من حديث السيرة.. من معالم تجربتي في الدراسات العليا

17/12/2018 07:50


د. سعد مصلوح

كان الدعاء الدائم من الوالد -رضي الله عنه- لي أن يجعل مني مرجعا لطلاب العلم. وكنت حين أقول مداعبا إياه : ألا دعاءً بوفرة مال وفضل ثراء ؟ لا أسمع منه إلا جوابا واحدا : سيغنيك الله بفضله من هذا الطريق. أما أنا فكان دعائي لربي - ولعله سبحانه قد أجاب - أن أكون لطلاب العلم عامة ، ولتلاميذي خاصة كما كان شيخي عبد الرحمن أيوب لي ، رحمه الله وجزاه عني خيرا .

فأما للطلاب عامة فبالنصيحة والمشورة والمعونة ما استطعت ، وأما لتلاميذى خاصة فبالاختيار الحصيف لموضوع الدراسة ، والمباشرة لكل صغيرة وكبيرة في البحث ؛ تخطيطا ومتابعة وصياغة وإنجازا ، وبالرعاية والتسديد والمؤانسة في طريق الطلب ، حتى تستقيم الرؤية ، ويسْتَدَّ الساعد ، ويستوي تكوين الشخصية العلمية على الجادة، وبذلكم يتمكن الجناح الأزغب النَّتيفُ من التحليق بصاحبه فردا غيرَ متواكل ولا عاجز ولامستعين.

ولعل من مقتضيات هذا النهج أن تُنْثَر الكنانة ، وتُعْجَم الأعواد ؛ فلا يسند البحث إلا للقادر على احتماله والنهوض به ، والصبر على المكاره ، وطول المعاودة ورجع البصر. وما كنت لأحمل الطالب وحده على ارتكاب وعورة الطريق ، ولكني أروض نفسي

معه عليها حتى ترسو السفينة بِنَا جميعا ، وتستوي على الجودي في سلام ، ويغدو العمل مشرفا للطالب ثم لي ، مفيدا للقارئ ، باقيا على الزمن ، وقابلا للتداول في السوق الأكاديمية بلا حرج ولا خَشَاةِ مذمة.

ومن الظاهر الجلي أنك ترى القليل الأقل من طلابي من الناطقين بالعربية ، وأن جمهرتهم من غير ذوي اللسان العربي ؛ وقد تشاجنت أفنانهم من آسيا وإفريقيا وأوربا ، من الفرنسيس والصرب والفييتنام والباكستان والبنغال وسريلانكا والهند والأفغان وأبناء إيران وجنوبي السودان وموريشيوس وغامبيا وبينين وغانا وغينيا والسنغال ونيجيريا وهَلُمَّ على هذا الجر والسحب حتى تستغرق العشرات والعشرات من أقطار المعمورة .ومن يرجع إلى قائمة الرسائل الجامعية في موقعي يجد تصديق الذي بين يديه من هذا الحديث. نعم إن العمل معهم يندر مثيله في الصعوبة ، ولكن مثيله في المتعة واستشعار نبل الرسالة نادر أيضا . ولا أرْوَحَ للنفس من رؤية هذه المصابيح وهي تنطلق بعد تحصيلها ما حصلت من العلم والخبرة وهي تزين سماوات بلادها بنور القرآن المجيد ولسانه الشريف.

أما المعايير الحاكمة على اختيار موضوعات البحوث وصياغة خططها فسأعود إليها بفضل بيان في ما يأتي من حديث إذا نفّس الله في البقاء.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق