موت دكتاتورية بينوشيت في تشيلي

25/02/2019 01:13


د. إبراهيم نواره

في صباح 11 سبتمبر 1973 إستيقظت سانتياجو على أزيز الطائرات، وأصوات إنفجارات الصواريخ، وطلقات الرصاص، وأصوات جنازير الدبابات في الشوارع، وآلاف من السياسيين يساقون من بيوتهم، ويقتلون في الشوارع، أو يساقون إلى أرض الملعب، في الاستاد الرياضي الكبير في سانتياجو، محاصرين بالدبابات والمدافع وآلاف الجنود بكامل أسلحتهم. كانت تشيلي في ذلك اليوم على موعد مع أكثر الإنقلابات دموية في تاريخها.

لم يكن الوضع مريحا في تشيلي، منذ تم انتخاب زعيم الحزب الاشتراكي، زعيم جبهة الوحدة الشعبية، سلفادور الليندي رئيسا للجمهورية في عام 1970. لم يحصل الليندي على الأغلبية الكافية من أصوات الناخبين لإعلانه فائزا بالانتخابات، فاجتمع مجلس النواب، ورجح فوزه الليندي باغلبية أصوات أعضائه (153 صوتا ضد 35)، وذلك بعد تصويت نواب الحزب المسيحي الديمقراطي، صاحب الأغلبية في الكونجرس لصالح الليندي. وبعد تصديق مجلسي الكونجرس، تم إعلان الليندي رئيسا للجمهورية.

كان تصويت نواب الحزب المسيحي الديمقراطي، ذو النهج السياسي المعتدل، لصالح الليندي، كفيلا بتأسيس أرضية سياسية جديدة في تشيلي تسمح بتحالف عملياتي بين الحزب صاحب الأغلبية في الكونجرس، وبين رئيس الجمهورية، زعيم جبهة الوحدة الشعبية. لكن ذلك لم يحدث. وخلال السنوات الثلاث التالية، طرح الليندي برنامجا يساريا، تحت شعار "التحول للإشتراكية" أثار حفيظة الطبقة المتوسطة وقطاعات واسعة من المهنيين.

خطيئة سلفادور الليندي

وتضمن برنامج "التحول الإشتراكي" الذي بادر الليندي بتنفيذه:

1- تأميم كل المصانع التي تبلغ قيمة الواحد منها ما يعادل مليون دولار فأكثر.

2- مصادرة حقوق ملكية الأرض الزراعية لما يزيد عن حوالي 200 فدان تقريبا.

3- تأميم ممتلكات الشركات الأجنبية بدون تعويضات، بل وطالبة هذه الشركات بتعويض تشيلي عن الأرباح التي حققتها من استغلال ثروات الشعب. وكانت أهم استثمارات الأجانب في تشيلي تتركز في قطاع تعدين النحاس.

4- تأميم الصناعات الخاصة التي تعتبرها الدولة أساسية ومحورية للإقتصاد المحلي.

5- فرض التسعيرة الجبرية على ما يقرب من 3000 سلعة أساسية غذائية وضرورية.

6- زيادة الرسوم الجمركية إلى اكثر من 100% على ما يقرب من 5000 سلعة مستوردة.

ولوضع هذه السياسة موضع التنفيذ، طلب الليندي من الجماهير تشكيل لجان شعبية، تقوم بنفسها باحتلال المصانع والسيطرة عليها وتشغيلها، ومصادرة الأراضي الزائدة عن الحد الأقصى للملكية، وتوزيعها على الفلاحين المعدمين، مع إنشاء تعاونيات زراعية، لتنظيم استغلال الأراضي الصادرة بواسطة المواطنين.

بذلك كان سلفادور الليندي يتجاوز مؤسسات الدولة ، وهو ما أوقعه مباشرة في صدام مع الكونجرس، الذي كان يسيطر عليه الحزب المسيحي الديمقراطي. وقد وصل الصدام إلى حد أن القيادة البرلمانية للحزب، سعت بعد أشهر قليلة من تولى الليندي للسلطة، إلى سحب الثقة منه وعزله.

احتجاجات شعبية ثم الانقلاب

وأدت سياسات الليندي إلى حالة من الغليان في الشارع التشيلي، وسادت الفوضى تقريبا في كل أنحاء البلاد، ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، وتوقف الاستثمار، بل أيضا بسبب الطريقة التي كان يتم بها تنفيذ هذه السياسات، التي سمحت لجماعات يسارية متطرفة وجماعات فوضوية، بأن تعطي لنفسها صلاحيات تنفيذ السياسة، فوق مؤسسات الدولة وفوق القانون.

ومع اتساع نطاق المظاهرات الشعبية والاحتجاجات والإضرابات، عجزت أجهزة الدولة عن إدارة البلاد. ووجد سلفادور الليندي نفسه محاصرا مشلولا، لا يستطيع وضع حد للفوضي التي تزيد كل يوم. المثير للدهشة هنا، إن الليندي بدلا من أن يوسع نطاق حكومته ويضم إليها كل الاحزاب الممثلة في الكونجرس، فإنه دعا قيادات أفرع القوات المسلحة الثلاثة إضافة إلى المفوض العام للشرطة، للإشتراك في الحكم! وبعد مرور عدة أشهر، سادت قناعة لدى القيادات العسكرية والأمنية، بأن النظام يجب أن يتغير، وأن الليندي يجب أن يرحل. وقد كان لهم ما أرادوا.

ولفترة امتدت حتى 11 سبتمبر 1990، خضعت تشيلي لديكتاتورية عسكرية مقيته، ساندتها الولايات المتحدة بقوة. وخلال ما يقرب من العام، إستطاع أوجستو بينوشيت أن يثبت أركان حكمه، وأن يحصل على موافقة بقية قادة القوات المسلحة والشرطة، في أن يصبح رئيسا للجمهورية.

المقايضة التاريخية بين الخبز والحرية

واعتمد بينوشيت على دعم التيار اليميني المحافظ سياسيا، وعلى الدعم الإقتصادي من الولايات المتحدة. فاستخدم الدعم السياسي من اليمين لتصفية النظام الدستوري القديم، وإقامة نظام دستوري جديد يقلل إلى أدنى حد اي احتمالات لصعود اليسار أو القوى السياسية الليبرالية، ويعزز قوة مؤسسة الرئاسة على غيرها من مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويمنح القوات المسلحة حرية كاملة في تصريف شؤونها بنفسها، وإخضاع السلطات المدنية للسلطة العسكرية، من خلال مجلس الأمن القومي، الذي نص نظامه على أن تكون أغلبيته من العسكريين، وأن يكون له حق الفيتو، على قرارات السلطة التنفيذية.

ومن الناحية الإقتصادية فقد اعتمد بينوشيت إلى حد كبير على مشورة ميلتون فريدمان داعية الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة، زعيم مدرسة شيكاغو للاقتصاد. وقد زار فريدمان تشيلي والتقى بينوشيت، وناقش معه تفاصيل التفاصيل في السياسة الإقتصادية التي يتعين اتباعها. وفي هذا السياق تولى

فريدمان وهاربيرجر (من مدرسة شيكاغو للإقتصاد) تدريب عدد من الإقتصاديين الجدد من الطلبة التشيليين الذي كانوا يدرسون بالفعل في الجامعة، ومن آخرين تم إرسالهم خصيصا للدراسة تحت إشرافهما.

وقد اطلق على هؤلاء فيما بعد إسم "مجموعة تلاميذ شيكاغو" Chicago Boys ، وبرع منهم سيرجيو دي كاسترو، الذي عينه بينوشيت وزيرا للاقتصاد، وتولى فعليا وضع وتنفيذ برنامج التحول الإقتصادي خلال فترة الديكتاتورية العسكرية.

واستطاع دي كاسترو ان يعيد عجلة الإقتصاد إلى الدوران، وإن يحقق قدرا كبيرا من الاستقرار في السوق، مع تخفيض معدل التضخم، وزيادة معدل التشغيل، ومضاعفة الصادرات، وتبني برنامج للإصلاح الاجتماعي تضمن تمليك مساكن الدولة للمواطنين، وتنفيذ برنامج واسع النطاق للإسكان الإجتماعي، حصل فيه الآلاف من المواطنين على فرصة لسكن كريم لأول مرة في حياتهم.

كان هذا البرنامج الإقتصادي والإجتماعي يتم في نطاق فلسفة تقوم على مبادلة الحرية بالخبز، ونجح خلال السنوات العشر الأولى في خلق تيار شعبي مؤيد لاستمرار الديكتاتورية العسكرية، لأن قطاعات كبيرة من الفقراء إستفادت منه. ونجح البرنامج كذلك في توفير الاستقرار المطلوب لتحقيق التنمية والشعور بالأمان للطبقة الوسطى، التي عاشت ثلاث سنوات من الفزع، في ظل حكم الليندي.

مرحلة الانتقال للعودة إلى الديمقراطية

وبحلول العام 1980، بدأ الجنرال بينوشيت الدفع في اتجاه إعادة الحكم الديمقراطي. ولم يحدث ذلك لمجرد رغبة الجنرال، ولكن حدث لانه تعرض أيضا لضغوط من جانب حلفائه المحافظين اليمينيين، الذين كانوا يؤمنون أن فترة الديكتاتورية العسكرية قد استنفذت أغراضها، وأن عودة الحكم الديمقراطي تستلزم إعادة ترتيب البيت السياسي في تشيلي، بما يسمح بعودة الحياة الديمقراطية مرة أخرى. وإلي جانب الضغوط التي تعرض لها بينوشيت من حلفائه، فإن صوت المجتمع كان هو الآخر يصيح من آن لآخر طلبا لاستعادة الديمقراطية والروح المدنية للدولة.

وأستطيع القول إن رغبة بينوشيت نفسه في فتح الطريق الذي كان قد قطعه هو على التطور الديمقراطي للبلاد، كانت عاملا رئيسيا من العوامل التي قادت إلى وضع دستور جديد للبلاد، وتصفية الديكتاتورية العسكرية. لكن بينوشيت أصر على أن يتضمن الدستور الجديد نصوصا تحمي العسكريين من السلطات المدنية، وتضمن للجيش دورا رئيسيا في تقرير المستقبل السياسي للبلاد. وبعد أن تم وضع دستور 1980 بدأت عمليا مرحلة انتقالية، من شأنها أن تمهد لعودة الحكم الديمقراطي.

خلال الفترة الإنتقالية، خضعت تشيلي لحكم بينوشيت مباشرة، بدون سلطة تشريعية أو رقابية. ومع ذلك فإن الحياة السياسية بدأت تعود بالتدريج، لكن مع استمرار حظر الحزب الشيوعي والتنظيمات اليسارية المتطرفة. كان بينوشيت أيضا في تلك الفترة يسيطر تماما على أجهزة الإعلام، وعلى أجهزة الدولة ذات العلاقة بالعمل السياسي إداريا وأمنيا. وتم وضع قانون للانتخابات يفتت الدوائر ذات الميول اليسارية والليبرالية لصالح اليمين المحافظ. وحصل بينوشيت في دستور 1980 الذي اشرف هو شخصيا على إعداده، على ضمانات باستمرار حكمه لفترة رئاسية واحدة خلال الفترة الإنتقالية بعد التصويت على الدستور، وعلى طرح مسألة ترشحه لفترة رئاسية ثانية على الناخبين في استفتاء عام، وعلى استمراره في منصبه قائدا للقوات المسلحة لمدة عشر سنوات بعد أول انتخابات ديمقراطية تجري في البلاد. 

واستمرت مرحلة الانتقال بعد الموافقة على الدستور الجديد. وتضمنت المرحلة الإنتقالية ، تنظيم استفتاء عام بين الناخبين بعد 8 سنوات من العمل بالدستور، يصوتون فيه بنعم أو لا على قبول ترشيح ممثل للقوات المسلحة في انتخابات رئاسة الجمهورية (كان المعروف ان بينوشيت يطمح في تولى الرئاسة لمدة ثانية بموجب الدستور)، على أن تجري انتخابات عامة في السنة التالية.

الناخبون يصوتون ضد بينوشيت

وفي العام 1989 صوت الناخبون بأغلبية 57% ب (لا) لترشح العسكريين للرئاسة، وهو ما قطع الطريق على بينوشيت لتقديم أوراق ترشحه لرئاسة البلاد لفترة ثانية. وتقرر على الفور البدء في إعداد البلاد لإجراء الإنتخابات العامة (رئيس الجمهورية وأعضاء مجلسي الكونجرس - النواب والشيوخ) في مارس 1990.

وفي سياق هذه الاستعدادات، ضغطت الاحزاب السياسية والقوى المدنية على الجنرال بينوشيت لإدخال حزمة من التعديلات على دستور 1980 تحد من صلاحيات رئيس الجمهورية في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتقلل فترة الرئاسة إلى 4 سنوات فقط بدلا من 8 وتقلل من عدد العسكريين في مجلس الأمن القومي، وتقلل نسبة الأعضاء المعينين في مجلس الشيوخ، وتسمح بحرية أكبر للاحزاب السياسية بما فيها الحزب الشيوعي المحظور.

ونظرا لأن بينوشيت كان يعرف ان رئاسته انتهت عمليا، فإنه لم يعارض في إدخال هذه التعديلات الدستورية التي صدرت وصدق عليها قبل إجراء الإنتخابات العامة التي استطاعت فيها قوي الوسط واليسار ان تلحق باليمين المحافظ المدعوم من الجيش هزيمة ساحقة. ففاز أليساندرو ألوين برئاسة الجمهورية (الحزب المسيحي الديمقراطي)، كما فاز الحزبان المسيحي الديمقراطي والاشتراكي بأغلبية مجلس النواب والشريحة المنتخبة من أعضاء مجلس الشيوخ. وبذلك اسدل الستار عن فصل حزين وحقبة مظلمة في التاريخ السياسي لجمهورية تشيلي.

ومع ذلك فإن بطل هذه النهاية، كان الجنرال أوغستو بينوشيت، الذي بدأ هو نفسه هذا الفصل المأساوي بانقلابه العسكري ضد الليندي.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق