تابعنا على الانترنت
استفتاء

الدولة التنموية

30/01/2019 03:22


د. إبراهيم نواره

انا مشغول جدا حاليا بمشروع دراسة كلفت نفسي به، لاعتقادي في أهمية موضوعه، ألا وهو دور "الدولة التنموية" . الفضل في الاهتمام بهذا الموضوع يعود إلى أستاذي الراحل الأستاذ السيد يسين، فهو اول من تناول هذا الموضوع حديثا وكتابة باللغة العربية.

موضوع "الدولة التنموية" من وجهة نظري هو موضوع شديد الأهمية في الظروف التي نعيشها بعد فشل كل من النموذج السوفييتي (رأسمالية الدولة البيروقراطية) ، والنموذج الأمريكي (رأسمالية السوق المتوحشة). الأول سقط بسقوط الاتحاد السوفييتي، والثاني سقط مع الأزمة المالية والاقتصادية في الولايات المتحدة والدول الصناعية في أزمة 2007/2009، عندما فشلت السوق، وتدخلت الدولة مستخدمة أموال دافعي الضرائب لإنقاذ البنوك ومؤسسات التمويل والشركات الصناعية، التي كانت على وشك الإفلاس. وأعتقد جازما أن الدول الصناعية لم تدرك حتى الآن مغزى تلك الأزمة، ولا حدود حرية السوق. ولذلك فإن الأزمة باتت من جديد تدق الأبواب، وهي اذا وقعت هذه المرة، فإن الدولة لن تجد لنفسها هامش المناورة الذي كان متاحا لها في العقد الأول من القرن الحالي، وذلك بسبب تفاقم العجز المالي، وضعف معدلات النمو، وانخفاض أسعار الفائدة، وتدني معدلات الضرائب.

وسط هذه الصورة القاتمة، يقدم مفهوم "الدولة التنموية" ، والتطبيقات والتجارب العملية، ثروة معرفية غنية في بلدان نامية تتحول بسرعة إلى مصاف الدول الصناعية، مثل الصين وفيتنام وتشيلي وجنوب أفريقيا، إلى جانب دول صناعية مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل لعبت فيها الدولة في مراحل التنمية المختلفة دورا محوريا (ليس كبيرا بالضرورة) . هذه البلدان (على سبيل المثال) إستطاعت ان تكسر حلقة التخلف، وأن تنطلق بسرعة إلى آفاق أرحب على طريق التصنيع التكنولوجي، أو هي تمكنت من تقليل أثر الصدمات الخارجية والأزمات التي تتسبب غالبا في ضياع نسبة كبيرة من التراكم الرأسمالي السابق، والبطء الشديد في تعويضه.

الأهم من كل ذلك هو أننا في مصر، ومنذ عام 2014، نتحرك اقتصاديا على طريق يستهدف تحقيق التنمية والرخاء (هكذا تعلن السياسات العامة) وتحقيق الاستقرار، في مبادلة تاريخية (شهدناها قبل ذلك) مع الحريات العامة. وعندما أقول إننا (شهدناها قبل ذلك) لا اقصد فترة الستينات من القرن الماضي فقط، وإنما اقصد تقريبا كل الفترة الممتدة منذ أوائل النصف الثاني

من القرن العشرين حتى الآن. وقد حضرت او شاركت في حوارات كثيرة، شارك فيها اكاديميون لهم وزنهم، بعد رحيل جمال عبد الناصر ومجيء السادات، ثم بعد رحيل السادات ومجئ محمد حسني، سيطر عليها منطق مبادلة الحريات بالتنمية، فلا تحققت التنمية ولا سلمت الحريات.

ومع ذلك فإنني من واقع دراستي لتجربة لي كوان يو في سنغافورة، والحزب الشيوعي في الصين، والحزب الشيوعي الفيتنامي، وتجارب الدولة الرأسمالية في التنمية وإعادة البناء في بلدان أوروبا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت أميل إلى عدم الربط الميكانيكي بين طبيعة النظام السياسي، وبين التنمية الإقتصادية بالمعنى الإنساني الشامل.

ومن هنا أظن أن دراسة مفهوم ونماذج الدولة التنموية تكتسب أهمية قصوى لنا في مصر. وحتي أكون اكثر تحديدا، فإنني من خلال الدراسة أسعى إلى تحديد طبيعة ونطاق "الدور التنموي للدولة" بصرف النظر عن النظام السياسي القائم. البعض قد يختلف مع ذلك تماما، هذه وجهة نظر، لأن التاريخ يثبت ان بلدانا مثل سنغافورة وفيتنام إستطاعت تحقيق قفزات اقتصادية سريعة على الرغم من اختلاف النظام السياسي.

وقد انتهيت تقريبا من وضع الإطار النظري للدراسة، وإن كنت أجد بين الحين والحين، إسهامات جديدة، تخرج بها علينا مراكز البحوث الاقتصادية العالمية. ومن ثم فإن الجانب المفهومي النظري والفلسفي للدراسة سيظل مفتوحا حتى الإنتهاء منها تماما. وفي الجانب التطبيقي، فقد انتهيت إلى تحديد البلدان الرئيسية التي سأقوم بدراسة تجاربها التنموية وهي فيتنام تشيلي وسلطنة عمان ومصر. ومع ذلك فإنني أسعى أيضا إلى عدم تجاهل الإشارة إلى عدد من النماذج الأخرى خصوصا في أفريقيا (جنوب أفريقيا واثيوبيا ورواندا)، وفي شرق أوروبا، وفي جنوب وجنوب شرق آسيا، وذلك لغرض المقارنة.

هذا مشروع كبير، أرجو أن أصل من خلاله إلى حقائق أوضح، بشأن شروط تحقيق التنمية في مصر في القرن الواحد والعشرين، وكيف ننجح في تجاوز إخفاقاتنا التاريخية. كنا مع اليابان في بداية تجربة التنمية الحديثة في القرن التاسع عشر، فتقدمت اليابان وتراجعنا. وكنا مع الهند والصين وكوريا الجنوبية بعد منتصف القرن العشرين، ثم كنا مع فيتنام منذ ثمانينات القرن الماضي، ويبدو لي أن رواندا ستلحق بنا قريبا. مشروعي البحثي هو مشروع كبير على طريق المعرفة.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق