كيف تحولت الأرجنتين من دكتاتورية عسكرية إلى دولة يحكمها المدنيون المنتخبون

23/02/2019 06:32


د. إبراهيم نواره

الحاكم الفرد ليس مخلدا، ومن ثم فإن الحكم الفردي هو إلى زوال، وإذا زاد عن حده، تقلبت القلوب، وانقلبت عليه.

كذلك فإن استئثار مؤسسة واحدة بالحكم دون غيرها، هو اغتصاب للسلطة، لايدوم ، لأنه مدعاة للصراع بين المؤسسات، ينهك الأمة، ويبدد قوتها، ويضعف شأنها بين الأمم. وتزيد حدة المأساة، اذا اختطف المؤسسة واحد من أفرادها، فتخلص ممن حوله، ليخلو له المكان وحده هو ومن يختاره من المقربين.

تاريخ الأمم يفيض بالعبر، ويقدم لنا الدليل بعد الدليل، على فساد حكم الفرد، وفساد حكم المؤسسة الواحدة، دون غيرها، وخطورة استبعاد إرادة المحكومين، مهما استصغر الحاكم شأنهم وقدراتهم.

اليوم أحدثكم باختصار عن تجربة الأرجنتين، وكيف انتقل الحكم من المؤسسة العسكرية إلى المواطنين، أي كيف انتقل الحكم من مؤسسة عينت نفسها وصيا على المجتمع، إلى إدارة مدنية منتخبة بإرادة الناخبين أنفسهم.

أهمية دور الجيش في الأرجنتين

لعبت القوات المسلحة دورا محوريا في بناء الأرجنتين منذ مرحلة الاستقلال وتعيين الحدود السياسية للبلاد والمشاركة في بنيتها الإقتصادية منذ سبعينات القرن التاسع عشر، ولمدة قرن من الزمان. وبسبب ما استطاعت تحقيقه في حماية البلاد وتنميتها، فقد اعتقدت القيادات العسكرية أن الجيش أكثر كفاءة وفاعلية من المدنيين. وقد أدى ذلك إلى جر الجيش من ميدانيه المهني، إلى صراعات سياسية واجتماعية أضرت بقوته وبهيبته.

الإنقلابات العسكرية والتدهور

وقام الجيش بأول محاولة انقلابية للإستيلاء علي الحكم في العام 1930، بزعم أنه "حامي الأمة" وصاحب حق "الإشراف على النظام السياسي". ومنذ ذلك الوقت وقعت الأرجنتين ضحية لصراعات ممتدة بين العسكريين والمدنيين. ومع ذلك فقد نجح بيرون في حكم البلاد وترسيخ الديمقراطية مؤقتا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف السبعينات تقريبا. بعد ذلك نفذ الجيش انقلابا دمويا ضد الحكم المدني وسيطر على السلطة، تحت مبررات مكافحة الإرهاب والفساد.

ومنذ وقوع الانقلاب العسكري عام 1976، تعرضت الأرجنتين لموجة واسعة النطاق من انتهاكات حقوق الإنسان، وتدهور الوضع الإقتصادي، مع ارتفاع حاد في معدلات التضخم والبطالة. في الوقت نفسه كان الجيش يوسع نطاق سلطاته في كل الميادين، خصوصا في مجالات الإنتاج الصناعي العسكري والمدني. وفي هذا السياق أقامت المؤسسة العسكرية لنفسها مجمعا عسكريا - صناعيا كبيرا يضم مؤسسات لإنتاج الأسلحة والمعادن والبتروكيماويات والنقل البحري وغيرها من الصناعات الاستراتيجية.

وقد أدت سياسات انتهاك حقوق الإنسان، ومحاولة مصادرة قدرات المجتمع لصالح المؤسسة العسكرية، إلى زيادة حدة النزاعات والصراعات بين الجماعات المدنية وبين المؤسسة العسكرية. ومع تدهور الوضع الإقتصادي والسياسي ظنت قيادة القوات المسلحة أن الخروج من المأزق الذي تعانيه، إنما يتمثل في إستثارة الشعور القومي ضد عدو خارجي، فشنت حرب جزر الفوكلاند عام 1982. وبعد مواجهات مذلة مع القوات البريطانية، خرجت القيادة العسكرية مهزومة، وخضعت للضغوط الشعبية بضرورة تسليم الحكم إلى إدارة مدنية. وتم ذلك بالفعل من خلال انتخابات جرت في أواخر العام 1983.

إعادة تعريف دور القوات المسلحة

فاز زعيم اتحاد الحركة المدنية راؤول ألفونسين بالرئاسة بأغلبية 52% من الناخبين، مع ان كثيرين كانوا يتوقعون فوز حزب بيرون. وبمجرد تسلمه السلطة قام ألفونسين بوضع قواعد واضحة لدور المؤسسة العسكرية، ولعلاقتها بالدولة والمجتمع. وقام هذا الدور على القواعد التالية:

1- القوات المسلحة مؤسسة مهنية تخضع للسلطة المدنية، لا علاقة لها بالشؤون السياسية.

2- تلتزم القوات المسلحة بالدفاع عن البلاد ضد أي اعتداء خارجي، باعتبار ذلك دورها الرئيسي. ومع ذلك فإنه يجوز في حالات الضرورة أن تدعوها السلطة المدنية للمشاركة في أعمال الإغاثة في أوقات الكوارث، وتقديم الخدمات اللوجيستية في

أعمال مكافحة تهريب المخدرات.

3- يتم تعديل القوانين في البلاد لضمان ما تقدم. وقد جرى تعديل التشريعات تدريجيا، حتى صدور القانون رقم 23/554 لعام 1988. وقد تضمن هذا القانون نصا واضحا يحقق الفصل التام بين تحقيق مهام الدفاع الخارجي، وبين مهام الأمن الداخلي التي تتولاها الشرطة، بما في ذلك دوريات الحدود وحرس الموانئ.

4- تحويل وزارة الدفاع إلى وزارة مدنية، وإنهاء سلطات وصلاحيات جنرالات الجيش في الشركات والمشروعات الاقتصادية التي كانت تخضع للمؤسسة العسكرية من قبل.

5- إقالة 200 من كبار الجنرالات العاملين والمتقاعدين من العمل في أجهزة المخابرات، التي أصبحت تتبع رئاسة الدولة مباشرة.

6- تخفيض ميزانية الإنفاق العسكري إلى النصف تقريبا، مع تخفيض عدد القوات العاملة إلى الثلث تقريبا.

7- محاكمة العسكريين المتورطين في انتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة الانقلاب (1976- 1983) من الرتب العليا (عقيد فما فوق) مع إصدار عفو عن الرتب الأقل المتورطة في تنفيذ الإنتهاكات.

علاقات مدنية - عسكرية صحية

لكن هذه السياسة التي اتبعها ألفونسين لم تمر بسهولة، إذ إنها ولدت الكثير من الإحتقان داخل القوات المسلحة مما تسبب في حدوث حالات للتمرد العسكري، لكن تم إخمادها.

وقد استمرت الملامح العامة لهذه السياسة خلال فترة رئاسة كارلوس منعم، الذي حاول تجنب الاحتكاكات. لكن منعم سعى إلى سياسة أكثر ليونة مع الجيش، مع عدم الإخلال بالقواعد الرئيسية التي وضعها ألفونسين، بقصد احتواء القوات المسلحة، وترسيخ علاقات مدنية - عسكرية تقوم على الثقة المتبادل.

وفي إطار سياسته الأكثر مرونة، أصدر كارلوس منعم عفوا عاما عن الجنرالات والضباط من الرتب الأقل، الذين كانوا قد أدينوا في محاكمات انتهاكات حقوق الإنسان. لكن يبدو أن بعض جنرالات الجيش فهموا الرسالة بطريقة خاطئة، فقاموا بتنظيم تمرد عسكري بقصد اختبار قوة الرئيس. لكن منعم أصدر أوامره لقيادة القوات المسلحة بالتصدي للتمرد وتصفيته. وقد التزمت قيادة الجيش تنفيذ الأوامر وتمت تصفية التمرد.

وخلال فترة حكمه، قاوم كارلوس منعم بضراوة، ضغوطا من الولايات المتحدة لتوسيع دور القوات المسلحة في مكافحة تهريب المخدرات، لكنه التزم بما كان قد استقر في فترة حكم ألفونسين، بأن يقتصر دور القوات المسلحة على مجرد تقديم الإمدادات اللوجيستية، وأن تتولى قوات الشرطة وحرس الحدود والسواحل مسؤولية الحرب على مهربي المخدرات.

واستمرارا لسياسات ألفونسين، قرر منعم إلغاء التجنيد الإجباري (1901-1995)، وتخفيض عدد الجيش مع الاستمرار في رفع كفاءة ونوعية التسليح، وتخفيض ميزانية الإنفاق العسكري، بما يسمح بتحرير موارد مالية أكبر لتمويل التنمية. وتم في عهد منعم خصخصة الشركات الرئيسية التي كانت ما تزال مملوكة للقوات المسلحة، وكذلك الأراضي والعقارات غير العسكرية التي كان يسيطر عليها الجيش.

وخلال فترة حكم كارلوس منعم، إتجهت السياسة الخارجية للأرجنتين إلى عقد سلسلة من اتفاقيات التعاون وتسوية النزاعات الحدودية مع جارتيها الرئيسيتين، تشيلي والبرازيل، وهو ما سمح للقوات المسلحة بأن تلعب ادورا ثانوية مهمة عالميا، في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وفي أعمال الإغاثة خصوصا خلال انتشار وباء الكوليرا في بعض المناطق في عام 1992/1993.

وقد أسمهت هذه السياسات في تحقيق المزيد من الوضوح والاستقرار لدور القوات المسلحة في الأرجنتين، على أسس تبعية الجيش للقيادة المدنية، بدون تدخل في التفاصيل، وتحويل وزارة الدفاع إلى وزارة مدنية، وإنهاء النفوذ الإقتصادي للجيش، وتصفية ملكيته للمؤسسات الإقتصادية، بما في ذلك شركات الإنتاج العسكري، والفصل التام بين مهام الدفاع الخارجي ومهام الأمن الداخلي. وهو ما يعني تغييرات واسعة المدى في علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة والمجتمع. وهي في نهاية الأمر تغييرات تعبر عن الطابع العام للعصر الذي نعيش فيه.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق