تعليم للتحرير لا للتطويع*

17/12/2018 10:09


د. سعيد إسماعيل على

..قبل المسير؟

لابد من التنويه بأن الصياغة اللفظية لعنواننا أعلاه هى فى الأصل مقتبسة من عنوان مقال كان المفكر البرازيلى الشهير( باولو فريرى ) قد كتبه فى أحد أعداد مجلة مستقبل التربية التى كانت تصدر عن اليونسكو، وإن اختلف السياقان أحدهما عن الآخر.

كذلك فليس المراد هنا ب" التحرير"، ما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة ، مما هو مرتبط بالتحرر من الاستعمار، وإنما المراد هو كل ما من شأنه أن يكبل حركة الإنسان على طريق النهوض الحضارى، وما يرتبط به بالضرورة ب " المعرفة " التى تقوم على التعلم والتعليم، مادتنا الأساسية، فضلا عن تقدير الاختلاف وتقبله، وتأكيد حرية الإرادة، ورشد ممارساتها، وحرية ممارسة النقد.

كذلك فإن التحرير المقصود هنا يغاير كثيرا معناه فى المجالات السياسية والعسكرية، فهو تحرير من الجهل، والتلكؤ، ونقص المعرفة، والتأكيد على القضية المركزية فى بناء الأمم والشعوب، ألا وهى: العمران البشرى، بتعبير ابن خلدون، الذى يضم تحت جناحيه جملة الخطوات التى من شأنها أن تبث دماء صحة وعافية فى العقول والقلوب، بالمعرفة والمهارات والقيم البانية ، والآفاق المتجددة دوما نحو مستقبل أفضل يخص جميع المواطنين ، بغير استبعاد ولا استثناء.

المنطلقات:

علّمتنا دروس الفلسفة التى كنا قد بدأنا تلقيها على يد أفذاذ التفلسف فى مصر، منذ منتصف خمسينيات القرن الماضى، وقبل أن نتعرض لما حدث بعد ذلك من تجريف " ثقافى " أن يحدد المتحدث، أو الكاتب " الركائز " ، أو " الأسس" ، أو ما جرى مجرى هذا وذاك، من حيث تعيين " الهوية الفكرية " للكاتب، حتى يتبين للقارئ أو المستمع الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بمعنى أن يكون القارئ له ، أو المستمع إليه على بينة مما سوف ينبنى عليه هذا وذاك من تطلعات وأفكار. 

النظر " الشبكى " :

وإذا كنا سنقوم بمناقشة قضايا محددة، فلا ينبغى أن يغيب عن أذهاننا ، ما لابد من افتراضه من عروة وثقى بين الجوانب التربوية المختلفة، بحيث يمكن – لفهمها - من استدعاء ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجسم الكلى لجملة المؤمنين ، إلى درجة أن عضوا منه إذا اشتكى ، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، تعبيرا عن " النظر المنظومى" ، والذى ، بدونه، يعتل المنطق البحثى للقضية التى تتصدى المحاضرة لتناولها..

وإذا كانت القضية قضية عامة تتصل بالمجتمع الإنسانى على وجه العموم، أيا كان مكانه، لكننا أحيانا ما سوف نجد أنفسنا أمام ضرورة " ضرب أمثلة " ، هى بطبيعتها، مما ينطق به الحال المحلى، حتى لا ينطلق الحديث فى عموميات وخيالات ، قد تنحبس فى دائرة الأمانى المرجوة فقط، بغض النظر عن الاحتمالات المتاحة.

ومن ثم فإن ضرب الأمثلة هنا نقصد به وقائع الحال فى المجتمع الذى يعيشه الكاتب، مع الحرص أن تكون مما لا ينفرد به هذا المجتمع دون سائر المجتمعات ، وإنما بالقدر الذى تكون هنا بعض " القواسم المشتركة"، وهذا منطق بشرى عام، يؤكد واحدية السنن الإلهية، والطبيعة البشرية، وإن لونتها الظروف والأحوال وشكلتها بما قد يوحى بالاختلاف الشديد، والتباين الحاد. 

الإنسان المحرر:

ونقطة الارتكاز الأساسية هنا ليست من نتاج فكرنا الخاص، وإنما هى من نتاج التجربة البشرية فى الحياة عموما، لكننا نتكئ عليها لننطلق إلى ما نود بيانه..

أما نقطة الارتكاز هذه فهى أن " موضوع " التربية الأساسى إذ هو ( الإنسان ) ، يصبح من المهم الكشف عن صورة هذا الإنسان الذى نسعى إلى تربيته تربية تقوم على التحرير لا التطويع..

وأول ما نُهرع إلى تبنيه هنا هو ما دل عليه قول المولى عز وجل فى سورة البقرة :(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)) / البقرة ...فهنا نفهم حقيقتين:

أولاهما أن الخالق عز وجل قد اختار ، من بين جميع مخلوقاته، الإنسان " خليفة" له فى " إدارة " ما يوجد على الأرض من مخلوقات ، حية وغير حية.

ثانيهما: أنه عز وجل لابد أن أوجد لدى هذا الخليفة من المقومات والركائز ما يؤهله للقيام بهذه المهمة الجليلة.

ولا شك فى أن هذا يفسر ما استحقه الإنسان من " تكريم " الخالق له ، فى قوله تعالى فى سورة الإسراء:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)) .

وأبرز نتيجة يمكن أن نخرج بها من هذا ، مما يشكل ركيزة التحرير الوعى بحقيقة الإيمان بالمقولة الكبرى، ألا وهو ( لا إله إلا الله )..فتلك والله ذروة التحرير..فإذ تؤمن بهذه الحقيقة، يصبح السيد الوحيد على الإنسان هو الله ، ولا خنوع ولا خضوع إلا له وحده، ومن عاداه ، فوفقا لاتفاق بيننا وبينه، ينبنى على قاعدتى: المساواة والعدل .

كذلك، هناك فروق كثيرة نعرفها جميعا ، تميز الإنسان عن غيره يستوقفنا منها بصفة خاصة هذا الجانب المهم:

- نحن نربى غير الإنسان " للتطويع" ..نُملى عليه إرادتنا ، المعبرة عن مصلحتنا نحن، بغض النظر عما هو فى صالح غير الإنسان، إلا بالقدر الذى لا ينتقص أو يشوه مرغوبنا فيه..

- بينما نربى الإنسان "للتحرير"، بُغية الاستقلال النسبى عنا نحن الكبار ليتولى هو أمر نفسه ، بكل ما يعنيه الاستقلال الإنسانى من تشغيل للقوى العقلية ، وتجييش للهارات العملية، وإثارة للمشاعر والعواطف القلبية بما يخدم البناء الإنسانى للفرد ، فى إطار الجماعة.

من هنا يكفى لتربية غير الإنسان، أن نوفر له الغذاء والحماية..

لكن تربية الإنسان لا يكفيه هذا الأمر الأمران ، على أهميتهما..

إنه ليس مجرد " جسم" ، بل هو أيضا صاحب عقل، ومالك قلب، وكل من العقل والقلب له متطلباته التى لابد أن يكون لصاحبهما فول فصل فى ترتيب أمرهما، والمسار الذى يتجه إليه كل منهما..

من هنا كان من المهم أن تكون تربية الإنسان " للتحرير"..تحريره من التخلف، والمرض، والخنوع ، والفقر، والظلم..

ولعل التدقيق اللغوى العربى فى كلمة( ربّى ) ، يظهر أنها نسبة إلى فعل " ربب" ، أى نما وعلا، ومنها نقول ( ربّ العمل) ، ولا تلحق بها الألف واللام إلا للخالق عز وجل فنقول ( الرب) ، ويكفى تشريفا لفعل " التربية" أن كان الخالق عز وجل هو أول من قام به، كما جاء فى سورة البقرة فى قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) ).

المعرفة ، بابا للتحرر:

ومما نَخبُره فى حياتنا اليومية، أننا نعجز عن التعامل مع أى جهاز أو أى شئ إلا بناء على ما يتوافر لدينا من " معرفة " به وعنه، وبالتالى فإن قيام الإنسان بمهمة النيابة عن الخالق فى التعامل مع مفردات الكون المتاح، هى " معرفته " ، معرفة بالمعنى الواسع ، التى لا تقف عند حد " العِلْم" به ، بل " السلوك العملى" ، مما يوسع من دائرة المعرفة، بحيث لا تتوقف عند حد " الجمع" ، و "الخزْن"، وهو ما يتتبع ما يصعب حصره من مهمات تلقى على عاتق من يربى ويُعلم.

وهكذا كان الأمر الربانى الأول للإنسان: (إقرأ) ..الباب الأساسى للمعرفة..الطريق الأول للقيام بواجب الخلافة عن الخالق..

ويلفت نظرنا هنا أمران قد لا يلتفت إليهما بعض الناس:

أولهما : أن المخاطَب، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى لم يكن يعرف القراءة والكتابة بالمعنى المعروف..

وهنا برز مفهوم على درجة عالية من الإحاطة والشمول نالا وهو أن القراءة المطلوبة هى قراءتان:

1- قراءة لكتاب الله المكتوب، على الورق، بكلماته وحروفه وجمله ..

2- قراءة لكتاب الله المشهود، وهو هذا الكون الذى نعيشه ونتعامل معه، مما يستحيل القيام به إلا بدراسته وفهمه واستيعابه، فى مختلف جوانبه، بحيث تتسع المعرفة لتضم تحت جناحيها كل ما خلقه الله عز وجل، وهو مما يصعب حصره، ويتوالى اتساع دائرته مع مر السنين والأيام..

ولعل ما يؤكد كل هذا ، هو الفهم الصحيح لكل دعوة ربانية تحملها آية من آيات القرآن تطلب من الإنسان أن ينظر إلى هذا وذاك من مفردات الكون، حيث يستحيل أن يكون المقصود هو مجرد النظر العابر، والرؤية العاجلة، وإنما هو النظر الذى يدعو إلى التفكير، والرؤية التى تنفذ إلى خلايا المجودات المختلفة، ومن ثم ، تصبح الدعوة مفتوحة لاتساع دائرة القراءة والمعرفة، وتتحقق المقولة القاضية بأن المعرفة هى طريق التحرر..وأسطع برهان على ذلك، ما أدت إليه أنساق معرفية جديدة من مزيد من السيطرة على عوامل المرض ، مثلا، والشئ نفسه فى العديد من الجوانب..

ثانيهما : أن القراءة إذ تكون باسم ( الرب) ، حيث قال تعالى فى سورة العلق: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1))، فهذا مفروض أن يكون الدافع إليه تأكيد حكمة الخلق ووظيفية المخلوقات، وكذلك توجيه نتائج القراءة فى الاتجاه الذى فرضه الخالق عز وجل من حيث التعمير، والخلافة، لا للتدمير والاستحواز والتفرقة وتشريع أشكال ظلم وتمييز 

التفكير ( العقل ) الناقد:

فلعالم النفس الأمريكى الشهير( وليام جيمس)، وهو أحد أبرز مؤسسى الفلسفة البرجماتية، مع زميليه: " بيرس" Pierce، و" ديوى" Dewy، ذكر فى كتابه عن ( أصول) أو ( مبادئ علم النفس )، أن " العقل" ليس اسما لمسمى يوجد فى مكان محدد، وإنما هو " صفة " تصف سلوكا معينا يربط بين الأسباب والنتائج، مما يؤدى إلى الفهم والوعى، وبالتالى حل ما قد نصادفه من إشكاليات، ومؤدى هذا هو المرادفة بين التفكير – وفق شكل ونهج معينين- وبين العقل..

والتفكير المقصود هنا هو القائم على عمليات: التحليل، والمقارنة، والاستنتاج، والربط، والتعليل، وما سار على الدرب نفسه.

ومن هنا أقام الفيلسوف الفرنسى الشهير" ديكارت " البرهنة على وجود الإنسان، على نتائج عملية التفكير، عندما قال: أنا أفكر...إذن أنا موجود..

ولما كان التفكير، الذى هو وظيفة العقل، على هذه الدرجة من الأهمية، أكد ديكارت حقيقة أخرى، ألا وهى أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، دون أن يقصد هنا " التسوية فى المقدار" ، بل التسوية فى الوجود، حيث يتباين الناس بالقدر الذى يستخدمون فيه عقلهم، أو تفكيرهم ..

ومن قبل ديكارت، نجد هذا الطلب المستمر - عبر آيات قرآنية مختلفة – للإنسان أن يستخدم عقله، ويفكر، ولا يتوقف عن ممارسة واجب التفكير، لا أى تفكير، بل التفكير الناقد، الذى نفهمه من استخدام فعل " التفكر" ..الذى يتضمن الفهم والاستنتاج والتفسير، وهو ما نفهمه من قوله تعالى:

- (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184))/ الأعراف

- (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) )/ البقرة

- (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) ) / العنكبوت

- (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) )/ البقرة

- (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) )/ الحج

- (فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)) / الصافات

- (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) )/ البقرة

- (...فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) ) / النساء

- (..وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)) / طه

- (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)) / المدثر

من أجل هذا ندد المفكر البرازيلى " باولو فرير" بمن يقفون من عملية المعرفة، والتى أداتها القراءة، موقف " التخزين" ، وشبهها بعملية الإيداع للمال فى أحد البنوك، وإن فاته جانب مهم، وهو أن الإيداع البنكى، يؤدى إلى زيادة فى المال المودع، بينما لا يحدث مثل هذا فى المعرفة التى لا يتعدى حالها حد التخزين، بل كثيرا ما تخرج منقوصة، إذا اعتمدنا على الذاكرة الإنسانية، حيث برزت تقنيات حديثة تساعد الإنسان على حسن التذكر، وهو الأمر الذى لم يشهده مفكرنا البرازيلى.

ولما كان الشئ بالشئ يُذكر، فإن من أوهام ما حدث من " ادعاء" تطوير لكليات التربية فى فترة سابقة، حذف ساعة أسبوعية كان يقوم بها قسم أصول التربية باسم ( مناقشة) ، وهى ساعة للتفكير الحر الناقد التلقائى لطلاب المرحلة الجامعية الأولى، بالنسبة لقضايا التعليم المختلفة..؟!! 

التفعيل الفكرى لسُنة الاختلاف:

فمن أعظم حِكَم الله فى خلقه، والتى لولاها لارتبك أمر الناس ، فى مختلف أنحاء العالم ، هذا الذى يُعرف فى عالم التحقيقات الجنائية، والأمن على وجه العموم، من " بصمة إصبع "، التى تجعل كل إنسان فى الدنيا له بصمة إبهام مختلفة عن غيره، فيسهل التعرف على من أجرم وانحرف وزوّر!!

ومن المستحيل عقلا أن يعمد المولى عز وجل إلى أن يؤكد اختلاف بصمة إصبع مادى ، أساسا للتمييز المادى، دون أن يبدع مقابلا لها فى الجوانب العقلية والفكرية والعاطفية، ذلك التباين والاختلاف الذى أتاح للبشرية أن يكون لديها آلاف العلماء، والأدباء، والشعراء، والفلاسفة، والفنانين، والصناع، والمزارعين، والقادة والزعماء، مما يستحيل حصرهم..

من أجل هذا قام قطاع واسع من الدراسات التربوية والنفسية يدور حول ( القدرات العقلية ) ، له آلاف من الدارسين والعلماء والباحثين، وآلاف من الدراسات التى تكشف عن هذا التباين والاختلاف فى القدرات مما أثرى الحياة البشرية ثراء أتاح للإنسان أن يقوم بواجبات ومسئوليات " التعمير" لهذا الكون، وأن يكون التطور على أمام علامة لا تخطئها عين للمسيرة الحضارية له.

ومن هنا يكون واجب التحرير، هو الخروج من نطاق الرأى الواحد المهيمن، بتفعيل سنة الاختلاف، لا بتدمير ومحو وإزالة للآخر، وتعويقه وتشويهه ، وبث الفُرقة بين الناس، وتشتت الخطى، وتبدد الجهود وتناحر الناس، بل بالامتثال لتلك الحكمة التى تجلت فى قوله تعالى :

- (...وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) / الحجرات

- (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ...(141) )/الأنعام

فخلق الله لنا شعوبا وقبائل مقرون ب( لتعارفوا )، أى لتعاونوا، ولتكاتفوا..

ومن هنا نفهم مغزى تعدد الصيغ القرآنية المنبهة إلى ضرورة " التخيير" ، لا " الإجبار" ، مثل قوله تعالى لرسوله الكريم:

- (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99))/ سورة يونس.

- (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256)) / سورة البقرة.

- (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) )/ سورة الغاشية

ولنا أن نتصور شكل الحياة وجدواها لو كان الشجر فيها نوعا واحدا، ولو كان الزرع فيها زرعا واحدا، ولو كان الليل دائما، أو النهار مستمرا، أو الصيف هو السائد أو الشتاء...وغير هذا وذك..

لهذا حمل لنا التاريخ، عبر كل العصور، فشلا للنظم التى اتسمت بالشمولية، فسعت إلى حمل الناس جميعا على الموقف الواحد، والصف الواحد، والتنظيم الواحد، والرأى الواحد، بحجة منع التنازع واحتمالات التعارك..

ومن قبل لاحظ بعض علماء المسلمين، على مناقشات وآراء واحد من أنبه تلاميذ الإمام أبى حنيفة، وأخلصهم، فأخبروه بملاحظتهم التى دُهشوا لها، حيث قالوا له : إنك تٌكثر الخلاف لأبى حنيفة، فكان رده المفعم بالذكاء والفطنة، ما معناه : أن أبا حنيفة قد أتاه الله ما أتاه، فرأى ما رأى، وأتانا ما أتانا فرأينا ما رأينا..

ولم يكن هذا التلميذ الذكى قد درس شيئا فى علم القدرات العقلية ، ولا الذكاءات المتعددة، ولكنه درس وقائع بشرية ، فأطلعته على حقيقة يجب الامتثال لها، وسنة إلاهية يجب التحسب لها، والامتثال.

كذلك فإن مؤسس علم الاجتماع العبقرى" ابن خلدون " عقد فصلا مُهما بيّن فيه أن لولا الاختلاف والتباين بين الناس، لما احتاج بعضهم بعضا، وبالتالى ما قام المجتمع الإنسانى، وكان مثاله يدور حول إعداد رغيف الخبز الذى هو عماد الحياة الإنسانية، وكيف نقوم به من أول حالته بذرا فى الأرض، إلى أن يجئ إلى يد الإنسان ليأكله، جماعات مختلفة، يشد بعضها أزر بعض، لا بتكرار ما يفعل كل منهم، وإنما بما بينهم من تباين فى القدرات والمهارات.

إن الاهتمام بسنة الاختلاف، وترشيد التعامل معها، ونبذ الخطوات والإجراءات ذات الطابع" الشمولى" من شأنه أن يفتح الأبواب واسعة لفرص الابتكار والإبداع، فضلا عن الاختراع، فيكون تقدم، ويكون مزيد من خطوات إلى أمام على طريق التطور الحضارى.

تدعيم الهوية الوطنية: طريق لتحرير التعليم :

الهوية ، وفقا لمفهومها ، هى أن يكون الشئ هو هو، لا شيئا آخر، وترجمتها فى التعليم، أن يعزز التعليم هويتك المصرية العربية، إذا كنت فى مصر، فإذا سار على غير ذلك، فهو يسير على طريق " التطويع" ، وفقا للهوية المفروضة..

ولعل أبرز المقررات التى تتصل ببناء الهوية: التاريخ، الجغرافيا، اللغة العربية، الدين..

ولم تكن الهوية المصرية قد تبلورت بعد، فى مطلع القرن التاسع عشر، الذى يمثل بداية التحديث فى مصر..

وبدأنا الطريق إلى نماذج لهويات عدة:

1-النموذج الفرنسى، زمن محمد على، لكن الرجل – وهو الأمى، الألبانى- كان على درجة من الوعى بحيث حرص على توفير ما يعزز قسمات أساسية فى المواطن الذى يتعلم فى معاهد التعليم، وأبرزها الجانبين: الدينى ، واللغوى، رغم أن معظم عناصر التعليم

كانت مستوردة وفقا للتعليم الفرنسى.

2- النموذج متعدد الهويات : وهو الذى ساد ، طوال حكم عباس الأول، وسعيد، وإسماعيل، وعباس الثانى، وفؤاد، وفاروق، حيث اقتحمت سوق التعليم المصرى معاهد أمريكية، وإنجليزية، وفرنسية ، ويونانية، وإيطالية، فضلا عن الأزهرية، والقبطية، والمصرية العامة..

لكن النزعة الوطنية التى كانت متأججة، دفعت أولى الأمر ، مسئولى التعليم أن يصدروا تشريعا يُلزم المدارس الأجنبية بمقررات معينة، هى الجغرافية، والتاريخ واللغة العربية، لكن لم تكن هناك رقابة جادة لمتابعة الالتزام بذلك، حيث لم يتم وفقا للمأمول.

3- النموذج الأمريكى البراجماتى، من خلال ما عرف بالدارس النموذجية، فى الأربعينيات والخمسينيات .

4- النموذج السوفيتى، وإن ظل محدودا للغاية ومحصورا فيما عرف بمدرسة مدينة نصر البوليتكنيكية، طوال الستينيات، وبعضا من السبعينيات .

لكن الطابع الذى غلب طوال الخمسينيات والستينيات هو الطابع المصرى العربى بحكم " وطنية " النظام السياسى الذى قام على أساس الاستقلال، وفقا لبعدى المصرية والعروبة .

5- نموذج ( الموزايك ) الثقافى، لا بمعنى فتح النوافذ لكل الثقافات ، للاستفادة منها، وإنما هو " موزايك" يقوم على العشوائية ، والنفوذ، وسلطة المال والإدارة:

وهكذا أصبحنا أمام تعليم إنجليزى، وألمانى، وفرنسى ، وأمريكى، وروسى، وإيطالى، ويابانى ..إلخ ، فضلا عن استمرار التعليم المصرى التقليدى، بحالته المهلهلة التى وصل إليها ، بحيث أصبح بيتا بدون نوافذ، يمكن أن تدخله كل التيارات، الصحيح منها والملوث..

وكل فئة تسعى إلى صياغة المواطن المصرى وفقا للنموذج الوطنى الخاص بها هى: أمريكى، فرنسى، إنجليزى...إلخ.

ومن اللافت للنظر ، مقولة قالها فيلسوف التربية الأمريكية جون ديوى، أشرت إليها فى مرات سابقة عدة ، ولا أمل من تكرارها، طالما استمر الوضع العشوائى على حاله..

قال الرجل أن نجاح نموذج تربوى فى مجتمع، ليس مؤشرا لنجاحه فى مجتمع آخر، حيث أن النموذج التربوى، بالضرورة، ينبع من خلايا المجتمع القائم به، ويستند إلى قيمه وعاداته وتقاليده، ويستهدف مصالحه وآماله، إلى درجة القول بأن نجاح نموذج تعليمى فى مجتمع، يمكن أن يكون مؤشرا على فشله ، إذا طبق فى مجتمع آخر؟!!

طبعا، مع الوعى بأن هناك بعض القسمات الكلية العامة التى يمكن اعتبارها متعدية القيم والأساليب والنظم..

فقيمة مثل قيمة ( النظام) قيمة منشودة فى كل المجتمعات، لكن هذه الجوانب العامة أشبه بإطار كلى، هيكل عظمى، بحاجة إلى أن يكسوها لحم، تتدخل فى اختياره وتحديده " هوية " المجتمع المنشود..

وهكذا نشعر بالخطر الكبير، ونحن نرى سوق التعليم المصرى قد أصبح بلا أبواب مرور، وفق شروط الهوية والتعليم المساند لها ، البانى لهيكلها..

وآخر الخطوات المؤسفة حقا، الكارثية فعلا، ذلك التطبيل والتزمير، لاقتباس ما سمى بالمدارس اليابانية..

التعليم ليس مجرد "مبان ,""و" تقنية " صماء..وهو ليس مجرد " وعاء" أجوف، تملأه بما يحلو لك..إنه بالأساس مجموعة قيم وتقاليد وأهداف وأعراف، تحتاج إلى " هيكلة " ، وإعادة تكييف..

إن الصيغ الأجنبية القائمة هى طريق إلى تعليم " للتطويع"، وليس للتحرير؟!

وإذ كانت اللغة هى أبرز مقومات الهوية الوطنية، فلنا أن نأمل قيام كل كلية تربية بإنشاء ما يمكن تسميته ب" مكتب التدقيق اللغوى" ، بحيث لا تتم مناقشة أي رسالة للماجستير والدكتوراه، قبل مراجعتها لغويا، والإفادة بذلك، بدلا من ترك المسألة إلى زبائن الخارج ، حيث لم تعد الممارسات فى هذا المجال سوية.

بل إننا لندعو كذلك إلى أن يكون من مهام هذا المكتب المقترح تدقيق ما ينشر بداخل الكلية من إعلانات ومنشورات، حيث لا ينبغى الاستهانة بما تتركه كثرة الأخطاء فى هذا المجال من آثار على وعى الطلاب ، المفروض أن يربوا أبناءنا على الهوية الوطنية، وعلى سبيل المثال، عندما يعلن مكان بالكلية رسمى عن وجود ( فايلات) ، ولا يقول ( ملفات ) ، ويكتب مطعم خاص بالبنط العربض أن الأكل لديه ( Lazeez)، فلا هو استخدم المقابل الإنجليزى، فيفيد الطلاب لغة أجنبية، ولا هو احترم التعبير بحروف عربية، مما يرسخ فى وجدان الطلاب المعلمين مشاعر الهيبة لما هو أجنبى، واستخفافا بما هو عربى.. 

" طليعة " تربوية لتحرير التعليم :

لا يصلح الناس فوضى لا سُراة لهم ولا سُراة لقوم إذا جُهّالهم سادوا

ربما نلمس فى المجال السياسى، ومثله العسكرى، إمكان قيام زعيم أو قائد بتكتيل الجهود القادرة على تحقيق أهداف مأمولة للصالح العام..

لكن، فى المجال الاجتماعى، تبرز الحاجة أكثر إلى مجموعة منتقاة، تسكنها هموم الجماعة المهنية، ويؤرقها مستقبل يبدو مجهولا، وتقلقها مسافة تخلف عن ركب السائرين على طريق التقدم الحضارى، وبصفة خاصة ، المعرفى..

ثم لا يقف الأمر عند حدود الجماعة المهنية، بل يتجاوزه إلى جملة المجتمع، خاصة إذا تأكد أن تراجع حال هذه الجماعة المهنية ، له آثاره السلبية على الجميع، بحكم اختصاصها ببناء إنسان الوطن، وما يتطلبه هذا البناء الإنسانى من مشاق، وسداد رأى ، ونفاذ بصيرة.

والطليعة المنشودة هنا ليس المقصود بها من يحتلون مواقع القيادة الإدارية والفنية بالضرورة، وإن جاز انخراط بعضهم، لا لضعف ثقة فيهم، وإنما لوعينا بأن الشاغل لمواقع الإدارة، وخاصة العالى منها، ليس حر الحركة، وهو محكوم باعتبارات ومواءمات وملابسات، نتفهمها، دون أن تعفيهم من مسئولية المشاركة، ولو فى حدها الأدنى، بعدم التعويق!!

وهذه الطليعة المنشودة لا تقتصر بالضرورة على المنخرطين فى سلك التعليم، معلمين ، وأساتذة تربية، ذلك أن التعليم ربما تصدق عليه المقولة التى قيلت بأن قرار الحرب أخطر من أن ينفرد به العسكريون وحدهم، ومن ثم يمكن القول بأن التعليم أخطر من أن ينفرد به التربويون وحدهم، ذلك لأن الشأن التعليمى لا يمكن أن يفلت من الاهتمام به مواطن..

ويمكن أن نخص بالذكر هنا ، بعض المفكرين والمثقفين ، ولعلنا لا نستطيع أن ننسى أن الكثير من القضايا التعليمية، كان القرار فى التفكير فيها، فضلا عن التنفيذ ، واتخاذ الإجراءات العملية ، تم على يد نخبة من رجال مصر العظماء، خارج الدائرة التربوية، مثل رفاعة الطهطاوى، وعلى مبارك، والشيخ محمد عبده، وأحمد لطفى السيد، والدكتور طه حسين، والدكتور عبد الرزاق السنهورى، والدكتور محمد حلمى مراد، وغيرهم عدد غير قليل..

لكن أخطر ما يمكن أن يتعرض له أمر تكوين ، أو اختيار هذه الطليعة، اهتزاز المعايير، وتذبذب المواقف، فضلا عن عدد غير قليل من الأمراض الاجتماعية والثقافية التى قد تتسرب عدواها، مثل: الانتهازية، والنفاق، وفيروسات التطبيل، والتزمير، ومهارة استخدام ألوان المكياج.

كذلك يمكن أن يحدث اختلاف حول الشرائح المكونة لهذه الطيعة، فيتم استبعاد أو تقريب ، أو ضم، بناء على نزعات قبلية ضيقة، أو انحيازات فئوية موبؤة، أو دس وتحريض من هنا أو هناك، مما يبرز أهمية تجديد الدماء، واستمرار المراجعات، وغرس مبدأ المحاسبة، وإعلاء شأن المساءلة..

إن ميزة العمل الاجتماعى التطوعى، أنه مبرأ أكثر من غيره من التطلع إلى السلطة والمنفعة والاستحواز، والأنانية الشخصية، حيث هو مما يندرج تحت التوصيف الشعبى ( لوجه الله ) .. 

حرية الإرادة:

وكثير منا يذكر الآية القرآنية فى سورة الأحزاب التى يقول فيها عز وجل:

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) )..حيث رأى بعض المفسرين، ونحن نؤيد هذا التفسير، أن الذى دفع الإنسان إلى أن يتحمل مسئوليات عجزت كل قوى الطبيعة التى خلقها الله عز وجل عن حملها، هو انفراده ب( حرية الإرادة) ، حيث هو الكائن الوحيد الذى يمكن أن يختار ، ويطور مما يريد، ويعدل هنا وهناك، ويُرجئ، إذا شاء، ويختار وقتما شاء، وهو لا يستطيع أن يمارس هذه الإرادة الحرة، ويُرَشد أمرها إلا وفقا لعقل قد أثرته المعرفة، ومهارات قد صقلتها التجربة والتدريب..

ومن هنا وجب أن يكون تعليمه على طريق التحرير..

- التحرر من الجهل..

- والتحرر من الخوف..

- والتحرر من العَوَز..

وكيفية أن يكون التعليم طريقا لهذه الأشكال من التحرر أمر يحتاج إلى الكثير من الصفحات، لكننا يمكن أن نتوقف سريعا أمام مناط الأمر كله وهو " حرية الإرادة"، بما تتضمنه هذه الحرية من أشكال تربية ، ومسارات تعليم، وأساليب تدريب وممارسة..

ومن هنا كان من المهم تفعيل مبدأ ( المحاسبة) ، وهو الأمر الذى اعتبره المولى عز وجل أحد أركان العقيدة بوجه عام، من خلال الإيمان بالبعث، لتتم محاسبة كل إنسان على ما اقترفت يداه، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا..وهو الذى أشار إليه سبحانه وتعالى من خلال العديد من الآيات ، مثل:

- (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ...(284))/ البقرة

- (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) ) /الإسراء

- (وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) ) /مريم

- (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) ) / الإسراء

وهو الأمر السائد كذلك فى كل مؤسسات التعليم، من خلال ما اصطلحنا على تسميته " بالتقويم" ، بشرط التخلص من كثير من أوجه العوار التى أصبحت ملازمة له مع الأسف الشديد، مع أن لدينا مركزا علميا ضخما اسمه ( المركز القومى للتقويم والامتحانات) ، وما من كلية للتربية إلا ولديها العديد من أعضاء هيئة التدريس الخبراء فى الامتحانات والتقويم..

بل إن لدينا العديد من نتائج عدد من المؤتمرات ، والرسائل ، والبحوث والدراسات، التى قلما تغادر ما كتبت عليه من أوراق، لتتحول إلى قوة تحريك، بدلا مما هى عليه الآن من حيث ما تبدو عليه من الوقوف عند حد أن تكون " قوة تنفيس"؟!

ومما لا ينبغى التغافل عنه، ما يكون عليه حال التنظيمات الجامعية، بأشكالها المختلفة، من حيث : الاتحادات الطلابية- الأسر الطلابية- اختيار مختلف مستويات القيادات الجامعية، من أول رئاسة القسم، مرورا بالعمادة، فنواب رئيس الجامعة، فرئيس الجامعة..وكذلك نوادى أعضاء هيئة التدريس...كلها بحاجة إلى مراجعة أمينة لجملة المعايير، التى يجب أن تنبع من داخل المجتمع الجامعى، مع ضرورة أن تحاول التوفيق بين ما يتطلبه الحال العام، وما يفرضه منطق حرية الإرادة.. 

فأين كليات التربية من عملية التحرير؟ 

وإذا كان المعلمون، ومعلمو المعلمين، مفروض أن يكونوا طليعة فعل التحرير، فإلى أى حد، وعلى أى وجه هى بالفعل كذلك؟

الحق أن هذه القضية تحتاج إلى دراسة مطولة خاصة بها، مما يضطرنا إلى شئ من الاختزال، والتلميح..

فمن سوء حظى، معاصرة الكثير من جهود ما سُمى بالتطوير، وأنا على علم يقينى بعدد غير قليل من الدوافع الشخصية ، والمنافسات المهنية غير السوية، كمنت من وراء عدد من التغييرات، فكان ما سمى بالتطوير، مجرد خدوش على سطح رمال، صدق عليها ما غناه عبد الوهاب للشاعر أحمد شوقى فى ( جبل التوباد): فلم تحفظ الريح..ولا الرمل وعى؟!

كى يكون اسما على مسمى حقيقى:

وهنا يصبح أول ما يواجهنا هنا هو ضرورة أن يكون الاسم على مسماه مطابقا..

وقد يدهش هذا المطلب الكثرة الغالبة من الناس..وهذا بعض تفسير..

كانت كلية التربية القديمة( بحى المنيرة بالقاهرة) ، إذ مدة الدراسة بها عام دراسى واحد، يدرس طلابها من خريجى كليات الجامعة المختلفة، علوما تربوية ونفسية فقط، وجميع أعضاء هيئة التدريس بها متخصصون فى هذه العلوم، فقد جاء الاسم مطابقا لمسماه..

فلما تم التوحيد مع كلية المعلمين بمصر الجديدة، برز جدل حول الاسم الجامع: معلمين، أو تربية؟

وفعل عامل شخصى فعله فى الحسم ، حيث رجح الكفة للتربية، إذ كان عميد التربية السابق،( د. صلاح قطب) قد أصبح رئيسا لجامعة عين شمس، فتم اختيار اسم التربية..

وساند هذا إفتاء أستاذ كبير( الدكتور أبو الفتوح رضوان) ، رغم غيابه اثناء فترة الضم، بأن الكلية الجامعية تتسمى باسم العلم الذى تقوم عليه ، لا باسم المهنة، وضرب مثلا بكلية الطب التى تتسمى باسم المجال العلمى لها لا: كلية الأطباء..وهكذا بالنسبة للهندسة، وللزراعة ، والعلوم ، وهكذا.

لكن هذا القياس كان غير سليم، فبينما كل ما يتم تدريسه فى كل من الطب والهندسة، على سبيل المثال: علوم طبية وهندسية، نجد أن العلوم التربوية لا يزيد وزنها فى كلية التربية عن الربع، والباقى علوم أخرى متنوعة ، فكيف تتسمى الكلية باسم ربع ما تقوم بتعليمه؟

ومن هنا يصبح اسم " كلية المعلمين" هو الاسم المنطقى..

ولما كان تغيير هذا قد لا يكون واردا ومرغوبا فى الوقت الحالى، يصبح لزاما على كليات التربية أن توسع من دائرة مهامها لتصبح جديرة باسمها، فلا تقتصر على إعداد فئة محددة للقيام بعملية " التدريس"، لتصبح مهمتها : إعداد فئات متعددة للقيام بعملية التربية والتنشئة كيف؟

توسيع مجال التكوين التربوى:

إذا كانت المهمة الأساسية لكلية التربية هى إعداد المعلم، يصبح الأنسب أن تكون إعداد المربين..وما المعلمين إلا فئة من عدة فئات..

1- الآباء والأمهات، وهم بالملايين، يمكن استحداث مسار خاص بإعدادهم وتأهيلهم للقيام بعملية التربية والتنشئة للأبناء، حيث عملهم مرتبط ارتباطا وثيقا بعمل معلمى المدارس، سلبا وإيجابا، وبالتالى لابد من المصارحة بأن عملية ( التعليم) تستغرق الجهد الأكبر لمؤسسات التعليم، لتبقى ( التربية ) حائرة، تتم بمجرد الخبرة..والصدفة.

2- الدعاة الدينيون، حيث مهمتهم لا ينبغى أن تقف عند حد " تلقين " الناس العقائد الدينية، وممارسة الشعائر، فالتربية الدينية..معاملات كذلك، بحاجة إلى أسس علمية متخصصة لتعلمها والوعى بها، وبالتالى نصبح بحاجة إلى استحداث مسار خاص بإعدادهم ..

3- الإعلاميون، فغنى عن البيان أنهم قد أصبح لهم حاليا من قوة التأثير والنفوذ ما يفوق قوة تأثير معاهد التعليم، بل والأسرة، وإذا كانوا يتلقون إعدادا فى كليات الإعلام، فليس كل العاملين كذلك. وفضلا عن هذا فهناك حاجة ماسة لإعدادهم كقوة تربية وتثقيف وتعليم..

التدريب المهنى التربوى:

جانب نراه مهما تفتقده كليات التربية، مع أنه جوهر مهمتها، ألا وهو ما عُرف بالتربية العملية. فإذا كان الحديث فيها يطول، لكننا نكتفى بالإشارة إلى أنها بحاجة إلى مزيد من الوعى بخطورتها، بحيث تماثل ما التدريب العملى للأطباء فى المستشفيات.

إننا نرى ضرورة أن تكون مهمة جميع أساتذة العلوم التربوية والنفسية لا قسم المناهج وحده..ونكتفى هنا بالتلميح، لا التفصيل..

لقد كان المعيد لا يتم التحاقه بالكلية إلا إذا أمضى عامين مدرسا بمدارس وزارة التربية، وانمحى هذا مع الأسف..وهو الأمر الذى ينبغى أن يعود..

إن الوضع الحالى يؤدى إلى أن يتدرج المعيد، حتى يصبح أستاذ تربية، ويمضى فى ممارسة مهمة إعداد المعلمين، وهو لم يمارس التدريس بالمدارس، ولم يعش مناخ التعليم المصرى فى المدارس، بكل ما له وما عليه، وفرق كبير بين دروس التربية العملية، التى نعلم أجواءها، وبين أن يكون الإنسان معلما بالفعل فى مدرسة، لمدة عامين على الأقل.

تجسير الفجوة بين الأقسام التربوية:

فإذا كان النمو المعرفى قد أدى إلى ما نصفه " بالانشطار المعرفى" ، حيث تتوالد أنساق جديدة ، كل حين، لكن بعض ذوى البصر البعيد، تحسبوا لما يمكن أن يؤدى إليه هذا من " تفكيك " وخلق فجوات، فأخذوا ينبهون إلى ضرورة الوعى بما بين الأنساق المعرفية من ترابط، ومن هنا برزت فكرة ( وحدة المعرفة).

وربما تكون المعرفة التربوية والنفسية أولى بهذا النظر الحكيم..

فإذا كان التطور هنا قد أدى إلى إيجاد عدة أقسام تربوية، لكن الحقيقة أنها جميعا يتصل بعضها ببعض، من حيث المنطلق، والمصب..خاصة أن الظروف قد أتاحت لنا المعرفة الدقيقة لأصل نشأة الأقسام التربوية التى كانت تستظل بالجوانب الشخصية المكسوة بالمظهر العلمى؟!!

ومن هنا يمكن إيجاد جسور أعمال علمية مشتركة، وفقا لما تقتضيه الضرورة، ويتطلبه الوضع، من خلال: المشاركة فى الإشراف، والمناقشات، وإجراء البحوث..

خارج الأسوار:

ولعل من آفاق التطوير التى تفتح الباب حقا للتحرير، ألا تعتقل كليات التربية نفسها داخل أسوارها...صحيح أن ما يتم تحت رايتها من بحوث ودراسات، يتجه إلى آفاق متعددة خارج الأسوار، لكن ما نقصده هنا : الكلية كمؤسسة، كيف؟

تصور أن عددا من معيدى تربية المنيرة ، فى الخمسينيات استطاعوا أن يقنعوا رئيس الإذاعة وقتها، حيث كانت هى المنفردة بالساحة، ولها شأن عظيم، بإعداد برنامج مدته خمس دقائق، قبل السابعة صباحا بعنوان ( إلى الآباء والأبناء) ، على اعتبار أن المقصود بالآباء هنا كلا الوالدين، يدور حول برقيات قصيرة، تتصل بما كان يحتاجه هؤلاء من ثقافة تربوية ونفسية موجزة؟

وهنا نحلم بتخصيص بعض المساحات الزمنية فى بعض القنوات التلفزيونية العامة ، والإذاعة- باتفاق - للتواصل مع الجماهير حول مشكلات أبنائهم ، وقضايا التعليم..

كذلك كان الراحل العظيم الدكتور عبد العزيز القوصى يصدر- بالتعاون مع مؤسسة نشر أمريكية، كان اسمها " فرانكلين" - كتيبات مبسطة، رخيصة الثمن، موجهة إلى الآباء والأمهات حول مشكلات الأبناء النفسية والتربوية، فلم لا نحاول مثل هذا سعيا على طريق التثقيف التربوى والنفسى العام؟

كذلك ، نحلم بأن تنظم بعض الكليات، ما يمكن تسميته بالصالون الثقافى، يكون شهريا، أو غير ذلك ، بحسب ظروف الكلية القائمة، تدعو إلى الحديث فيها أمام الحاضرين، أعلام ثقافة وفن وأدب وعلوم، وعالم الأعمال، وتكون فيه الدعوة عامة، ويكون ذلك تطبيقا حقيقيا للمهمة الشهيرة لكل جامعة، ولكل كلية، ألا وهى ( خدمة المجتمع )..

تلك هى قطرات من بحر واسع وعميق، حاولت أن أسبح قرب شاطئه، وفقا لما قدّرنى عليه المولى من قدرة على العوم محدودة..

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) )/ يوسف

ــــــــــــ

  • محاضرة عامة فى المؤتمر الثالث لكلية التربية بجامعة عين شمس، 17/12/2018


لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق