تابعنا على الانترنت
استفتاء

مصر والحرب التجارية: فرص واعدة لإقامة شراكة صناعية مع الصين

02/12/2018 06:24


د. إبراهيم نواره

عندما انفجرت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والعالم راح البعض يشكك في احتمالات اتساع نطاقها. لكن بمرور الأسابيع انتشرت الحرب واتسع نطاقها وزادت حدتها. الآن تغير الحال وأصبح يوجد قدر كبير من اليقين بين رجال الأعمال في العالم وفي جنوب شرق آسيا على وجه الخصوص بأن الحرب التجارية باقية حتى عام 2020، وذلك طبقا لدراسة أخيرة أجرتها مؤسسة إرنست آند يونج العالمية.

يقيني شخصيا أن الحرب التجارية باقية طالما بقى دونالد طرامب في الحكم. الأرجح أنه سيستمر في منصبه رئيسا لأقوى دولة في العالم حتى نهاية مدته الرئاسية الأولى. الخطورة بعد ذلك تأتي من أنه في حال فوزه بفترة رئاسة ثانية، فإن الحرب التجارية التي يشنها على العالم ستستمر حتى العام 2024 على الأقل. ذلك إن حدث فإنه سيخلق حقائق جديدة على الأرض فيما يتعلق بالتحولات العالمية في التوازن الدولي وفي مراكز القوى الاقتصادية للدول الصناعية الجديدة في العالم على حساب الصين.

لماذا؟

قراءتي لما يحدث الآن في الصين تشير إلى أن معدل النمو يتراجع ببطء بسبب الحرب التجارية. ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع في عامي 2019 و 2020 مع زيادة احتمال فرض رسوم إضافية على كل صادرات الصين للولايات المتحدة وعلى كل واردات الولايات المتحدة من السيارات من كل أنحاء العالم.

ومع هذا التوقع لتباطؤ النمو، الذي أكده صندوق النقد الدولي في مراجعته الأخيرة للنمو الاقتصادي العالمي، تزيد احتمالات حدوث تغييرات هيكلية طويلة الأمد في الاقتصاد الصيني وفي قطاعات الإنتاج وأهمها الصناعة من أجل التلاؤم مع الوضع الجديد الذي سيتم التعامل معه ليس كوضع طارئ مؤقت ولكن كوضع طويل الأمد.

الحكومة الصينية من ناحيتها بدأت منذ ربيع العام 2018 في اتخاذ إجراءات لتنشيط الطلب الإستهلاكي الخاص للطبقة المتوسطة في الصين، عن طريق التوسع في منح الائتمان المحلي، إعتمادا على فائض السيولة المتاح لبنك الشعب الصيني (البنك المركزي).

كذلك اتجهت الحكومة الصينية إلي تبني استراتيجية شرسة وذكية في آن واحد لتوسيع أسواق التصدير أمام المنتجات الصينية في كل أنحاء العالم بما في ذلك أمريكا اللاتينية وأفريقيا وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى والإتحاد الأوروبي، مستخدمة سلة متنوعة من الحوافز والترتيبات النقدية والمالية واللوجيستية.

ومع ذلك فإن من أهم التحولات الجارية حاليا هو سعي المنتجين الصينيين إلى نقل مصانعهم من الصين إلى دول أخرى لتجنب الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة

على الصين. وتعتبر بلدان جنوب شرق آسيا هي أحد الملاذات الرئيسية الذي يلجأ إليها المنتجون الصينيون، خصوصا فيتنام التي انتقل إليها فعلا، أو بدأت الانتقال إليها عشرات المصانع الصينية خلال الأشهر الأخيرة. 

ماذا يعنينا نحن في مصر من ذلك؟

الحقيقة أننا يعنينا الكثير. فإذا كان مستقبل مصر هو في التصنيع وبناء صناعات ذات قيمة مضافة عالية، فإن ما يحدث الآن من إعادة هيكلة وإعادة توطين للصناعات الصينية ونقلها إلى الخارج يقدم لمصر فرصة على طبق من ذهب لأن تكون شريكا صناعيا قويا للصين، وليس مجرد شريك تجاري يستورد كل شيئ تقريبا ويصدر إليها المواد الخام مثل الرخام والسلع الزراعية مثل البرتقال.

رئيس الوزراء كان في زيارة للصين منذ أسابيع، ليفتتح جناح مصر في معرض الصادرات الصيني، لكني لا أظنه قد أدرك ما وراء ما يحدث الآن في الصين، ولا أدرك أهمية الفرص المتاحة لمصر لتجديد صناعتها وإضافة صناعات جديدة متقدمة إلى هيكلها الصناعي من وراء عقد شراكة صناعية مع الصين. الآن المنتجون الصينيون أنفسهم هم في حاجة إلى مثل هذه الشراكة.

اعرف ان بعض الناس ربما تتحدث عن الفرص المتاحة لتنمية إقليم قناة السويس، وربما يشير البعض إلى جهود رئيس هيئة تنمية قناة السويس في هذا السياق. اعرف مقدما الردود ذات الطابع الدفاعي السطحي الضحل التي ستثار.

اقول من فضلكم خذوا الأمور بجدية هذه المرة ولا تضيعوا فرصة تاريخية ثمينة لعقد شراكة صناعية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مثلما ضيعتم من قبل عشرات الفرص كان آخرها فرصة توطين عدد كبير من المصانع الأوروبية في مصر، وقت ان كانت المئات من الصناعات الأوروبية تهاجر إلى مواطن جديدة هروبا من الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2007. وقتها وبعدها ترددت نفس الكلمات التافهة الضحلة. وفقدت مدن صناعية في مصر مثل برج العرب والعاشر والسريس وأسيوط وغيرها فرصة هائلة للتوسع على المستويين الإقليمي والمحلي.

الآن أمام مصر فرصة تاريخية. أمام دمياط فرصة لتصبح مدينة إنتاج أثاث عالمية، وأمام المحلة الكبرى فرصة لاستعادة مكانتها في صناعة المنسوجات والملابس، وأمام بني سويف وأسيوط وسوهاج فرص لكي تصبح مدنا صناعية متطورة في مجالات إنتاج الإليكترونيات ومكونات السيارات.

إلى السادة أصحاب عقلية مقاولات الهدم والردم، إلى أصحاب عقليات السمسرة والإرتزاق من التخريب، من فضلكم تنحوا جانبا وافسحوا الطريق… هناك فرص كبيرة تلوح في الأفق لتحقيق نهضة صناعية كبيرة في مصر.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق