الجيش، السياسية، والمجتمع الجزائري

27/03/2019 01:03


هوارى عدى

تشكل الانتفاضة السلمية للشعب الجزائري عودة قوية للفعل السياسي الذي منعه الجيش منذ الاستقلال إلى اليوم. ولكن، هذا المنع لا يعن أبدا بأن الجيش يقف ضد الشعب الجزائري ،أو أنه يقف في صف الشرائح الاجتماعية الُمهيمنة. بل إن منع العمل السياسي يتوافق مع الشعبوية الموروثة عن الحركة الوطنية التي يمثل الجيش الوطني الشعبي امتدادا عضويا لها وتعبيرا أيديولوجيا عنها. إن الجيش الجزائري، لا هو بجهاز موروث عن الاستعمار، مثلما هو الحال لدى البلدان المجاورة ، و لا هو بمؤسسة مرتبطة بمصالح الطبقات العليا في المجتمع. بل إنه انتاج للحركة الوطنية، وتمتد جذوره إلى نجم شمال افريقيا، حزب الشعب- حركات انتصار الحريات الديمقراطية PPA/MTLD ، المنظمة الخاصة OS، وجيش التحرير الوطني ALN ، ولهذه الأسباب تحديدا، اكتسبت المؤسسة العسكرية مكانة غالية لدى كل الجزائريين، ولم يرفع الشباب المتظاهرين أي شعارات معادية لها. بل على العكس، لقد هتف الشباب بشعار ( الشعب- الجيش: خاوة خاوة).

ينحدر الجيش الوطني الشعبي، من أعماق الوعي الوطني للمجتمع، ويحمل أيضا تناقضات الحركة الوطنية الجزائرية، التي، ولأسباب تاريخية، رفضت للجزائريين أن يتشكلوا كمجتمع سياسي متصارع ومتنافس. بالنسبة للقادة العسكريين الجزائريين، السياسة يجب أن تكون بين الجزائريين وأعدائهم الأجانب، وليس بين الجزائريين. كانت وظيفة كل من الأمن العسكري، تحت حكم بومدين، ثم لاحقا جهاز الاستعلام والأمن، هي منع المواطنين الجزائريين من ممارسة السياسة، لأنهم يعتقدون بأنها ستضعف الوحدة الوطنية. لم يكن القادة العسكريون في الجيش يسعون إلى بناء ديكتاتورية عسكرية عبر جهاز الإستعلام والأمن DRS، و لكن كانوا يريدون بناء دولة خالية من السياسة( دولة غير مسيسة). الجيش الجزائري، المتشرب من الشعبوية، هو جيش أبوي، يتصرف مثل الأم الحامية، لدولة تهددها المصالح الخارجية.

ولكن، إذا كان منع النشاط السياسي له ما يبرره أيديولوجيا خلال مرحلة الهيمنة الاستعمارية، فإنه سيتحول ( منع العمل السياسي) بعد الاستقلال إلى عائق أمام بناء دولة القانون. لقد تم اختزال الدولة إلى مجرد جهاز بيروقراطي بسبب رفض العسكر لوجود سلطات مضادة وموازنة، معتقدا أنها ستستعمل ضد الشعب. لم يكن العسكر يريدون بناء مؤسسات سياسية يتم فيها حل التناقضات السياسية في المجتمع. كان يفضل استقطاب النخب المدنية ليسير بها الشؤون الإدارية للدولة، من خلال تكليفهم بمهام تعبئة الموارد المادية والبشرية وضمان العدالة الاجتماعية. تجسد هذا التصور في نظام الحزب الواحد قبل أكتوبر 1988،

واستمر إلى ما بعد سنة 1992 من خلال تزوير الانتخابات، وكان الهدف من ذلك، هو نزع التسييس عن المجتمع وتقوية التجانس الاجتماعي للجزائر.

إن هذا النموذج السياسي، يخلق الفساد ويبدد موارد الدولة، ويصبح مع مرور الوقت، خطرا على مستقبل المجتمع. إن منع النشاط السياسي هو يتوبيا تدفع الجسم الاجتماعي إلى تسوية صراعاته وخلافاته عن طريق العنف. إن كل المجتمعات، صراعية بحكم تعريفها، لأنها عبارة عن تمفصل وإلتقاء لمصالح متصارعة ومتناقضة. السياسة هي جوهر تسوية هذه الصراعات والخلافات الأيديولوجية، الاجتماعية و الاقتصادية، والتي يجب أن يتم حلها داخل إطار مؤسساتي( الانتخابات الشفافة، استقلالية القضاء، استقلالية النقابات، حرية التعبير...) يحضى بتوافق الجميع من أجل ضمان السلم والوفاق الاجتماعي.

الشباب المتظاهرون في الشوارع يريدون اليوم أن ينتزعوا من الجيش سلطة تعيين الرئيس، واختيار النواب في البرلمان...وسينجحون في ذلك بلا شك ،لأن تطور المجتمع الجزائري يفرض ذلك. إن رفض النشاط السياسي هو سبب انتشار الفساد. إن النظام السياسي الحالي، برفضه الإعتراف باستقلالية الفعل السياسي، وحق المجتمع في انتخاب ممثليه، عطل التطور والتقدم نحو دولة القانون.

إن الشعبوية الموروثة عن الحركة الوطنية لم يتم تجاوزها رغم تجدد الأجيال داخل مؤسسة الجيش الوطني الشعبي. احتكار العسكر لصلاحية تعيين الرئيس، تحت غطاء انتخابات مزورة، هي ممارسة متأخرة كثيرا عن التطور الذي عرفه المجتمع الجزائري، الذي يتوق لأن تكون له مؤسساته تمثيلية. ولكن جدلية التاريخ، أدركت النظام الذي تجاهل أحد أهم قواعد العلوم السياسية: كل نظام سياسي يستمد تجانسه سواء من كاريزما الزعيم، أو من شرعية انتخابية. بتعيين الجنرالات لبوتفليقة رئيسا، دون أن يتمتع بكاريزما، ولا بمؤهلات رئيس دولة، فإنهم بذلك سرعوا نهاية النظام.

في الأزمة الحالية، ثمة فاعلين سياسيين يواجهان بعضهما البعض: القيادة العسكرية والمجتمع الذي يحتل الشارع. والحل الوحيد للأزمة هو الذي أشار إليه جمال زناتي في منتدى جريدة ليبرتي Lberté، والمتثمل في التفاوض مع الشارع الذي يطالب بنظام سياسي جديد. المجتمع لا يريد نخبا سياسية جديدة يعينها جهاز الاستعلامات ز الأمن، و نأمل بأن يوافق ضباط الجيش، بدون اللجوء إلى العنف أو الحيلة، و دون تهديد لوحدة الجيش، بأن تنتقل الجزائر إلى مرحلة جديدة من تاريخها.

ملاحظة: كان من المفروض أن تنشر هذه الترجمة في نفس اليوم الذي نشرت فيه المساهمة بالفرنسية على موقع TSA، و لكن لأسباب غير معروفة، لم يتم نشرها.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق