تابعنا على الانترنت
استفتاء

ذكريات من الريف - بقلم الشيخ محمد الغزالي

12/03/2019 08:39


الشيخ محمد الغزالى

  • غريب.. أبيت فين؟! :

 

سرى إلى نفسى الهدوء المخيم على أرجاء القرية الموشكة على الهجوع، فانسابت أفكارى فى مجراها العميق هادئة هى الأخرى.

 

وأحس رفيقى بأن حبل الصمت قد طال أكثر مما ينبغى فسألنى بلطف: ماذا بك؟ فأجبته باسما: لا شىء غير أن المرء إذا انتقل من الضجيج المضاعف فى المدينة إلى السكون المضاعف فى القرية، شعر كأنه يهبط فى هاوية من الصمت لا قرارلها، ثم ألست ترى هذه الآفاق المغبرة تستقبل المساء القادم البطىء؟ إن هذه الغبرة نضحت على القرية من المتربة التى تعيش فيها أبدا.

 

قال لى صديقى- محاولا الفرار بى من هذه الأفكار الكئيبة-: دعك من هذه الخيالات، ولا تنس أن فلانا ينتظر حيث تواعدنا على اللقاء جميعا عند شاطئ "النيل ". إن مجلسنا هناك حافل بالأحاديث الشائقة وإن كانت أرضه مفروشة بالحشائش الجافة وحدها!

 

ويممنا شطر المجلس العتيد، وإذا بالطريق إليه يعترضها مستنقع راكد من هذه المستنقعات التى يصنعها رشح الفيضان، وتتخلف فيها مياه المطر، فتوقفت كارها واستأنفت صمتى الأول، ثم أرسلت الطرف إلى الشاطئ الآخر للبحيرة الضحلة، ودرت به حول حدودها، ولكنى لم أتبين من معالمها إلا القليل، إنه ليل أشد سوادا من أفئدة المجرمين توارت فى طياته هذه الدور المبعثرة بما ضمت من إنسان وحيوان، وكأنها ألفت وحشته المريبة، فما تخلعها عن جدرانها البالية فى ليل أو نهار..

 

وقرع أذنى صوت غناء ينبعث من بعيد، غناء صبية يسمرون ويلعبون غير أن ألحان غنائهم كانت تشق حجاب الليل، وتخترق صمته كما يشق الخنجر الحاد الأديم الحى. واختلج فؤادى اختلاجا عنيفا، إذ كانت نبرات غنائهم تكتنفها الكآبة وتغزو المشاعر بمزيج من الحسرة والتفجع! ما هذا؟.

 

وأعرت انتباهى للصدى المتماوج مع هبات النسيم على صفحة المستنقع واستطاعت أذناى أن تلتقطا من أبيات المقطوعة التى يغنيها الأطفال هذا البيت الحزين:

 

ياليل! ياليل! ياليل .. غريب! أبيت فين؟

 

قلت لرفيقى فى لهفة: ما هذا الكلام يا أخى؟ من هذا الغريب؟ وما هذا المبيت؟ وما الذى جمع الأولاد على هذا النشيد الحزين؟

 

قال صاحبى- وقد سره أن يجد مجالأ للحديث يطرد به وطأة الصمت-: إن هذا الغناء نشيد القرية الدائم، ومرتلوه هم الصبية الفعلة من الفلاحين الفقراء، إنهم يرحلون إلى التفاتيش الكبرى بالمئات للعمل فيها، وهم يتزودون لهذه الترحيلات المضنية مما ثقل حمله ورخص ثمنه خبز جاف وجبن وملح، فإذا ملئوا بطونهم من هذه الأطعمة، كرعوا من قنوات الرى ما تفيض به من الماء العكر، حتى إذا آواهم الليل وجدوا فى إسطبلات الخيل متسعا يضم أجسامهم المتعبة، وهم بين مهاد الغبراء ولحاف الأجواء يطلقون حناجرهم بما سمعت من غناء.

 

فى حين كان صاحبى يتكلم عاد الصدى السارى يقرع آذانى، بل يقرع أبواب قلبى، ويثير كوامن الحنان والأسى فيه! الغناء الكئيب يناجى الليل مرة أخرى:

 

ياليل! ياليل! ياليل .. غريب! أبيت فين؟

حيران! ما بارتاح يوم .. والراحة تيجى منين؟

 

فقلت- وأنا أهمس إلى نفسى-: يا أولادى لستم غرباء، إنه وطن آبائكم وأجدادكم، ومن حقكم أن تبيتوا فيه ناعمين. لعن الله من ظلمكم وجعل طفولتكم تنبت فى هذا الهوان!.

 

إن أمثالكم يحيون وادعين فى أمم الأرض الأخرى لا تشردهم إلا الحروب والغارات الطارئة. أما أنتم فمشردون أطفالا ومشردون رجالا! فى غير حرب ولا ضرب، إلا حرب الأوضاع الظالمة وضرب المجتمع الغشوم!

 

فقال رفيقى - ولعله استحمقنى - : بماذا تهمس؟ فأسرعت إلى إجابته: لا شىء.

 

واستطردت: وكيف يعودون من هذه الترحيلة؟ فقال: أتذكر الأوبئة التى تصيب الدواجن فى البيوت والدواب فى الحقول؟ إن هذه من تلك. طعام حقير وعمل من قبل الشروق إلى ما بعد الغروب، وأسواط المراقبين القاسين تلهب ظهر من يتوانى فى أداء الواجب، بل قد تلسع المشتغل حتى لا يفكر فى الكسل! وأجور ضئيلة يأكل نصفها السماسرة. وأيام متطاولة على هذا النحو العصيب مما يجعل الأولاد المحرومين من أحضان آبائهم يشعرون بالغربة، فهم يبثون الليل شكواهم الصارخة، ثم يعودون إما إلي القبور وإما إلي الدور . فإذا ساورتهم أحداث الماضى فى حاضرهم المنكود نزعوا إلى الغناء، كما سمعت.

 

فقلت: كم يجنح هذا الشعب إلى الغناء الحزين ينفس فيه عن آلامه المكظومة، وكم سمعت أبناء الوجهين القبلى والبحرى يطلقون حناجرهم زرافات ووحدانا، يطلبون لدى "المجهول " ما لم يجدوه لدى "الواقع " لكنهم لا يجدون شيئا! إلا إذا كان هؤلاء الأطفال الغرباء فى وطنهم قد وجدوا المبيت الذى يلتمسون!

 

وعادت أمواج الظلام تحمل غناء المظلومين المتواثبين على شاطئ المستنقع:

 

ياليل! ياليل! ياليل .. غريب! أبيت فين؟

ياما أرخص الإنسان .. يتهان ورا قرشين

ياليل! ياليل! ياليل .. غريب! أبيت فين؟

وأمى وأبوى الاثنين .. يبكوا بدمع العين

 

  • أديان مستغفلة :

 

قال صاحبى فى ضيق: أحسب أن المجلس الذى ينتظرنا قد التأم الآن شمله، ولعلنا وحدنا الذين تأخرنا. وإذا كان حضرة العمدة لن يطيل عتابنا، فإن فضيلة الشيخ المأذون سيحاسبنا على خلف الموعد. وعلى ذكر الشيخ هل تعرف أنى سمعته أمس يقول: إن الغناء حرام! فقلت مقاطعا: قبحك الله وقبحه! وهل سألتك عن رأيه فى شىء؟ خذ بنا أقرب الطرق إلى ما نبغى…

 

وسرنا نذرع الطريق بخطوات فساح، واسترسل الصديق المخلص يقص على ما أجهل من أحوال البلد وأخبار أهله، فلما قاربنا غايتنا طالعتنا دقات طبل مزعج، وضوضاء مبهمة مختلطة، ونظرت إلى صاحبى فرأيت علائم الكدر مرسومة على وجهه وهو يتمتم: هذه حفلة زار ستؤذينا بضجتها! فقلت له: فى بيت من هذه الحفلة؟ قال: فى بيت فلان! قلت: يا عجبا! إن فلانا هذا رجل عاقل فماذا دهاه؟. قال: إنه مات من زمان! وقد مات ابنه منذ عدة أشهر. مسكين هذا الابن المنكود الحظ! لقد ذهب لأول مرة فى حياته مع ترحيلة من هذه "التراحيل " التى يتغرب فيها الأطفال صغارا، ثم عاد منها فلم يقض مع أمه عدة أسابيع حتى سمعنا نبأ وفاته.-

 

فقلت: وبقيت الأم الثكلى وحدها؟- قال: نعم! وعرفت فى قرارة نفسى سر الزار فى هذا البيت المنكوب: إن أعصاب الزوجة تصدعت لفقد زوجها. فلما شب ولدها عن الطوق، وبدأ يحمل تكاليف المعيشة، ويسعى ليعول نفسه وأمه، بدأت الأم يعاودها الأمل فى الحياة! وإذا بهذا الأمل ينطفئ، ويثوى فى مقبرة ضمت رفات ولدها بعد رفات بعلها، فاعتراها من تواصل الأحزان، وضنك المعايش، ما جعلها تتشنج وتترنح، فلم يعرف أقرباؤها إلا موسيقى الزار، يداوون بها المرأة التى خالطها الشيطان، وما مسها فى الحقيقة إلا شيطان المآسى والكربات. لعنه الله...

 

مشيت مطرق الرأس، وئيد الخطا، ثم صحوت على صوت رفيقى يقول: إن الشيخ مأذون الشرع أفتى بأن الزار حرام، وسيحدثك كثيرا فى المجلس عن مضار هذه البدعة.

 

فقلت له- وقد صممت على شىء-: اسمع، لن أستطيع الوفاء بموعد الليلة. فاذهب واعتذر عنى لحضرة العمدة ولحضرة الشيخ مأذون الشرع ولسائر الرفاق!.

 

***

 

وفى صبيحة الغد، أرسل إلىَّ العمدة يستنبئنى لم تخلفت؟. ويدعوننى إلى تناول الغداء مع رفاق الأمس على مائدته الكريمة.

 

وفى الموعد المحدد كنت تجاه مائدة حافلة، ترف عليها بشاشة النعمة، وتنعقد فوقها روائح شتى من الأطباق المنضودة، والأطعمة الممدودة، وعلى أطراف الخوان أزهار ورياحين تعبث بها أصابع الرجال الجالسين فى قلة اكتراث، المتهيئين للأكل والثرثرة فحسب.

 

فلما ضمنى المجلس العابث بمرحه، الصاخب بضحكه، استشعرت التناقض الواضح، بين ما رأيت وما أرى، وتذكرت الأسى الشائع فى جو القرية، والصارخ بمعانى الحرمان فى حياة أولئك الفلاحين المساكين، وبرز أمام عينى شبح الشقاء الجاثم فى صدورهم، فأعدت النظر إلى الوجوه المبعثرة حولى، ورأيت أسارير منفرجة، وملامح طافحة بالبشر، ثم قال العمدة بلهجته الآمرة: يا ولد، افتح الراديو، نريد أن نسمع. وإن كان الشيخ المأذون سيتضايق لأنه يكره الغناء!

 

فأرسل المأذون جشاء طويلا ثم قال: إن الشرع الشريف هو الذى ينهى عنه أليس كذلك يا.. وقبل أن يوجه الحديث إلى كان المستمعون الكرام وعلى رأسهم صاحب الحفلة المضياف يتبادلون الضحك العالى، وهم يكرعون من أنس المجلس، ومتاع الحياة، وصفاء العيش، ما يستطيعون من ذلك كله!! وصوت الراديو ينطلق فى الجو السكران بما فيه ومن فيه قائلا:

 

اوع تزعل ثانية .. صحتك بالدنيا!

 

وأحس "مأذون الشرع " بالحرج، فقال لى مستنجدا: أليس كذلك؟ أنت ممثل الدين بيننا فتكلم باسم الدين.

 

فقلت ساخرا: كان للدين سفراء يمثلونه عند رجال الدنيا. أما اليوم فعند رجال الدنيا أقوام يمثلون باسم الدين! لكنهم للأسف يمثلون أدوارا هازلة!

 

فقال الرجل: إنى أسأل عن حكم الشرع الشريف.

 

فقلت: تسأل عن حكمه فى أشياء قد تخدش أظافره. أما الأشياء التى تدق عنقه وتستأصل من الأفئدة جذوره، فلا تسأل عنها، ولا يسأل عنها أحد!

 

وهذه الفوضى الاجتماعية التى طغت على بلادنا، وعبثت فيها بكل المقررات الدينية والعقلية، وطحنت قلوب الجماهير المعذبة، ألا يستفتى فيها الدين يوما ما ليقول حكمه الحق؟!

 

ثم قمت فى غضب وأغلقت الراديو، فحبست صوت المرح المهتاج عن القوم المرحين، وتبرم العمدة بهذه الحركة وضاق المأذون بما سبقها من كلام، فانصرفت وفى مشاعرى غليان مكتوم.

 

لقد أيقنت أن هناك عوامل مدبرة، تدفع الناس إلى الجدل الطويل فى مسائل الدين الصغرى، لتصرفهم عن ملاحظة المشاكل الخطيرة التى يتعرضون لها فى دينهم ودنياهم، حتى خيل إلى أن الاشتغال بهذا السفساف طابور خامس للإلحاد والفجور والبغى فى الأرض. ولقد وظفنى القدر فى الوعظ والنصيحة والإفتاء، فما أعجب ما رأيت ووعيت.

 

أقول للناس: سلونى فى الجد، فيسألوننى فى الهزل!، أريد أن تستفتونى فى المبكيات، فلا أجدهم عندى إلا للاستفتاء فى المضحكات!.

 

وهم- ولا أدرى لم؟ يسألون عن حكم الحل والحرمة فى لقمة خبز، ولكنهم يرفضون أن يسألونى عن الحكم نفسه فى قطعة أرض، لأن اختصاصى - وقد يكون اختصاص الدين- لا يتعدى القروش وآلاف القروش إلى الأفدنة وآلاف الأفدنة!. فإذا كانت الحادثة سرقة من جيب أو اختلاسا من بيت وجدت الفتوى بقطع اليد ماثلة. أما السرقات الكبرى حيث لا تتوافر الشروط الشكلية للجريمة، فلا قطع ولا انقطاع، ولينعم بذلك بالا من يعنيهم الأمر!

 

إن هناك شعوبا مسروقة تحت الشمس، وطوائف مغصوبة فى وضح النهار. وإن الله تعالى ليرقب من عليائه كيف يعمل الدين لإحقاق الحق وإزهاق الباطل.

 

دخلت فاطمة زوجة عمر

بن عبد العزيز يوما عليه وهو جالس فى مصلاه، واضعا خده على يده، ودموعه تسيل على خديه ، فقالت: ما لك؟

 

قال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت فى الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعارى المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذى العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم فى أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربى عز وجل سيسألنى عنهم يوم القيامة، وأن خصمى دونهم محمد صلى الله عليه وسلم فخشيت أن لا يثبت لى حجة عند خصومته فرحمت نفسى.. فبكيت.

 

***

 

  • رقيق الأرض... كيف يموت!

 

* ثمن النخيل:

 

لاحت لعينى النخلات الباسقات، المنبعثة من فناء الدار! ورأيت طلعها النضيد متدليا على عراجينها لما يحمر بعد. فخطوت إلى الأمام فى تؤدة، غير أن أفكارى كانت تدور على نفسها لا يعقد بينها نظام ترى كيف سأجد الرجل الراقد فى فراشه منذ أسابيع؟

 

إن مرضه استنفد ما لديه من مال! ثم تضاحكت فى مرارة وأنا أقول: مال؟ وأى مال يمتلكه هذا المسكين الذى يشق طريقه فى الحياة شبرا شبرا، ويعارك فى ميدان لا يجد فى أرضه ولا فى سمائه ولا فيما بينهما إلا التنكر والعدوان. وها قد سقط مريضا كما يسقط الجندى الباسل فى معركة لا شرف فيها ولا إباء ولا نجدة!

 

ورجعت بصرى إلى النخلات الباسقة وقد اقتربت منى كثيرا، بعد قليل سأكون عند مغارسها! فى صحن الدار التعسة، وإلى جانب رب الدار الثاوى فيها بين الحياة والموت!!

 

وولجت حارة ضيقة، ثم وقفت على وصيد مهجور، وقرعت الباب بلطف، فارتفع صوت يقول لى: تفضل. صوت اجتهد صاحبه أن يعطيه شيئا من القوة، لا قوة الجسم! فإن الجسم متخاذل سقيم، ولكنها قوة النفس التى تعتبر عواد المريض ضيوفا يجب أن يقابلوا بترحاب وبشاشة، مهما بلغ من غض الزمن وإقتار اليد!

 

ودخلت متصنعا الابتسام والتفاؤل. وجلست على الحصير إلى جواره أسأله وأداعبه، بيد أن هذا التمثيل المتكلف لم يخف من جوانب الحقيقة الكريهة شيئا! فقد كان الرجل الممدد يعانى آلاما مبرحة ولم تكن علته من داء واحد بل تظاهرت عليه أمراض عديدة نبتت كلها أو جلها من سوء التغذية، وطول الإرهاق، وفساد الحياة، وظلم البيئة، وتركته هذه الأمراض كأمثاله من الفلاحين البائسين خشن الجلد، مغضن الجبين، مشوه الملامح، لا تكاد تضربه نزلة برد حتى يستسلم لها. كأنه ابن سبعين سنة لا شاب لا يتجاوز بعد الثلاثين!!

 

وهمس المريض يقول: لقد ذهبوا بى أمس إلى الطبيب.. قلت: وماذا قال لك؟ قال: أخذ الأجر وكتب لى دواء ذهب أخى الصغير لاستحضاره من البندر. قلت: وكم كلفك ذلك كله؟ قال: مائة وثلاثون قرشاً!

 

وكأن الرجل لمح فى سؤالى استفسارا آخر عن مصدر هذا المال الذى هبط عليه فجأة وحالته كما أعلم- فقال: جاء أحد تجار الفاكهة واشترى منى ثمار النخيل عند نضجها وأعطانى هذا المبلغ من الثمن. فرفعت عينى إلى النخيل السامقة ، والمريض يتابع حديثه المتقطع فى إعياء وحزن قائلا: كنت أرجو أن أشترى بثمنها غذاء للأولاد لا دواء لى.

 

وسكتنا جميعا وأنا أسائل نفسى أكان غارس هذه النخيل يعلم أن أولاده ستدركهم هذه التعاسة فى ظلها؟؟ لكنه كفلاحى مصر جميعا يعملون للعمل وحده. عليهم التعب ولغيرهم الربح...

وقرع الباب ودخل الأخ الصغير يحمل فى يده لفافة صغيرة فضضناها عن حبوب وأقراص وزجاجات نظر إليها المريض نظرة أمل ونظرت إليها وأنا موقن بأن ثمرات النخيل قد تقاسم ربحها طبيب وصيدلى!

ماذا تصنع هذه الحبوب والسوائل فى علاج رجل علته طول الجوع وطول الجهد؟ لقد تلفت أجهزته وأعضاؤه لطول ما جرعت الماء الملوث، وأكلت الطعام التافه، وطحنتها وطأة العمل فى الحر والقر، فسئمت الكلى والكبد والمعدة هذه الحال وتوقفت عن العمل، فهل ستكرهها إلى العودة فى مجراها هذه السوائل التافهة؟ لا أظن! وإن كان المريض قد اشتراها بثمار نخلاته جميعا!...

واستأذنت إلى عودة قريبة...

  • بين الدين والدنيا:

وبعد أيام قلائل كنت فى الغرفة الكئيبة أتفرس فى ملامح الرجل المسجى على فراشه يتلوى ويشتكى، وسمعته يتمتم، أن الدواء الغالى لم يرد إليه شيئا من صحته المفقودة! وزراعته فى حقله معطلة لا تجد من يعنى بها.

قلت له: لا تجزع، ولا تضاعف أحمال الهموم على كاهلك، وعسى أن يعقب هذه الأزمة فرج قريب. فقال لى- وأنفاسه لاهثة وجبينه المغضن يرشح بالعرق وينضح بالجهد-: لقد يئست تماما من حالتى، ولقد بعت محصول العام فى ثمن الدواء فلم ينفعنى. وضاقت الدنيا بى كما ترى، وبقى شىء واحد تقدمه لى من عند الله. قلت: ماهو؟ قال: تكتب لى آيات من المصحف فى تعويذة مطهرة! فلعلها تشفى سقامى. فهززت رأسى فى أسف يكاد يفطر فؤادى.

قلت: أتحسب أن هذا ما يقدمه الله لك فى حالتك هذه يا صديقى؟ إذن لهانت الأديان كلها إن كان هذا مبلغ ما تسعفك به!! لقد أكل أبناء الدنيا اللئام ما زرعت فى حقلك وما غرس أجدادك فى بيتك وأعقبوك هذا المرض اللعين، أفتحسب أن الدين يقيك هذا السوء بالتمائم والرقى؟ إن التعاويذ لجسدك الضاوى كأقراص الدواء لبطنك الخاوى لا تفيد شيئا ألبتة!.

بيد أن المريض المتعلق بخيط الأمل ذهل عن هذا الكلام فلم يع منه شيئا وعاود إلحاحه!.. ماذا أقول له؟!!

إن آيات الله المنزلة على أنبيائه كلهم لا تصلح بتعليقها إنما تصلح بتطبيقها. وما ذهب هذا الرجل إلا ضحية مجتمع منافق، يتظاهر بتقديس الوحى واحترام صحائفه، فى الوقت الذى يسير فيه على سنن من الإلحاد والجهالة واللؤم…

 

وهذا الشرق الذى نعيش فيه له نقائض خانقة. إن الحاكم فى قصره قد يستمع إلى آيات القرآن فيهز لها رأسه تأثرا، ويغمض عينيه تخشعا، فى الوقت الذى يمضى فيه أوراقا تحمل للناس أقبح المظالم وتوقع بهم أشنع المآثم !!

وقد تجد الثرى من هؤلاء المترفين يحتفى بعلماء الدين، ويخف لاستقبالهم وإكرامهم فى الوقت الذى لا يحبس فيه فقط حقوق الفقراء فى ماله بل يغتال حقوق العمال فى أرضه.

إن عقليتهم المريضة أخذت الدين تمائم وهمهمات وأدعية فلم يزدهم الدين إلا مرضا، ولم تزدهم تعاليمه إلا رجسا، وتطهير هؤلاء جميعا لن يتم إلا بتطهير الأرض منهم.

وحانت منى التفاتة إلى المريض الباسط يده فى ضراعة فإذا به قد لحقته غشية من غشيات المرض، فقمت عنه بعد أن دعوت أخاه الصغير للعناية به. ولست أدرى كيف سيعنى به؟

  • فى عداد المجاهيل؟! :

 

فى المساء عرفت أن الرجل مات، فأيقنت أن الموت أحيانا يكون طبيبا رحيما حاسما لأعصى الآلام على العلاج. فلما ذهبت إلى البيت الثاكل سمعت أنينا مكتوما ورأيت وحشة بادية. وفوجئت بالجثة محمولة على أعناق نفر من الرجال القلائل الذين يمتون إلى الفقيد بصلة القرابة أو الجوار.

وما هى إلا ساعات حتى كان الرجال قد فرغوا من عملهم، ورأيتهم فى جلابيبهم الزرق يعودون منكسرة قلوبهم مكلومة أفئدتهم، يتبادلون كلمات العزاء والتصبر!

قلت لنفسى: أهكذا تنتهى حياة رجل قضى عمره فى الكفاح والعمل؟ لكأنها جنازة شقى حكم عليه بالإعدام، ومنعت الحكومة الاحتفال بموته! ما أقل المعزين والمشيعين! وما أهون وقع النعى على آذان الناس! وما أقل اكتراثهم له!

لقد عاش الرجل فى صمت ومات فى صمت فلم يبكه إلا القليل! بلي! بكته السماء التى طالما نظر إليها شاكيا، والأرض التى طالما انحنى عليها مقاسيا! وبكاه حقله الذى طالما حول ما فيه من طين إلى ورد و رياحين! وبكته النخيل التى غرسها أجداده فلم يستفد منها أجداد ولا أحفاد...

وأقبل الليل على أسرة صغيرة تبكى ربها الذاهب. وتنظر إلى مستقبلها نظرة باردة، إنه لن يكون أسوأ من ماضيها على أية حال.

 

لقد ذهب رجلهم فى عداد المجاهيل من ألوف الفلاحين الذين يبريهم العمل ويقتلهم الجحود، ويتنكر لهم سادة الأرض، فلا يجدون الراحة المنشودة إلا فى بطن الثرى بعد عذاب طويل.

وفى أوبتى سمعت ناعى الأموات فى القرية يصرخ بصوت عال، كأنه نذير حرب! فقلت: لعل أودية الموت استقبلت طارقا جديدا، وصح ما توهمته يظهر أن الموت أنشب أظافره فى صيد دسم، فإن الاسم المنعى إلى الناس اسم رجل من علية القوم، أعرفه جبارا عنيدا من الملاك الجبابرة فى هذه الناحية فقلت: لعل القدر شاء أن يفسر لنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم- وقد مر أمامه بجنازة- فقال: "مستريح ومستراح منه. قالوا: يا رسول الله، ما المستريح. وما المستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا ووصبها، والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.. ".

أجل.. لقد وضع الموت حدا لآلام صاحبى الفلاح الفقير. أما هذا الوجيه الذى هلك فى هذه القرية البائسة، القرية التى استهلك أهلها قبل أن يقصمه القدر، فقد استراح منه حقاً كل شىء.. من العباد والبلاد، والشجر والدواب.

  • موت.. و موت:

وطلع الصباح فكان يوما مثيرا فى حياة القرية بما ضم من مناظر كثيرة لم يألفها الريفيون!

حضر الباشا صهر الوجيه الهالك، وصاحب المقاطعة المترامية الأطراف، وسيد أولئك الفلاحين الذين يعملون له ولا يرونه، واقتضت عظمته وتقاليد الأسرة أن تكون الجنازة مظاهرة كبرى يحشد فيها أعيان القرى المجاورة، وتزدحم فيها الجماهير المشدوهة، ويشتغل فيها أصحاب الجلابيب الزرق بخدمة الوفود المتتابعة..

لقد نسوا فى غمرة الحادث الجديد زميلهم الذى كان منذ حين قريب بين أكفهم يهيلون عليه التراب فى سكون وريبة. وما فكر أحدهم قط فى أن يقارنوا بين موت وموت! وأنى لهم ذلك وهم لم يفكروا ساعة أو يقارنوا بين حياة وحياة! حياة السادة وحياة الرقيق... حياة الناعمين وحياة الكادحين! إن طول ما ألفوا الهوان واستكانوا له، أوقع فى روعهم أن الدنيا هكذا قسمة ضيزى وشقاء مقيم!

ثم جاء المساء وكنت أسير الهوينى فى حارات القرية الهامدة، فأبصرت سرادقا فخما تقع فى جوفه وأمامه الثريات البراقة، وينبعث منه صوت المذياع القوى. والفلاحون يتهامسون بعبارات لم أتبينها... من يدرى؟ ربما كانوا يتناجون بسيرة الفقيد السيئة، وما خلف بينهم من مظالم، وما قدم لنفسه من آثام!

وارتفع صوت القارئ فى السرادق يحيى ليالى المآتم، فتلا هذه الآيات: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين * من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون).

وخيل إلى- وأنا أسمع على البعد- أن الباشا الكبير كان يستمع إلى هذه الآيات فى تخشع وتحزن ظاهرين!.

--------------

من كتابه : #تأملات_في_الدين_والحياة ، وقد كتب أكثر فصوله وهو طالب بكلية أصول الدين وهو يحارب الإقطاع والظلم الاجتماعي أيام النظام الملكي في أربعينات القرن الماضي.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق