تابعنا على الانترنت
استفتاء

من ذكريات الكتب والمكتبات في باريس

02/12/2018 06:24


د. أسامة شفيع

لو قال قائل : في باريس تحت كل حجر كتاب، لما أبعد في القول! فأنت ترى في كل ناحية كتبا ومكتبات، بعضها كبير وبعضها صغير وبين ذينك، فيها ماتشتهيه الأذواق على اختلافها.

وأذكر أنني كنت مرة في ضاحية باريسية تدعى "أنطوني"، وألممت ببائع صحف، فإذا في دكانه قسم يبيع فيه الكتب القديمة بسعر موحد (يورو)، فقلبت فيها النظر، واخترت كتابا راقني موضوعه، فهو عن المكتبات التي تبيع الكتب القديمة في باريس وضواحيها، يذكر المكتبة، وعنوانها، ورقم هاتفها، ثم يتبع ذلك تخصصها وما تبيعه من الكتب، وربما حذرك من غلاء أسعارها، أو لفتك إلى اعتدالها، ولا يفوته كذلك أن يعين لك مواعيد الفتح والإغلاق، ويوم العطلة الأسبوعية، وقد رتب الكتاب على نسق الأحياء الباريسية، فبدأ بباريـس ١، ثم ٢، ثم ٣ إلى أن بلغ باريس ٢٠، ثم انتقل إلى الضواحي، فجعل يذكر ما بها من المكتبات على نحو ما فصلت آنفا.

وربما صادفك في الطريق الواحد مكتبات شتى، والذي يلفتك في العاملين بها أنهم ليسوا باعة فحسب، وإنما هم قَرَأَة أيضا، ولست أنسى تلك الفرنسية التي باعتني وأعانتني كذلك على شراء طائفة من أعمال روسو وكامو، فقد نبهتني

إلى أن رواية "الرجل الأول" لكامو لم تتم؛ لأنه مات في حادث سيارة في إبان تأليفها، ولما نظرت في الكتاب تبينت ذلك في المقدمة التي كتبها بعض النقاد.

وسألتها ذات مرة وقد رأيت نخبة من أعمال "بيكت" لديها بالفرنسية، دون إشارة إلى أنها مترجمة: أكان بيكت يكتب بالفرنسية؟ فقالت : نعم، وقد عاش زمانا في فرنسا! هذه المعرفة التي تكون عند باعة الكتب تهب المكان جلالا، وتدعوك إلى احترامه وتوقيره.

ولا أذكر أنني سمعت فرنسية قط منذ وطئت قدماي أرض باريس كفرنسية تلك البائعة صفاءً ونداوة، مع رخامة في الصوت، وجمال في تنغيم الكلام وتقطيعه، إلى وقار أسبغته عليها تلك الخمسون عاما التي خلت من عمرها.

ولما رأت أني أجنبي، لا أحسن لوك الفرنسية كما يفعل أهلها، رفقت بي، وجعلت تهدهد الكلام هدهدة، فكأن جملها قطع من الموسيقا تطرب سامعيها، وكأنها لا يصيبها في كلامها ما يصيب الناس من سبق اللسان ولعثمته وأشباه هذه الأدواء، وإنما الكلام أتيٌّ قريب..كالماء سلاسة وانثيالا! وكم مرةٍ استعدتها ما تنطق من الكلمات وأسماء الأعلام، فتعيدها وهي سعيدة مغتبطة بهذا "الأعجمي" الذي يحرص على أن ينطق الفرنسية كما ينطقها فصحاء أهلها!

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق