تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر السياسى حازم حسنى..يكتب: الحكمة الضائعة

03/03/2019 09:31


د. حازم حسنى

أعتقده من نافلة القول التأكيد على موقفى الثابت من جماعة الإخوان من حيث هى تنظيم أراه مناهضاً فى فلسفة وجوده لفلسفة وجود الدولة القومية المصرية، وهو شكل الدولة المصرية الذى مازلت أومن به، حتى وإن كنت رافضاً لكل التصورات الفاسدة التى حكمت بنائية هذه الدولة عبر أنظمة حكم فاسدة تعاقبت عليها دون أى وعى تاريخى بالضرورات التى تحكم بنائية الدولة القومية، وخاصةً فى الحالة المصرية ... قد يبدو موقفى هذا غائماً بعض الشئ، لكننى لا أريد للاستطراد فى شرحه وتوضيحه أن يبعدنا عن مستهدف هذه الرسالة التى أخصصها لأزمة الإعدامات المكثفة التى عاشها الضمير السياسى المصرى فى الفترة الأخيرة

موقفى الثابت هذا من جماعة الإخوان - باعتبارها تنظيماً - يختلف عن موقفى من الإخوان - أفراداً - باعتبارهم مواطنين مصريين يخضعون لحماية منظومة العدالة المصرية، دون أن تعنى هذه الحماية حصانة لهم ضد اتهام الحق العام لأى منهم بما قد تكون عقوبته الإعدام ! ... والعدالة فى مصر - كما فى بلاد أخرى كثيرة - تمثلها رمزياً فى الضمير العام صورة امرأة تحمل ثلاثة رموز : أول هذه الرموز هو كونها معصوبة العينين، فلا هى تنظر لأى جماعة أو فئة ينتمى المتهم، ولا تتأثر بأى خصومة سياسية أو عقائدية تكون مع توجهات القائمين على منظومة العدالة أو مع غيرهم ممن يؤثرون عليهم ! ... وثانى الرموز هو الميزان الذى تمسك به العدالة، فلا يميل مع الهوى ولا مع الظن الذى لابد وأن يُفسَّر دوماً لصالح المتهم ! ... وأما ثالث الرموز فهو السيف الذى تمسك به العدالة بيدها الأخرى، وهو سيف القانون الذى ليس بالضرورة أن يكون عادلاً إلا إذا أمسكت به يد العدالة، فإن هو أمسكت به يد الظلم صار القانون سلاحاً لهذا الأخير وسقطت عنه رمزية العدالة !

لا أريد - ولا هو فى قدرتى - الحكم على ما إذا كانت معايير العدالة - كما تعبر عنها رموزها تلك - قد تحققت عند محاكمة الشباب الذين أُعدِموا مؤخراً، فتلك أحكام يتحمل مسؤوليتها رجال منظومة العدالة، كما يتحمل مسؤوليتها من قام بالتصديق على هذه الأحكام؛ وإنما يعنينى فى هذه الرسالة فقط أن أطرح تساؤلين حول "الحكمة السياسية" التى أراها ضائعة فى هذا المشهد العبثى الذى تعيشه مصر منذ سنوات، والذى تحكمه إرادة حاكم نفى عن نفسه وبنفسه أن يكون سياسياً !

يعنينى أولاً أن أطرح تساؤلاً عما إذا كان من "الحكمة السياسية" التوسع فى إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام حتى ولو كان قد ثبت ارتكاب المتهمين لجرائم تستحق عقوبة الإعدام؟! ... دعونا نستدعى من الذاكرة ما فعله جمال عبد الناصر مع عقوبة الإعدام التى أصدرتها محاكم "استثنائية" ضد كوادر وقيادات الجماعة فى خمسينات وستينات القرن الماضى، ولا يعنينى هنا الحكم على مدى التزام هذه المحاكمات الاستثنائية بمعايير العدالة، ولا ما إذا كانت نزيهة أو كانت دون ذلك، وإنما يعنينى فقط التعرف على كيف تصرف جمال عبد الناصر مع أحكام الإعدام التى أصدرتها : ـ

فى منتصف الخمسينات أصدرت محكمة استثنائية أحكاماً بالإعدام على سبعة من قيادات الجماعة، وكان من بينهم المستشار حسن الهضيبى المرشد العام للجماعة ... عند التصديق على الحكم، قام عبد الناصر بتخفيف حكم الإعدام على المستشار الهضيبى ليكون الأشغال الشاقة المؤبدة، وهى فى ظنى عقوبة أقسى من عقوبة الإعدام؛ فقد أدرك عبد الناصر

- بحسه السياسى - خطورة تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحق مرشد عام الجماعة، وما كان يمكن أن يسببه هذا التنفيذ - إن هو حدث - من احتقان سياسى، فاكتفى بالتصديق على حكم الإعدام الصادر بحق ستة فقط من قيادات وكوادر الجماعة !

فى منتصف الستينات أصدرت محكمة استثنائية أخرى أحكاماً بالإعدام على عشرة من كوادر الجماعة وقياداتها، لكن عبد الناصر لم يصدق إلا على إعدام ثلاثة منهم فقط كان من بينهم سيد قطب، وقام بتخفيف الحكم على السبعة الباقين ... حدث هذا رغم ما كان يتمتع به عبد الناصر فى ذلك الوقت من شعبية جارفة وزعامة لا ينازعه فيها أحد ... لكنها الحكمة السياسية التى دفعت الرجل لعدم التوسع فى تنفيذ أحكام الإعدام فى قضايا لها أبعادها السياسية ويعلم يقيناً أنه لا يمكنه القول بأنها كانت قضايا محض جنائية !

ما سبق من حديث لا يعنى أن عبد الناصر كان يتمتع بحكمة سياسية مطلقة، فقد كانت للرجل إخفاقاته وأخطاؤه وخطاياه السياسية الكثيرة، لكننى أعرض فقط كيف أن قدراً من الحكمة السياسية قد منع الرجل من التوسع فى إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام ضد مناوئيه، على الرغم مما هو معروف عن الرجل من حزم وعزم وسلطوية، وعلى الرغم من شعبيته الجارفة التى مكنته من عبور محنة الهزيمة القاسية والمُذِلة بعد آخر هذه الأحكام بنحو عامين، وبالرغم من أنه كان يواجه تحديات عظمى داخلياً وإقليمياً ودولياً تبرر لأى مؤرخ ما كان يمكن أن يلجأ إليه الرجل من توسع فى أحكام الإعدام !

أما التساؤل الثانى الذى أطرحه فهو عما إذا كان من الحكمة السياسية أن نتعامل مع الإخوان - باعتبارهم افراداً - بنفس المنطق الذى نتعامل به مع الجماعة باعتبارها تنظيماً من حق الدولة القومية أن تصفيه وأن تستأصله من جسدها السياسى؟ ... ألم يكن من الحكمة السياسية احتضان هؤلاء ودعوتهم أو العمل على اجتذابهم للاصطفاف على أرضية الدولة المصرية بالتفافهم حول مشروع قومى يجد فيه كل المصريين أنفسهم ويحققون من خلاله طموحاتهم، مع عدم إنكار أن ثمة تباينات فى الآراء والرؤى ستبقى مما تعمل أى دولة رشيدة على استيعابه وإدارته سياسياً بما يمنع الاحتقانات والتصدعات الاجتماعية واسعة النطاق على النحو الذى صارت إليه الأمور اليوم؟! ... هل كان من الحكمة السياسية تعميق الصدوع بدلاً من رأبها؟ وهل كان من الحكمة السياسية الانشغال بهذه المشاريع العقارية والمغامرات المالية، وبهذه الرغبة المحمومة فى الاستحواذ على مقدرات الدولة بعيداً عن احتياجات شعب لم يجد من يحنو عليه أو يرفق به؟!

وأخيراً، فهل كان من الحكمة السياسية أن يحكم مصر فى هذه المرحلة الحرجة من تاريخها رجل يفاخر بأنه يرى مشاكل مصر كما يرانا، ولا تغيب عنه حلولها كما لا نغيب عن ناظريه، لكنه - وفى نفس الوقت - يستجدى معرفة الحلول من كل عابر سبيل فلا يلتفت لنصائحهم لأنها صادرة عن إنسانية غير إنسانيته؟! ... هل كان من الحكمة السياسية أن يجلس على كرسى الحكم فى مصر مفاخرٌ بحكمته، لكنه بحكمته تلك التى يختال بها علينا يظن أن السياسة هى ثرثرة كلامية لا غير، ولا يعرف أن السياسة هى كل ما يتعلق بإدارة الشأن المدنى؟!! ... أتساءل - إن كان من حقى - عن ماذا تعلم الرجل طيلة نصف قرن أنفقها فى تعلم معنى الدولة، وماذا تعلم من تجارب سابقيه؟!!

 

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق