تابعنا على الانترنت
استفتاء

هل تعاني البشرية حقا من مشكلة إسمها "الندرة"؟

19/10/2018 04:00


د. إبراهيم نواره

تعلمنا في سنوات الدراسة الإقتصادية المبكرة أن موضوع علم الإقتصاد الرئيسي هو "حل المشكلة الإقتصادية". ودرسنا تعريفا مبسطا للمشكلة الإقتصادية باعتبارها "مشكلة الندرة- scarcity" . وهي مشكلة تنشأ عن اصطدام "الحاجات غير المحدودة للإنسان - unlimited needs" مع "الموارد المحدودة- limited resources" في الطبيعة.

ومن تلك المشكلة الإقتصادية الأم نشأت نظريات العرض والطلب، ونظريات العمل والقيمة والثروة والإنتاجية وتوزيع الدخل، والإستهلاك والإدخار والإستثمار، وغيرها من العلوم والنظريات والدراسات التي تفرعت عن المشكلة الإقتصادية الأم.

السؤال الآن الذي يطرح نفسه على دارسي العلوم الإقتصادية هو: هل ما تزال طبيعة المشكلة الإقتصادية هي كما نشأت مع آدم سميث في القرن الثامن عشر؟ هل ما تزال المشكلة الإقتصادية الأم تتلخص في كلمة واحدة هي "الندرة"؟

أظن أن طبيعة المشكلة الإقتصادية لم تعد كما كانت من قبل. لقد تطورت تكنولوجيا الإنتاج إلى درجة أصبحت فيها عملية إنتاج السلع المادية تستخدم أقل القليل من المواد الخام. الأخطر والأهم هو أن عملية الانتاج تمر الآن بمرحلة تحول عميق، سيسفر في نهاية الأمر عن إعلان نهاية خطوط الإنتاج التقليدية، وشيوع استخدام الناسخات الثلاثية الأبعاد في إنتاج أعداد هائلة من أي منتج في ساعات محدودة. لا خطوط إنتاج، ولا آلات، ولا ما يلزمها من عمال ومهندسين وإداريين.

إن استخدام الناسخات الثلاثية الأبعاد 3D printers سوف يشمل في المستقبل إنتاج كل السلع المادية التي يحتاج إليها الإنسان تقريبا، من الملابس إلى المساكن إلى وسائل الانتقالات إلى الأسلحة ... إلى لعب الأطفال! إن تكنولوجيا إنشاء المساكن سابقة التجهيز كانت بمثابة ثورة في تكنولوجيا البناء والتشييد، لكن استخدام تكنولوجيا البناء باستخدام الناسخات الثلاثية الأبعاد، سيجعل كل تكنولوجيات البناء السابقة من حفريات الماضي السحيق.

الذكاء الاصطناعي AI وأجهزة الروبوت، سيحل محل الإنسان في أداء معظم الوظائف التي يقوم بها البشر. أجهزة الروبوت لا حاجة لها لأن تأكل أو تشرب او تدخن، أو تستهلك وقود التدفئة أو تسافر وتركب الحافلات أو الطائرات!

وهي أيضا تستطيع أن تعمل بلا توقف، وبدون الحاجة إلى أوقات للراحة! وهي سوف تتطور لكي تكون قادرة على التكيف مع كل الأجواء. بل إن الجيل الثالث من أجهزة الروبوت، الذي لم ينشأ بعد قد يصبح مؤهلا لإعادة إنتاج نفسه!

لكن الروبوت لن يعيد إنتاج نفسه بالطريقة التي يستخدمها الإنسان، التزاوج، ولكن ذلك سيكون على الأرجح عن طريق تمكينه من تجديد نفسه باستمرار، والتخلص من المكونات التي تبلى، وإحلال مكونات جديدة محلها. فالإنسان عندما اراد أن يخلق آلة تحاكيه في القدرة على الحركة، لم يصنع آلة تمشي على رجلين أو على أربع، وانما إخترع الإنسان العجلة. ومن ثم أصبحت العجلة وليس الرجلين، هي وسيلة الآلة للحركة. الروبوت سيصبح في المستقبل قادرا على استبدال أجزائه المصابة أو المعطوبة أو البالية، ومن ثم يستطيع أن يعيش أزمانا مديدة. الإنسان نفسه سيكون قادرا على ذلك أيضا، إلى حد بعيد.

لقد نجح العلماء في تطوير الجيل الثاني من الروبوت الذي يتميز بقدرته على التفاعل، وحل مشكلات بدون برمجة مسبقة، مقارنة بالجيل الأول الذي كان يعمل طبقا لعمليات برمجة مسبقة، وذاكرة معلومات هائلة، يتم تخزينها في رقائق إليكترونية متناهية الصغر. تطبيقات النانو تكنولوجي ستشمل كل شيئ، وسيصبح شكل الحياة غير ما اعتادت عليه البشرية. الحلول التكنولوجية لمشاكل الحياة، أو لتعظيم رفاهية الإنسان، ستقضي على القيود التي تفرضها مشكلة "الندرة".

الطاقة، معضلة الإنتاج الأساسية، محرك الالات والأجهزة، لم تعد تعتمد على مصادر ناضبة كليا مثل الخشب والفحم والبترول والغاز. لقد ادى تراكم المعرفة إلى أن تمتلك البشرية القدرة على استخلاص الطاقة من المصادر الطبيعية غير الناضبة، مثل ضوء الشمس، والرياح، وأمواج البحر، والطاقة الحرارية المخزونة في باطن الأرض.

 ومن ثم فان معادلة العرض في مجال الطاقة لم تعد تصطدم بمشكلة الندرة، ولا بمشكلة الإخلال بالتوازن البيئي. الطاقة ستكون وفيرة، ومنحنى العرض يمكن أن يتوسع بغير قيود، طالما

توفرت المعرفة الكافية، وتطبيقاتها التكنولوجية.

الأرض، لقد تغلبت دول كثيرة، مثل هولندا، على مشكلة ندرة الأرض، بأن تتقدم الى البحر في المناطق الضحلة خصوصا، وان تردمها، وتضيفها إلى مساحة اليابسة. الآن كثير من دول العالم تفعل ذلك، إما لأغراض استراتبجية مثل الصين، التي تتوسع في إقامة جزر صناعية في بحر الصين الجنوبي، وإما لأغراض السياحة والإسكان مثل الإمارات. حتى مصر، التي تتمتع بوفرة هائلة في الأراضي الصحراوية غير المأهولة والقابلة للحياة، فإنها تركتها وراحت هي الأخرى تردم البحر!

المياه العذبة، سر الحياة على الأرض، "وجعلنا من الماء كل شيئ حي"، لم تعد تهديدا للجنس البشري بسبب ندرتها. الآن يتم التغلب على ندرة المياه بتعديل مكونات دالتي العرض والطلب، يتم التوسع في تحلية مياه البحر، وإعادة تدوير المياه، لإمداد دالة العرض بمصادر أكثر وفرة.

 وفي الوقت نفسه يتم تعديل دالة الطلب، باستباط محاصيل قليلة الاستهلاك للمياه، وابتكار اساليب للزراعة موفرة للمياه مثل الري بالرش والتنقيط وغيرهما، إذ تعتبر الزراعة هي أكبر مستهلك للمياه العذبة على وجه الأرض. كذلك فإن دراسة التكوين الكيميائي للمياه، تثبت إمكان استخلاصها من الهواء.

في كل مجالات الحياة الرئيسية والثانوية تقريبا، توقفت مشكلة الندرة عن أن تكون قيدا على منحنى عرض السلع والخدمات. منحنى العرض من الآن يتوسع في نطاق غير محدود، ومن ثم يجب إعادة صياغة دالتي العرض والطلب، واعادة صياغة العلاقة بينهما. ليس ذلك فقط بل إن كل النظريات الإقتصادية والمحاسبية المتعلقة بتكاليف الإنتاج تحتاج إلى إعادة صياغة، كي تستجيب لتراجع أهمية مشكلة الندرة وتضاؤلها في النشاط الإقتصادي للإنسان.

إذن، يمكن القول بأن تقدم البشرية لم يعد يعتمد، كما كان الحال من قبل، على إمدادات إضافية من الموارد الطبيعية. كما أن الإنسان سيصبح في المستقبل قادرا على العيش في الفضاء.

مشكلة الندرة لم تعد هي جوهر المشكلة الاقتصادية. لقد تغلبت التكنولوجيا وأساليب الإنتاج الحديثة على مشكلة الندرة. في إنتاج الغذاء تتسع يوما بعد يوم تطبيقات الهندسة الوراثية على النباتات والحيوانات، ولن يتوقف تطوير علوم وتكنولوجيا الهندسة الوراثية، سواء تلك المتعلقة بالنباتات والحيوانات، أو تلك المتعلقة بالإنسان.

 سيكون لدينا في المستقبل مصادر للغذاء قادرة على قهر الظروف الطبيعية القاسية، وعلى النمو في ظروف مختلفة تماما عما نعرفه، أقلها استخدام الخلايا الجذعية في إنتاج اللحوم! بدون الحاجة دائما إلى مزارع لتربية الحيوانات.

 

مشكلة الندرة التي انشغل بها علماء الإقتصاد خلال القرنين الأخيرين من تاريخ البشرية، تضاءلت كثيرا، وتضاءلت أهميتها في صناعة الخيارات للسياسة الاقتصادية، إلا في (الإقتصادات الرديئة) التي تعجز عن ملاحقة التطورات المعرفية والتكنولوجية التي يمر بها العالم.

الآن المشكلة الإقتصادية هي أعمق، وأكثر اتساعا، وأكثر تعقيدا، عما كانت عليه من قبل. لقد اكتست المشكلة الإقتصادية الآن طابعا إنسانيا، بيئيا، اجتماعيا ومعرفيا.

وهذا هو التحدي الجديد الذي يواجهه صناع السياسات الإقتصادية. لقد عاد للمشكلة الإقتصادية وجهها الإنساني. إفترقت المشكلة الإقتصادية عن طابعها المادي البحت. لم تعد زيادة معدل النمو هدفا في حد ذاته، ولم تعد زيادة الناتج المحلي الاجمالي هدفا في حد ذاته، لأن أيا منهما هو مجرد (وسيلة)، وليس (غاية). وسيلة لتحقيق الرفاهية للبشر ولإسعادهم وجعل حياتهم أفضل. ليس ذلك فقط، بل إن تحقيق أي منهما لا يجب أن يكون على حساب البيئة والتوازن الطبيعي، لأن تكلفة الإضرار بالبيئة والإخلال بالتوازن البيئي الطبيعي باهظة الثمن في المستقبل. ولا يجب أن يكون تحقيق النمو أو زيادة الناتج على حساب التضحية بمصالح أجيال مقبلة، او مصالح واحتياجات جماعات لا ينظر إليها صناع السياسة إلا على أنها الجماعات المفضلة لتطبيق سياسات "شد الأحزمة على البطون".

المشكلة الاقتصادية أصبحت مشكلة "معرفة" وليست مشكلة "ندرة".

ومن ثم فإنه يتعين على كل المشتغلين بعلم الاقتصاد البحث في إعادة تعريف المشكلة الإقتصادية على ضوء التطورات الفعلية التي تجتاح العالم، وأهمها دور المعرفة والتكنولوجيا، وإدراك الطابع الإنساني والإجتماعي والبيئي للمسألة الإقتصادية



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق