تابعنا على الانترنت
استفتاء

عتبات النص: العتبات غير المقدسة

03/01/2019 08:28


د. إبراهيم عوض

أرجو فى البداية من القراء أن يُوسِعوا لى فى صدورهم شيئا حتى أفعل كما يفعل ‏بعض النقاد إذ يمسك الواحد منهم مسطرة يقيس بها العمل الذى أمامه بالمليمتر بناء ‏على ما يقال فى دنيا النقد والنقاد دون نظر فى هذا الذى يقال لمعرفة مدى صوابه ‏من خطئه وخَطَله. وسأبدأ بما يقوله بعض النقاد، استنادا إلى ما جاءنا من النقد ‏الغربى فى العقود الأخيرة، عما يسمى بـ"عتبات النص" (‏paratexte‏). والمقصود ‏بها كل ما لا يمت إلى نص الكتاب مباشرة كالعنوان وتصميم الغلاف والخط الذى كتب ‏به الكتاب ونوع الورق ولونه ولون الحبر والعبارة التى يحرص بعض المؤلفين على تحلية ‏جِيدِ كتبهم بها ويطالعها القراء قبل الدخول إلى النص، بل والعلامة التجارية لدار النشر ‏أيضا.‏

وكنت ولا أزال أعترض على انشغال النقاد بهذه الأشياء، فهذا الانشغال ليس ‏من النقد الأدبى فى شىء، لأن تلك الأشياء ببساطة ليست من الأدب من بعيد أو ‏قريب. إنها تدخل فى فن إخراج الكتاب مثلا، ولا صلة لها بالإبداع الأدبى، ومن ثم ‏لا ينبغى الاهتمام بها ولا يصح أن يقوَّم الكتاب فى ضوئها ولا أن يُمْدَح المؤلف أو يُنْتَقَد ‏بشأنها. إنها ليست من اختصاصه الإبداعى فى قليل أو كثير. بل إن الحيادية ‏لتوجب على القراء والنقاد أن يكونوا حريصين على ألا يتأثر رأيهم فى الكتاب بشىء ‏خارج الكتاب.‏

أما أولئك النقاد فيذكّروننى بأولئك الطلاب ذوى العقلية الـ"بى دى إفـّ"يّة التى لا ‏تحسن سوى حفظ المكتوب أمامها حفظا عميانيا دون تصرف أو محاولة للفهم. وما ‏دام هناك ما يسمى بـ"عتبات النص" فلا بد لهم من وقفة أمام تلك العتبات، بالضبط ‏كما يحرص الشيعى على الوقوف بالعتبات المقدسة بمدينة الكوفة. وهم يفعلون هذا ‏بمشاعر باردة لا لشىء إلا لأن "الكِتَاب يقول ذلك"، وهم حريصون على التصرف كما ‏يقول الكتاب بالضبط.‏

ترى كيف يحاسَب المؤلف على ما صنعته يد مصمم الكتاب ومخرجه؟ ‏ولنفترض أن المؤلف كان ضعيف الإمكانات المادية فلم يستطع أن يجد لكتابه دارا ‏فخمة رفيعة المستوى فى التصميم والإخراج، فكيف نحمِّله من الناحية الفنية الأدبية ‏نتيجة ضعف إمكاناته المالية؟ وما دخله فى اختيار الطابع لنوع الخط ومقياس ‏الحروف وما إلى ذلك؟ كما أن هناك كتابا ضعافا لغويا وفنيا، لكنهم بارعون براعة ‏عظيمة فى إيراد المقتبسات الجذابة من الكتب المشهورة للتغطية بها على ضحالة ‏كتبهم. الحق أن النقد الأدبى يقتضى منا أن نبرئ الكاتب من تحمل مثل تلك التبعات. ‏إنه أديب لا طابع ولا مصمم ولا ناشر. وحتى لو افترضنا أنه كان، إلى جانب كونه ‏أديبا، صاحب مطبعة ودار نشر، فلا يصح أبدا أن ننتقد العمل الأدبى، بوصفه عملا ‏أدبيا، لشىء من تلك الأمور، بل ننتقد جراءها القائمين على النشر وتصميم الكتاب ‏ليس إلا. ‏

فمثلا فى الرواية التى بين أيدينا نجد أن لون الغلاف الرمادى الشاحب لا ‏يعجبنى كثيرا ولا نوع الخط الذى كتب به عنوان الرواية ذاتها ولا لونه الأحمر المطفأ ولا ‏مقياس الحروف ولا حجم الكتاب نفسه المقارب فى صغره لحجم كتاب الجيب، فضلا ‏عن بعض الأخطاء الطباعية، ومع هذا كله فقد فعلت كل ما فى طاقتى كيلا يؤثر ‏شىء من ذلك فى موقفى نحو الرواية، إذ أعرف أن المؤلف لا ذنب له فى هذه الأمور ‏فى كثير أو قليل. لقد كتب روايته، وينتظر منا أن نقول رأينا فيها. أما تلك الأمور ‏الأخرى فهو غير مسؤول عنها، لأنه ليس هو الذى فعلها بل أشخاص آخرون. ومن ‏هنا كان من السخف بل من الظلم أن نَعْصِبها برأسه. ولهذا حرصت كل الحرص ‏على ألا يتسرب تأثير شىء من هذا إلى نقدى للرواية. وقد قرأتها واستمتعت بها ‏وبما فيها من إبداع أدبى رغم كل تلك الملاحظات، فكأننى لم أتنبه لتلك الملاحظات ‏البتة. ‏

ليس ذلك فقط، بل هناك عنوان الرواية: "ربما يأتى القمر"، وهو ما لا يتبين لى ‏وجه الحكمة فى اختياره. والعنوان أقوى آصرةً بالرواية من أى عتبة من عتباتها عند ‏أهل العتبات "غير المقدسة". ومع هذا فلقد استمتعت بالرواية أشد الاستمتاع رغم ‏ذلك. وإنى لأعرف أن كثيرا من عناوين الكتب تفتقر إلى ما يربطها بتلك الكتب، ومع ‏هذا فإننا نقبل على تلك الكتب قارئين مستفيدين متلذذين. فعلى سبيل المثال ما ‏العلاقة التى تصل بين عبارة "طوق الحمامة" التى اتخذها ابن حزم الأندلسى اسما ‏لكتابه الشهير عن الحب وبين موضوع ذلك الكتاب؟ ومع هذا فإن ذلك الاختيار لم ‏يقف فى وجه أحد ممن يحبون قراءة ابن حزم ولا فكَّر أحد فى العيب على الرجل ‏بسببه. ومثله كتاب "مروج الذهب" للمسعودى، وهو كتاب فى التاريخ لا وشيجة ‏ظاهرة بين عنوانه ومحتواه، بل لا وجود فى الواقع لمروج من الذهب على الإطلاق، إذ ‏هو مجرد مجاز. ونحن هنا من ثم أمام مجازين.‏

وقد حاولت أن أصل إلى مغزى استعمال كاتبنا لعنوان كتابه

المذكور. وبعد ‏لأْىٍ قلت فى نفسى: ربما كان المقصود أن حياته صارت ظلاما دامسا، لكنه يأمل ‏يوما أن تنقشع الظلمات الحالكة ويسفر القمر عن وجهه. ومع هذا فلا مناص أن ‏أصرح بأنى لست مطمئنا لهذا التفسير، ولكنى توصلت إليه بشىء غير قليل من ‏التعسف لرغبتى الحارقة فى اكتشاف سره ليس إلا. ورغم كل شىء فلم أقف إزاء ‏ذلك العنوان، بل تركت نفسى أستمتع بالرواية التى لم تخيب ظنى وكانت ككل ما كتب ‏المؤلف من روايات قرأتها له من قبل إمتاعا ولذاذة.‏

أما هو فقد فسر صلة العنوان بالرواية على النحو الذى رأينا حين قال: "أجفل ‏بطلنا حين راوده خاطر أنه يبرر تصرفات زوجته المتأوربة، وبالتالى يلقى اللوم على ‏نفسه وثقافته القروية، وطرد على الفور حلم يقظة راوده أن تأتى دينا (القمر) إليه ‏لتعيش معه فى قريته كما تعيش القرويات". لكن هل يمكن أن تمثل دينا القمر بعد أن ‏صارت حياته معها جحيما لا يطاق واستحال التفاهم بينهما وتشاتما وضربها ‏واستدعت له الشرطة وحرمته ابنه الذى حملت به منه، وأغلقت كل الأبواب وأعلنت ‏بكل قوة وحسم أنها لن تحيا حياة المسلمين فتقلع عن الخمر أو تصلى أو ترتدى ملابس ‏محتشمة، بل ستعيش كما تعيش نساء برلين، وليفعل ما يشاء، فلن تطيعه ولن تغير ‏أسلوب عيشها؟ ورغم هذا كله فقد استمتعت بالرواية أعظم الاستمتاع.‏

ويزداد الطين بِلَّةً حين نسمع من يقول ممن يحسبون خطأ وزورا على النقاد إن ‏العمل الأدبى يكون مخبوءا فى العنوان، فالعنوان يلخص الكتاب كله، كما أن الكلمة ‏الأولى فى العنوان تلخص العنوان كله وتختصره، والحرف الأول من تلك الكلمة يستكن ‏فيه الكتاب كله. وهذا كلام بهلوانات لا نقاد، وإلا فما من حرف من حروف الألفباء ‏إلا ويبتدئ به ما لا يحصى من العناوين، فهل كل تلك الكتب التى تجلّ عن الإحصاء ‏وتبتدئ بالراء مثلا تستكنّ فيها نفس المضامين رغم اختلاف النوع الأدبى والعصر ‏والمؤلف والجمهور والموضوع والمضمون. إلخ؟ فمثلا أول حرف فى عنوان الكتاب ‏الذى بحوزتنا الآن هو الراء، وأول حرف فى اسم كل من "الرعد" و"الروم" و"الرحمن" ‏هو الراء، وأول حرف فى رواية إدوار الخراط: "راما والتنين" هو الراء أيضا، وأول ‏حرف فى رواية يوسف السباعى الشهيرة: "رُدَّ قلبى" هو الراء كذلك، وأول حرف ‏من اسم كتاب جبران خليل جبران: "رمل وزبد" هو الراء، وأول حرف من اسم ‏مسلسل محمود مرسى: "رحلة أبو العلا البشرى" هو الراء، وأول حرف من اسم ‏مسلسل محمد صبحى: "رحلة المليون" هو الراء، وأول حرف من عنوان "رحلة الربيع ‏والخريف" لطه حسين وتوفيق الحكيم هو الراء، وأول حرف من اسم أغنية "الربيع" ‏التى يغنيها فريد الأطرش هو الراء، وأول حرف من أغنية "رِمْش عِينُه" لمحرم فؤاد هو ‏الراء، وأول حرف من أغنية ليلى مراد: "رايْداكْ والنبى رايداك" هو الراء، وأول ‏حرف من اسم أغنية "روَّق القنانى" لكل من محمد عبد المطلب وسعاد محمد ‏والثلاثى المرح هو حرف الراء، وأول حرف من اسم أغنية "رُدُّوا السلام" لعفاف ‏راضى هو الراء. وهناك الفلم المشهور: "رجب على صفيح ساخن"، ويبدأ بالراء ‏كما نرى. فما العمل؟ وما أكثر الأمثال المشهورة التى تبدأ بكلمة "رُبَّ"، وأول ‏حروفها الراء، كقولهم: "رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك"، وكقول أمير الشعراء: "ورُبَّ ‏مستمعٍ، والقلبُ فى صممِ". ومن الأمثال الشهيرة التى تبتدئ بحرف الراء: "رميةٌ من ‏غير رامٍ". بل إن عبد الحليم حافظ يغنى قصيدة جميلة عنوانها "ربما"، ولا شىء غير ‏‏"ربما". أى أنها تشارك الرواية التى معنا لا فى حرف واحد هو أول حروف العنوان ‏بل فى كلمة كاملة منه هى أولى الكلمات فيه. ومعنى هذا أن الاتفاق بين القصيدة ‏والرواية لا بد أن يكون اتفاقا حميميا. ولكننا نعرف أن هذا كله كلام فارغ لا حقيقة ‏له، ومجرد تفكير بهلوانى ليست له قيمة فى دنيا العقلاء الصادقين.‏

والغريب أن أهل العتبات "غير المقدسة" لا يهتمون رغم هذا باللغة مع أن اللغة ‏هى أساس كل شىء فى العمل الأدبى: فلا تفكير ولا شعور ولا بنية ولا عبارة ولا ‏صورة بدون اللغة. إنها هى القالب الذى يُصَبّ فيه هذا كله. ولكنك تنظر فيما ‏يُكْتَب هذه الأيام من نقد فلا تجد اهتماما بتقييم اللغة وكأنها لا تمت للعمل الأدبى بأية ‏صلة. وفى كثير جدا من الأحيان أشعر أن الناقد نفسه لا يعرف لغته، ومن ثم فهو ‏يغلق هذا الباب حتى لا ينفضح. وهناك من النقاد من يظن أن الاهتمام باللغة أمر قد ‏عفا عليه الزمن. وقرأت مرة لأحد الشبان أن "نحو النص" قد أزاح "نحو الجملة" ‏وحل محله فلم يعد لـ"نحو الجملة" مكان فى العملية النقدية الحديثة. وهو كلام ‏مضحك، فإن "نحو النص" إنما يهتم بتماسك النص ككل ولا علاقة له بصواب استعمال ‏لغوى أو خطئه. إنه يكمّل "نحو الجملة" ولا يأخذ مكانه، وهو يبدأ من حيث ينتهى ‏هذا النحو.‏



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق