صانع الرجال ؟!

13/11/2018 08:15


د. سعيد إسماعيل على

فى أوائل الستينيات من القرن الماضى، كانت عادتى أنا وزميلى " نبيل نوفل" ، كمعيدين فى قسم أصول تربية عين شمس( المنيرة)، أن نُبكّر بالحضور والانتظار فى حجرة مشرفنا وأستاذنا ، ووكيل الكلية، ورئيس القسم الدكتور أبو الفتوح رضوان .

وكان " العامل" : عم عثمان، إذا هم، فسارع بإضاءة الأنوار وفتح الباب على مصراعيه، وبسرعة غير عادية، أيقنا أن هذه بشارة قدوم الدكتور أبو الفتوح، الذى كان فى نظرنا ، وفى واقع الحال: أسد التربية فى ذلك الوقت..

وفى مرة، إذ فعل عثمان هذا، لم نر أسدنا ، بل رأينا شخصا آخر لم أكن أعرفه "شكلا" ، فأدهشنا هذا أن يُعامله عثمان مثل أسدنا..

ولم يكتف زائرنا بهذا فقط، بل رأيته يتجه مباشرة إلى مكتب أبى الفتوح فى صدر الغرفة الواسعة المستطيلة، حيث لم يكن أحدا ليجرؤ على هذا من قبل..

وتزداد دهشتنا أن نراه، يرفع سماعة التليفون، وينادى ( عم محمد ) ، عامل التليفون، طالبا منه أن يخطر فلان وفلان وفلان بأنه موجود ( ولم يذكر اسمه لمحمد، إعلانا بأن محمد يعرف صوته جيدا؟!!)..

ذكر زائرنا أسماء شوامخ الأساتذة ( حاف) ..بدون لقب: صلاح- يقصد الدكتور صلاح قطب ، عميد الكلية- مصطفى- يقصد الدكتور مصطفى فهمى، أستاذ ورئيس قسم الصحة النفسية..وهكذا...وكان كل واحد من هؤلاء، ترتفع الأرض وتعلو لمجرد ذكر اسمه..

توافد من كان موجودا بالكلية إلى المكتب، حيث لاحظت أن خطوتهم كانت ( سريعة ) ، كلما اقتربوا منه، ثم ينحنون أمامه ، يكادون يقبلون يده..

والتقطت أذنى اسم الزائر الغريب، من خلال تحية القادمين: أستاذنا القوصى؟!!

كان هذا أول لقاء ، بغير تعرف مباشر ..حيث تبين لنا أن الرجل هو – بغير مبالغة- هو من جاء بكل هؤلاء، بعد أن علّمهم فى المعهد، وعيّنهم، وأرسلهم فى بعثات خارجية، ولما عادوا عيّنهم بالمعهد..و..و..إلخ

وتمر الأعوام..حتى جاء عام 1975، وأسافر لأول مرة خارج مصر، مدعوا، مع آخرين إلى المؤتمر الأول لاتحاد التربويين العرب ببغداد، حيث كانت فى تلك الفترة تزهو بقوة ملحوظة..

كانت تلك هى المرة الأولى التى أقف فيها أمام حشد كبير من كبار التربويين العرب لأتحدث فى موضوع بحث لى عن ( تسرب الكفاءات العلمية العربية)...ولا أستطيع أن أصور ما كنت عليه من قلق واضطراب؛ لجدة الموقف، وخشيتى المرعبة من ألا ألقى توفيقا..

كان رد فعل زملائى المقربين مؤسفا...قريب من السخرية، أن أقتحم مجالا يقع فى اقتصاديات التعليم، وأنا رجل ( بتاع فلسفة وتاريخ) فقط، كما زعموا ؟!!

صدمنى هذا الموقف للغاية، واسودت الدنيا فى وجهى..

عندما عدت إلى مقعدى بالمؤتمر، بعد فترة استراحة، وجدت ورقة صغيرة- لا أعرف كيف لم أحتفظ بها – تشيد بالبحث، وبإلقائى، وتحيينى، ويكون التوقيع: " عبد العزيز القوصى"؟!!، بغير لقب..

استعدت ثقتى بنفسى، وشعرت بأننى وكأنى قد ولدت من جديد..

سنحت فرصة للالتقاء به أثناء المؤتمر، حيث رحب

بى، وشكرته شكرا جما، وعرف منى أننى أنظم لقاء أسبوعيا بينى وبين بعض تلاميذى ، أحيانا كان فى بيتى ، وأحيانا فى ( حديقة المريلاند، بمصر الجديدة)..

ثم إذا به يقترح أن أجئ بتلاميذى إلى مقر قال أنه فى أهم بقعة لا فى القاهرة وحدها ، بل فى مصر ..ميدان التحرير، حيث رابطة التربية الحديثة، التى قال أنه يذهب إليها كل أربعاء، كى يبث فيها الحياة، وكانت الجمعيات الأهلية قد جُمدت طوال نظام يوليو 1952، على أساس أن الاتحاد الاشتراكى، ( وما قبله من اتحاد قومى، وكذلك هيئة التحرير) هى الوعاء المسموح به للعمل الأهلى، فعشّش العنكبوت بين جدران الرابطة، التى كان يفخر بأنه أنشأها هو والرائد العملاق السابق: إسماعيل القبانى..

ولم يتحقق رجاء القوصى، فقد سافر أبرز تلاميذى فى ذلك الوقت، إلى أمريكا فى بعثات دراسية: حسن البيلاوى- كمال نجيب- مصطفى عبد السميع، وغيرهم..

ولم أبدأ فى " تنشيط " الرابطة، إلا بدءا من عام 1984

ثم إذا بالقوصى يخبرنى بضمى إلى شعبة التعليم العام ، التى هو مقررها ، بالمجلس القومى للتعليم..

ويفاجئنى الأستاذ العظيم، بترتيب مقابلة معه ، للدكتور عبد القادر حاتم ، المشرف على المجلس القومية، وكان الرجل فى أعلى درجات الشهرة والمكانة فى تلك الفترة..

ويحدث ما يعقد لسانى من الخجل، عندما أسمع بأذنى القوصى يخبر الدكتور حاتم ، بأنه يهديه " فيلسوفا للتربية ؟!!"، ملحقا باسمى؟!

ويزداد خجلى بأن يطلب الدكتور حاتم منى ألا أنشر الخبر- حيث كانت المجالس فى ذروة قوتها وعلو مكانتها وشهرتها – حيث أن هناك " وزراء" يطلبون منه العضوية، وهو يرجئ..ثم يرجئ..

وعندما يصدر كتابى فى عالم المعرفة ( الفكر التربوى العربى الحديث) فى سلسلة عالم المعرفة، وأهدى الدكتور القوصى نسخة، أفاجأ به ، بعد عدة أيام، بأنه قرأه كله ، وهو الأمر الذى نادرا ما يحدث، بالنسبة للزملاء الذين كنت أهديهم نسخا من كتبى، ويزيد الرجل خجلى بتساؤله الذى حمل تقديرا فوق ما تصورت:" إنت عملت الكتاب ده إزاى ؟" ، معبرا عن تقديره لحجم المعلومات به ، ومهارة التعامل معها وتحليلها..

وصارت صداقة لم أكن أحلم بها ، ويأبى إلا أن يُخجلنى مرة أخرى لأسمعه يقول" ليتنى عرفتك من قبل .."؟!!

لم تكن معى آلات تسجيل صوتى ولا مرئى..لأبرهن على حدوث ما قلت..لكنها شهادة أمام الله، وأمام التاريخ وأمام القراء..

وليوثق ما بيننا من علاقة، دعانى أن أزوره أنا وزوجنتى – الدكتورة زينب حس- فى منزله بالدقى زيارة عائلية، وتم هذا بالفعل، وشرفت به، وسعدت..

لم يكن القوصى من المكثيرين فى تأليف الكتب، لكنه كان ممثلا فريدا لنوعية أخرى من الرواد، حيث التركيز على " صناعة الرجال" ..التلاميذ الذين يكبرون وينشطون، ويؤلفون ، وينتجون، ويديرون، باختياره لهم، وتوجيههم، وحفزهم، و" تكبيرهم " ، وإحلالهم مواقع صناعة القرار، ومواقع صناعته..

كان عالم تربية وعلم نفس، ولا كل علماء التربية وعلم النفس؟!



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق