تابعنا على الانترنت
استفتاء

حكاية الدولار الجمركي وحقيقة دعم الدولة للمستوردين

02/12/2018 01:56


د. إبراهيم نواره

القرار الذي اتخذه وزير المالية أمس بقصر التعامل بالدولار الجمركي على السلع الاستراتيجية والضرورية ومستلزمات الإنتاج، وتطبيق سعر البنك المركزي على التعامل فيما غير ذلك هو قرار صحيح يصحح وضعا خاطئا استمر لمدة عام ونصف تقريبا، منذ أصدر وزير المالية السابق قرار بتخفيض سعر الدولار الجمركي عن سعر الدولار لدى البنك المركزي بنسبة 13.5% في فبراير 2017، ليصبح سعره 16 جنيها منذ ذلك الوقت.

خلال هذه الفترة استمرت قيمة الدولار الجمركي ثابتة تماما، رغم أنه نظريا كانت تتم مراجعته مرة كل شهر. وكان هذا يعني من الناحية النقدية المالية والتجارية خلق تشوهات شديدة في السوق بسبب اختلاف أسعار الدولار بين البنك المركزي ومصلحة الجمارك، ومصلحة ضريبة القيمة المضافة التي كانت تحتسب على أساس سعر الدولار الجمركي.

ومن نتائج تلك التشوهات ما يلي:

1- حصل المستوردون بغير وجه حق علي دعم للواردات بقيمة تتجاوز مليار دولار منذ تطبيق سعر الدولار الجمركي المنخفض، وذلك على افتراض أن سعر الدولار الجمركي قبل القرار الأخير كان يقل عن سعر البنك المركزي المصري بنحو 1.95 جنيه في الدولار، اي بنسبة 12.2% من سعر الدولار الجمركي. ونظرا لأن فاتورة واردات مصر في السنة المالية الأخيرة بلغت 63.1 مليار دولار، فإن قيمة دعم الواردات تصل إلى حوالي 1.15 مليار دولار خلال الفترة منذ تطبيق سعر الدولار الجمركي المنخفض.

2- حصل المستوردون بغير وجه حق علي دعم مستتر نتيجة احتساب قيمة الدولار الجمركي بأقل من سعر الدولار لدى البنك المركزي، عند احتساب ضريبة القيمة المضافة، وعند احتساب قيمة الرسوم الجمركية.

3- يعتبر مستوردو قطع غيار السيارات وصناعات تجميع السلع والمنتجات الهندسية بما في ذلك مصانع تجميع السيارات من أكثر الفئات التي استفادت من قانون الدولار الجمركي في صيغته السابقة، حيث كان هؤلاء يحصلون على الدولار ويسددون الجمارك وضريبة القيمة المضافة بالدولار الجمركي، بينما يبيعون منتجاتهم في السوق بسعر الدولار لدى البنك المركزي. ومن

مظاهر الخلل في التعديل الأخير أنهم سيستمرون في الحصول على قطع الغيار ومكونات الإنتاج الوسيطة بسعر الدولار الجمركى وليس بسعر البنك المركزي. ويعتبر وكلاء تجارة السيارات وأصحاب مصانع التجميع (18 مصنعا تقريبا) من أكبر المستفيدين بالدولار الجمركي سابقا ولاحقا وحتى الآن.

القرار بقصر التعامل بالدولار الجمركي على السلع الاستراتيجية ومستلزمات الإنتاج (السلع الوسيطة) يعني أن السوق في مصر ستشهد في الأشهر المقبلة ظاهرتين في آن واحد. الظاهرة الأولى هي ارتفاع أسعار مجموعات السلع التي تم حرمانها من مزايا التعامل بالدولار الجمركي مثل سيارات الركوب والموتوسيكلات وعربات التوكتوك، والدراجات، وإطارات السيارات، وأجهزة التليفون المحمول وملحقاتها، وأجهزة الكمبيوتر وملحقاتها، والمستحضرات الطبية (باستثناء الأدوية الأساسية)، ومستحضرات التجميل، والأحذية والأثاث، والملابس، إضافة إلى ما تطلق عليه الحكومة وصف "السلع الاستفزازية" مثل أغذية الكلاب والقطط والأسماك المستوردة ومصنعاتها، والزهور وغيرها.

الظاهرة الثانية، هي أنه من المرجح أن تشهد السوق المصرية اضطرابات في عرض السلع المستوردة غير الاستراتيجية، بسبب ما قد يقرره البنك المركزي من تقييد تمويل استيراد تلك السلع الا في حدود المقدار المتاح من الدولار داخل الجهاز المصرفي. وقد لوحظ في الآونة الأخيرة أن البنوك المصرية المملوكة للدولة خصوصا البنك الأهلي وبنك مصر قد أبرمت قروضا دولارية بضمان الدولة بغرض إتاحة السيولة الدولارية الكافية لتلبية مطالب العملاء، خصوصا الشركات التي تستورد نسبة مهمة من احتياجاتها التشغيلية من الخارج. ونظرا لأننا نقترب من نهاية السنة المصرفية، ولغرض تغطية مراكز دولارية مكشوفة، فإن الطلب على الدولار سيزيد موسميا خلال الشهر الحالي وحتى أوائل يناير، وهو ما قد يؤخر استجابة البنوك لتمويل صفقات استيراد خارج نطاق السلع الاستراتيجية والضرورية ومستلزمات الإنتاج.

من جديد، الخزانة العامة للدولة في وضع حرج، ويحاول المسؤولون عنها ابتداع طرق وأساليب إدارية لتسيير الأمور بأقل قدر من الضرر حتى يقرر مجلس مديري صندوق النقد الدولي الإفراج عن الشريحة الخامسة (2 مليار دولار) من القرض الذي بدأت مصر في تسلمه في نوفمبر عام 2016.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق