المفكر المصرى حازم حسنى..يكتب: ما الذى ضيع السودان؟

26/12/2018 09:46


د. حازم حسنى

مرفق بهذه الرسالة تسجيل لمستهل الخطاب الذى ألقاه الرئيس السودانى عمر البشير اليوم 25 ديسمبر 2018، ولا يعنينى منه إن كان الرجل مؤمناً حقاً أم أنه يتظاهر بما ليس فيه، فهذه أمور تخص السرائر، ولا أجدنى أملك القدرة على معرفة ما تخفيه الصدور، ولا أنا أملك أصلاً حق الحكم لها أو عليها حتى إذا ثبت لى صلاح الرجل أو طلاحه !

ما يعنينى من هذا التسجيل هو فقط الإشارة لأن هذا النوع من الخطاب المتشح بالتحيزات الدينية هو ما مزق السودان وشطره إلى سودان شمالى مسلم وسودان جنوبى غير مسلم، أو هو فى الحقيقة سودان جنوبى متعدد الأعراق والديانات ولا تقبل ببنيته التعددية مثل هذا الخطاب الذى لا يميز بين المجالين الدينى والسياسى تبعاً للحكمة القائلة بأن لكل مقام مقال، ولكل مقال مقام !

يعنينى أيضاً التأكيد على أن مثل هذا الخطاب الدينى لا ينفى أن صاحبه قد فشل فى أن يلبى احتياجات السودانيين الاقتصادية والسياسية، وهو لا يغفر له هذا الفشل؛ فالرجل - بصفته السياسية لا الدينية - هو من أوصل السودان إلى حالة الأزمة أو المأساة التى يعيشها مما اعترف به البشير نفسه حين تحدث عن فئة مندسة تستغل "الأزمة المعيشية" للسودانيين ! ... والحقيقة هى أن كل هذه الإحالات الدينية التى بدأ بها الرجل خطابه، ولم يخلُ منها متن الخطاب، إنما تخاطب جمهوراً اختاره البشير بعناية من بين ضحايا الهوس الدينى الذين توقفت آلة التفكير لديهم عند الصلاة على النبى وكأن "أسباب الأزمة المعيشية" - فضلاً عن "الأزمة السياسية" - ستجد لها حلاً غيبياً بترديده وترديد جمهوره من ورئه لهذه الهتافات الدينية !

يعنينى ثالثاً - من منطلق محض مصرى - أن أطرح على "بعض" الإعلام الموالى لجماعة الإخوان تساؤلاً عما إذا كان نظام البشير لا يقف على أرض دينية إسلامية حتى يضمه هذا الإعلام

لمجموعة الأنظمة الفاشلة التى ترفع رايات الوطنية والقومية التى لا أدافع قطعاً عن فشلها فى إدارة شؤون بلادها ... هل من الإنصاف أن يدعى هذا الإعلام - ضمنياً - من خلال رسائله الإعلامية أن نظام البشير قد فشل لأنه لا يقف على أرضية إسلامية؟!

الإجابة عن مثل هذه التساؤلات بأن البشير، وإن كان يتبنى خطاباً دينياً، إلا أنه لا يقف على أرضية إسلامية صحيحة، هى إجابة لا تختلف عن حديث السيسى عن صحيح الدين، ولا عن حديثٍ عمره أربعة عشر قرناً عن الفئة الناجية التى تملك وحدها مفاتيح الجنتين الأرضية والسماوية ! ... فمن الذى له حق تحديد صحيح الدين وتمييزه عن فاسده إلا أن يكون مقرباً من الذات الإلهية يستمد منها الحقيقة المطلقة التى يدعى الجميع امتلاكها؟!

انتهاز فرصة الأزمة السودانية للتشهير الصريح أحياناً، والمبطن أحياناً أخرى، بكل التيارات السياسية والفكرية المنافسة للفكر الإخوانى، وعدم الاعتراف بفشل النموذج "الإسلاموى" الذى يتبناه نظام الحكم بالسودان، هو فى هذا السياق إذن مجرد بروباجندا سياسية تعمل على تفريغ العقل المصرى من قدراته الذهنية، بالتغطية على مساحات مهمة من الحقيقة ومن الواقع، وعلى حرمان هذا العقل من حق النقد الموضوعى، وفرز القدرات، والاختيار الحر بين ما هو متاح من أفكار ومن بدائل !

الموضوعية تقتضى الاعتراف بأن من يرفع راية الدين دون أن ينجح فى إدارة شؤون البلاد، - كما هى حال نموذج البشير وما فعله بالسودان - لا يختلف فى شئ عن زملائه الذين يرفعون رايات الوطنية والليبرالية واليسارية دون أن ينجحوا فى إدارة شؤون بلدانهم؛ فكلهم لا تعفيهم الرايات التى يرفعونها - أياً كانت أشكال وألوان هذه الرايات - من الخضوع للمساءلة، ولا هى تسقط عنهم انتماءاتهم الفكرية مسؤولية الفشل فى تحقيق الوعود على أرض الواقع اكتفاءً بابتزاز المشاعر الدينية أو الوطنية أو الوجدانية لمواطنيهم !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق