المفكر السياسى حازم حسنى..يكتب: تسلُّح الجيش ... بالحكمة

22/03/2019 12:31


د. حازم حسنى

هذه قصة عن حكماء مصر القديمة كان قد رواها هيرودوت فى قَصَصِه منذ أكثر من أربعة وعشرين قرناً مضت، وإذا كنت أستدعيها اليوم من ذاكرة التاريخ فكى أهديها لقادة الجيش المصرى، آملاً أن يكون فى استدعائها إسهاماً متواضعاً فى تسليح مصر بالسلاح الوحيد الذى لا تشتريه أموال الدنيا كلها ألا وهو سلاح "الحكمة"، وما أحوجنا لأن تتسلح به مصر، وأن يتسلح به جيشها، فى هذه الفترة المضطربة من تاريخها !

القصة التى رواها هيرودوت كنت قد أوردتها فى كتاب لى صدر منذ أكثر من عشرين عاماً، ومنه أقتبس بعضاً مما كتبت عنها آنذاك :ـ

========================

ـ "لا ندرى يقيناً متى استيقظ الضمير الجمعى للشعوب الهيلينية، ولا متى بدأوا يفكرون فى كيان واحد تجتمع فيه إراداتهم المتفرقة فى إرادة واحدة؛ لكننا نعلم أن قبيلة منهم - هى قبيلة الإيليين - قد أسهمت فى صنع هذه الملحمة حين نجحت فى تنظيم ما عُرِف فى التاريخ القديم بالألعاب الأوليمبية.

حدث هذا فى نهاية الربع الأول من المئة الثامنة قبل المسيح؛ ففى هذا الوقت اجتمعت كل القبائل ذات الأصول الهيلينية على أمور ثلاثة : أولها أن تكون الأرض التى تستقبل هذه الألعاب حراماً لا تدنسها القبائل بحروبها ونزاعاتها [...] وثانيها أن تكون أيام هذه الألعاب حراماً تمتنع فيها الحروب والنزاعات [...] أما ثالث ما اتفقت عليه القبائل الهيلينية فهو أن تكون هذه الألعاب رمزاً لكل ما هو هيلينى ... الدولة الوحيدة غير الهيلينية التى كان يرغب الإغريق دائماً أن تشاركهم ألعابهم هى مصر !

ـ [...] قد يكون فيما يرويه لنا هيرودوت ما يعيننا على فهم كيف كان يرى الإغريق دور مصر فى تحقيق وحدتهم، وكيف كان يرى المصريون من جانبهم وحدة الجسد السياسى؛ فقد ذكر هيرودوت فى الفصل الستين بعد المئة من كتابه الثانى أن وفداً من الإيليين زار مصر ليعرض على مليكها بسامتيك الثانى [أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين] فكرة الألعاب الأوليمبية، ويَبْسُط له قواعد تنظيمها وتحكيمها التى كان الإيليون أكثر ما يكونون حرصاً على أن تأتى خالية من كل نقيصة تقوض الهدف الأسمى الذى نشأت الألعاب من أجله [وهو] وحدة الشعوب الهيلينية.

زيارة الإيليين لمصر جاءت فى نهاية العقد الأول أو بداية العقد الثانى من القرن السادس قبل المسيح، أى بعد ما يقارب القرنين من بدء الألعاب الأوليمبية، أو بعد نحو خمسين دورة أوليمبية اكتسب خلالها الإيليون خبرة فى تنظيم الألعاب وفى تحكيمها، [حتى اعتقدوا أنهم قد] وصلوا بها إلى حد الكمال ... شئ واحد فقط كان يقلقهم وهو هل يجد المصريون قواعد لتنظيم الألعاب وتحكيمها تَفْضُل ما استقر عليه الإيليون بعد قرنين من الزمان؟!

كانت إجابة هذا السؤال تمثل المرجعية التى يطمئن إليها سدنة الألعاب الأوليمبية؛ فلو أن المصريين عجزوا عن وضع قواعد أفضل تضمن حياد التحكيم، ومن ثم استقرار السلام الهيلينى الذى تستهدفه الألعاب الأوليمبية، لكان معنى هذا أن الألعاب بسبيلها لتحقيق توازن بين القبائل الهيلينية لا يقل فى شأنه عن التوازن الذى حققه المصريون بين مكونات الجسد السياسى المصرى ... والإيليون فى سعيهم هذا لم يكونوا جاهلين بطبيعة النظام السياسى الذى تخضع له مصر، ولا كانوا غافلين عن أن "التوازن" هو عمود الحكمة الذى أقام الدولة المصرية عبر تاريخها الطويل [...].

يروى لنا هيرودوت أن

بسامتيك الثانى استدعى حكماء بلاطه ليحاوروا سدنة الأوليمب، وكيف أن حكماء المصريين اختاروا أن يكون سؤالهم لهؤلاء السدنة عما إذا كان يُسمح للإيليين - وهم سدنة الألعاب الأوليمبية - بمشاركة سائر القبائل الهيلينية فى هذه الألعاب، وكيف أن سدنة الأوليمب ردوا بالإيجاب وهم يستنكرون أن يكون جواب السؤال بالنفى؛ فقواعد التنظيم تقضى بأن يكون كل الهيلينيين سواء فى حق المشاركة فى هذه الألعاب، [وهو] الرد الذى وجده المصريون أبعد ما يكون عن الحكمة ! فالحَكَم - فى رأيهم - إذا ما أراد أن تكون له الكلمة المسموعة، والحُكْم الذى لا يُرَد ولا يُتشكك فيه، عليه أن ينأى بنفسه عن مواطن الشبهات ... فالقبيلة التى تُجَمِّع القبائل لا تنافس القبائل التى تعمل على تجميعها" !

انتهى الاقتباس

============

انتهت القصة التى رواها هيرودوت بامتناع المصريين عن الاشتراك فى هذه الألعاب الأوليمبية، لا لأن الإيليين يشاركون فيها على عكس ما رآه حكماء مصر الأقدمين أنه "الحكمة"، ولكن - فى تصورى - لأنهم رأوا أن مكانة مصر كمرجعية حضارية للقبائل الهيلينية سوف تتأثر سلباً، بل وربما سوف تنتهى تماماً، إذا ما شارك المصريون فى هذه الألعاب وصاروا ينافسون فيها، سواء فازوا بهذه المسابقات أو خسروها !

شئ من هذا الخطر الذى رآه حكماء مصر الأقدمين سيداهم مصر حتماً إذا ما تم تمرير نصوص دستورية تعطى للجيش حق الانخراط فى مناحى الحياة المدنية؛ إذ كان الجيش المصرى دوماً - منذ أسس محمد على النسخة الحديثة من الدولة المصرية - هو رمانة ميزان الدولة، وكان المصريون يعتبرونه الملاذ الأخير الذى يلجأون إليه فى حالات الأزمات الوجودية التى تتجاوز قدرة باقى مؤسسات الدولة على مواجهتها وإيجاد سبل الخروج منها.

لم يكن الجيش المصرى طوال تاريخه الحديث بحاجة لأية نصوص دستورية تعطيه دور "رمانة الميزان"، أو دور "الملاذ الأخير"؛ فقد كان هذا الدور محفوظاً للجيش دائماً، ومحل قبول عرفى عام بين عموم المصريين، والعُرف - كما نعلم جميعاً، وكما هو مستقر فى الأدبيات الدستورية - هو أقوى من القانون، بل إن القاعدة التشريعية تقول إن ما ينظمه العُرف فليس من الحكمة أن ينظمه القانون !

أما الآن، ومع سعى بعض دهاقنة هذا الزمان لتضمين الدستور المصرى نصوصاً صريحة تورط الجيش فى تشكيل وتنظيم وضبط أداء الحياة المدنية، فإن الجيش سيفقد بالضرورة دور "رمانة الميزان"، أو هى الدولة المصرية - بالأحرى - التى ستفقد رمانة ميزانها بتحول الجيش من أداء دور السند الذى تستدعيه باقى مكونات الدولة وقت أزماتها الوجودية إلى أداء دور صاحب الثقافة العسكرية التى تنافس غيرها من الثقافات المدنية فى إدارة شؤون الدولة !

بناء علاقة صحية بين الجيش وبين مكونات الدولة المدنية لابد له من صياغات لا تورط الجيش فى مستنقعات التشاحن السياسى، ولا تورط الدولة نفسها فى مغامرات دستورية لا تستهدف إلا الاستجابة لحسابات سياسية ضيقة، وهى حسابات قد تخدم مصالح نظم حكم آفلة، لكنها لا تخدم مصالح الجيش، ولا هى تخدم مصالح الدولة المصرية ... ربما وجدنا بعض مفاتيح ما نرجوه من صياغات حكيمة لواقعنا فيما تركه لنا المصريون القدماء من حكمتهم، وربما وجدنا بعضها الآخر فى حكمة الآباء المؤسسين للدول الحديثة المستقرة، لكننا سنجد كل مفاتيحها حتماً إذا نحن حرصنا على "الحكمة" المجردة .. هكذا بلا أية إضافات !!

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق