شعر يحتفظ بالأوزان الخليلية، لكنه يخلو من موسيقى القافية. وكان قد ظهر قبل هذا وذاك ما سُمِّىَ بــ"الشعر المنثور"، وهو يخلو من الوزن والقافية جميعا.

ثم ظهرت بعد هذا "قصيدة النثر"، أو "النَّثِيرة" كما يسميها بعضهم، وهى لا تختلف عن الشعر المنثور إلا فى أن هذا الأخير قد يستعين بالسجع أحيانا، أما هى فلا، وإلا فى أنه يُكْتَب كما يكتب النثر المعتاد، أى فى سطور كاملة متتابعة، أما هى فتترسّم خُطَا الشعر التفعيلى، ومن ثم لا تكتمل سطورها، فضلا عما فى كثير جدا من نماذجها من يأس وضياع أو تفاهة ونزوع إلى التدمير الأحمق لقيمنا اللغوية والأدبية والروحية يخلو منه الشعر المنثور(26)، ثم ما أخذ يسربلها بعد ذلك من غموض يستحيل أحيانا كثيرة إلى هذيان. وهذا كله مما لم يعرفه النثر العربى القديم الذى لا يخلو من نصوص تُفْعِمها العاطفة الجياشة والصور البديعة، وتوشّيها موسيقى السجع والجناس والازدواج فتقترب من الشعر المنثور، لكنها لا تندرج تحت ما يسمى: "قصيدة النثر" أو "النَّثِيرة".

ومن أشهر كتاب "النَّثِيرة" فى سوريا ولبنان مثلا على أحمد سعيد إسبر (الملقب باسم الإله الوثنى: "أدونيس") ويوسف الخال وأنسى الحاج ومحمد الماغوط وصلاح فائق وشوقى أبى شقرا وأسعد الجبورى وبندر عبد الحميد ومروان صقر وسمير الصايغ. وللاستشهاد على ذلك الجنس الجديد نسوق هذا الهُذَاء الذى يقول فيه أدونيس:

"المرايا تصالح بين الظهيرة والليل

خلف المرايا

جسدٌ يفتح الطريق

لأقاليمه

الجديدة

جسدٌ يبدأ الطريق

بين إيقاعه والقصيدة

عابرًا آخر الجسور

... وقتلت المرايا

ومزقت سراويلها النرجسية

بالشموس ابتكرت المرايا

هاجسًا يخضن الشموس وأبعادها

الكوكبية"(27).

حيث لا ترابط بين الجملة والجملة التى تليها، بل ولا بين الكلمة والكلمة التى تجاورها فى ذات الجملة، ومن ثم فلا معنى لأى شىء فى هذا الكلام. إنه أشبه بمن يدلق على الأرض سطلا مملوءا بالكلمات لتذهب كل كلمة فى اتجاه ثم تستقر الكلمات فى النهاية دون أن تكون بين الكلمة والتى بجانبها أية علاقة سوى أنها صارت جارة لها بالمصادفة المحضة!

وهذا مثال آخر يبين لنا مدى التفاهة والسطحية المتغلغلة فى كثير من نماذج ما يسمونه: "قصيدة النثر"، وهو لمنذر المصرى، الذى لا أعرف عنه شيئا:

"هنا أسكن

ما رأيك لو ترى

ما ألصقتُه البارحةَ على زجاج نافذتى؟

وستقدم عمتى لنا

كوبين من الليمونادة المثلجة

أهلا وسهلا

أهلا وسهلا"(28).

إن أنصار "قصيدة النثر" يستندون إلى أن الأجناس الأدبية لم تعد متمايزة فى عصرنا كما كانت من قبل، ومن ثم انماعت الحدود بين الشعر والنثر. ثم إن تلك القصيدة، حسبما يقال، إنما تهدف إلى إحلال الرؤيويّة (أى صوت اللاشعور) محل خطابية القصيدة التقليدية... إلى آخر ما يرددون(29). وقاتهم أن الحدود لم ولن تنماع بين الأجناس الأدبية بهذه الطريقة التى يمارسونها، وإلا لعدنا فى الأدب إلى ما يشبه عَمَاء الهَيُولَى القديم. ثم إن الخطابية المشار إليها لا توجد فى كل الشعر المسمَّى بالتقليدى، بل فى قصائد المديح والفخر وما إليها فقط، وإلا فهل فى شعر ابن أبى ربيعة وجميل وقيس بن ذَرِيح، وعينية أبى ذُؤَيْبٍ الهُذَلِىّ، ولامية الحُطَيْئة: "وطاوِى ثلاثٍ عاصبِ البطنِ مُرْمِلٍ"، ورائية بشار، وخمريات أبى نواس، وزهديات أبى العتاهية، ومرثية ابن الرومى فى ابنه محمد، وداليته فى وحيد المغنية، ونَدَمِيّات ديك الجن، وقصيدة الحُمَّى للمتنبى، ورثائه لخَوْلَة الحَمْدانية، وأبيات ابن خفاجة فى الجبل، ونونية ابن زيدون، ومئات ومئات بل وآلاف وآلاف من قصائد الشعر القديم، هذه الخطابية المفتراة التى تذكرنا بقميص عثمان؟

ثم ما دخل الشعر التقليدى هنا، والقصيدة النثرية إنما خرجت، كما رأينا، من عباءة الشعر المرسل والمنثور والحر؟ وهل الخطابية معيبة فى كل الحالات والأوقات؟ أليست هناك لحظات فى تاريخ الفرد والأمة تملى عليه إملاء أن يكون جهير الصوت بل مجلجله؟ إن هذه كلها تَعِلاّتٌ لا معنى لها. وعلى كل حال ليس البديل عن الخطابية هذا الكلام الفاتر المكون فى كثير من نماذجه من أمشاج لا قِوَام لها، ودعنا الآن مما فى بعض النماذج الأخرى من تجديف فى حق المولى سبحانه وعدوان مستفز على أخلاق العفة والحياء.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق