المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: على هامش التعديلات الدستورية

20/03/2019 11:30


د. حازم حسنى

أو - ربما - فى متن هذه التعديلات

---------------------------------

عندما تسلم السيسى مقاليد السلطة فى مصر توجه إلى المصريين بحديثه - الذى يراه حاملاً لخلاصة الحكمة السياسية - وقال لهم فى إحدى خطبه إنه لا يوجد شئ اسمه النظام، وإنما هناك فقط شئ اسمه الدولة ! ... كان هدف السيسى من هذا الذى نفثه فى أدمغة البسطاء هو إعادة تشكيل الوعى، فلا يعود المصريون يحكمون على من ينقد النظام أو يقاومه إلا بأنه يناهض الدولة التى يدعى السيسى دوماً أنه يعمل على استعادتها وتثبيتها !

يبدو أن الكثيرين بيننا قد التقطوا الطعم، وصاروا بالفعل يتعاملون مع النظام ومع الدولة على أنهما وجهان لعملة واحدة، وانقسموا فى ذلك إلى فريقين يبدوان للوهلى الأولى وكأنهما لا يلتقيان رغم أنهما يشكلان فريقاً واحداً يخدم ما يخطط له السيسى لمواجهة معارضيه : فريق يرى كل من يقف فى وجه النظام وكأنه يقف فى وجه الدولة، وفريق آخر يرى أن كل من يدافع عن الدولة إنما يدافع عن النظام ! ... وهكذا تكفل الفريقان - من حيث يعتقدان العكس - بنزع كل أسباب المناعة السياسية والتاريخية من جسد الدولة المصرية الذى يعانى من وطأة المرض الذى تزداد شراسته يوماً بعد يوم !

الفريق الأول يؤمن بأن كل ما يحقق استقرار النظام إنما هو يحقق استقرار الدولة، والفريق الآخر يؤمن بأن كل مجهود لإنقاذ الدولة هو - فى حقيقته الخبيثة المستترة - مجهود لإنقاذ النظام !

من قال إذن إن السيسى لا يعرف ماذا يفعل؟ أو أنه يلقى بكلماته دون وعى بأغراضها وتداعياتها؟ الرجل يعى تماماً ما يقول، ويدرك تماماً ماذا يفعل، ونكون نحن الغرقى فى أوهامنا إن نحن تصورنا غير هذا ! ... ما فات أكثرنا - ونحن نسبح فى أوهامنا - هو أننا نستقبل كلماته "بنوايا حسنة" فنحسبها بفطرتنا السوية مدعاة للسخرية، أو مدعاة للتندر؛ لكنه من جانبه لا يبعث رسائله بنفس هذه "النوايا الطيبة"، وإنما بغرض إعادة هندسة المجتمع، وإعادة تشكيل وعيه، بما يحقق غايات غير ما نعتقد أنها الغايات !!

ما يبدو لى - وأنا أطالع بعض التعليقات على ما أكتب - أن غايات السيسى من رسائله ومن خلطه للمفاهيم إنما تتوافق مع غايات بعض التيارات

التى تريد بدورها تفكيك الدولة المصرية بحجة تفكيك نظامها السياسى الفاسد ... لكل من الفريقين وجهته، لكن العقبة التى تقف فى طريقهما معاً هى وجود الدولة القومية المصرية التى لابد من تفكيكها، بحجة تثبيت الدولة عند أحد الفريقين، وبحجة استعادة الشرعية عند الفريق الآخر !!

أرجو أن أكون قد بينت - ولو قليلاً - خطورة الخلط بين الدولة وبين نظامها السياسى؛ فمؤسسات الدولة ليست هى بالضرورة مؤسسات النظام، وإن كان النظام يعمل بدأب على اغتصابها بأن يجعلها مؤسساته لا مؤسسات الدولة، فيكون هو الدولة وتكون الدولة هو، حتى يكون هو ومن بعده الطوفان !

هذا هو المصدر الرئيس للقلق من التعديلات الدستورية المزمع تمريرها ... فليس تغيير النصوص ما يقلق، إذ هى مجرد نصوص يمحو بعضها بعضاً؛ فتمحو النصوص الجديدة نصوصاً سبقتها، وستمحو هذه النصوص الجديدة نصوصٌ أخرى تلحق بها ! ... وإنما مصدر القلق هو أن تمحو هذه التعديلات ملامح الدولة فى العقل الجمعى، وفى الضمير المصرى العام، كى لا تبقى إلا ملامح النظام التى لا يرى الشعب إلاها؛ فإما أن نُبقِى بعد هذا على النظام إلى الأبد، بحجة العمل على تثبيت الدولة وتحقيق استقرارها، أو أن نعصف به فنقضى عليه وعليها بضربة واحدة ! ... هذا الخيار الأخير معناه أن نهدم المعبد على رؤوسنا ورؤوس أعدائنا كما فعل شمشون بعد أن استسلم للغواية، ففقد بصره، وفقد مع البصر كل قدرة له على أن يرى ما حوله !

هذه هى خطورة الخلط بين النظام والدولة، ولن يُبعِد هذا الخطر عنا إلا أن نحفظ المسافة الصحية بينهما، إن لم يكن بالنصوص الدستورية المغلوبة على أمرها فبوعينا الإنسانى بخطورة الخلط بين المفهومين ...

... ليبقى النظام إذن نظاماً ما استطاع النظام أن يبقى، ولنُبقِى نحن على الدولة - فى عقلنا الواعى، وفى ضميرنا الحى - دولة؛ فالنظام يعلم قبل غيره أنه ليس الدولة، والأخطر من هذا علمه ويقينه بأنه قد صار فى تنازع وجودى معها ! ... هذا هو دافعه الحقيقى لتشييد عاصمته لا عاصمة مصر، ولتعديل الدستور الذى كان - حين حسنت النوايا - دستوراً للشعب السيد فى الوطن السيد ... هذا إذا كنا لم ندرك بعد ما هى دوافعه الحقيقية لتعديل هذا ولتشييد تلك !!

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق