تابعنا على الانترنت
استفتاء

الإعلامى ماجد عبدالهادى..يكتب: جمال خاشقجي وفضيحة الدولة "العصابة"

11/10/2018 07:29


ماجد عبدالهادى

لم تنته قصة جمال خاشقجي فصولاً بعد، وقد تؤدي لعبة المصالح والمساومات السياسية الإقليمية والدولية إلى إبقاء الغموض محيطاً بكثير من ملابساتها، على نحو ما أحاط تاريخياً، ولا يزال، بتفاصيل تصفية شخصيات أخرى في العالم العربي، بدءاً من القائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو الذي اختفى عام 1959، وقيل إن المخابرات السورية ذوّبت جسده بالأسيد، مروراً بالمعارض المغربي المهدي بن بركة الذي ما زالت ملابسات مقتله طيَّ الكتمان، منذ اختطافه في باريس عام 1965، وكذا الزعيم الشيعي اللبناني موسى الصدر الذي ضاعت آثاره بعد زيارته ليبيا بدعوة من رئيسها معمر القذافي عام 1978، ثم المعارض السعودي ناصر السعيد الذي اختطفته المخابرات السعودية من بيروت، بالتعاون مع مسؤولين أمنيين فلسطينيين عام 1979، وأشيع أنه أُعدم بإلقائه من الطائرة في صحراء الربع الخالي، وصولاً إلى ألوف آخرين أُزيحوا من عالمنا من دون ضجيج، بعدما انتُزِعوا من بيوتهم، واقتيدوا إلى أقبية أجهزة أمن الأنظمة العربية وزنازينها، في حلكة الليل أو في وضح النهار.

لكن وبصرف النظر عما يُراد إخفاؤه من أركان الجريمة الجديدة، وأياً ما كانت نتائج المفاوضات الجارية خفيةً، على الأرجح، بين الدول المعنية بها، لا سيما تركيا والسعودية، يظل في الجزء المكشوف منها حتى الآن معالم شديدة الوضوح، تُميزها عما سبقها من جرائم سياسية مشابهة، وتضفي عليها أبعاداً أخطر بكثير من أنها مجرد عملية استهدفت صحافياً بالخطف أو بالقتل، فالجهة المُنفذة هنا ليست موضع تكهن أو تخمين، مثلما كانت في حال الحلو وبن بركة والصدر والسعيد وسواهم؛ إنها القنصلية السعودية في إسطنبول، إليها دخل الصحافي المغدور ولم يعُد، وذاك يعني في أبسط تفسيراته، انتقال "الدولة"، إن جاز إطلاق هذا الوصف عليها، من حقبة تكليف أجهزتها الاستخبارية بتصفية خصومها سراً إلى مرحلة لا تتورّع فيها

عن تحويل سفرائها وقناصلها وأعضاء سلكها الدبلوماسي إلى عصابات جريمةٍ منظمة، وفرق موتٍ تخطف مواطنيها في عواصم العالم بشكلٍ شبه معلن، بدلاً من تقديم الحماية لهم، عندما يحتاجونها.

وإن يكن تفسيرٌ كهذا يحتاج إلى تفسير أعمق، يوضح لماذا وكيف حدث هذا التحول الفضيحة سعودياً وعربياً في زمن إعلاء شأن حقوق الإنسان عالمياً، فإن الجواب القاسي سيضعنا أمام أربعة معطيات أساسية، أولها انتقال مقاليد الحكم الفعلي في السعودية، إلى جيل شابٍّ يتسم بضعف الخبرة، إن لم نقل بالرعونة والطيش اللذين وجدا تعبيرهما قبلاً في اتخاذ قراراتٍ تهدّد مستقبل المنطقة كلها، لا بلاده فحسب. وثانيها اتساع القناعة لدى هؤلاء بإمكانية استخدام المال في زمن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لشراء تواطؤ المجتمع الدولي مع أي حماقةٍ قد يرتكبونها. وثالثها استمرار فعل "جينات" العنف الدموي في بنية النظام السياسي الذي ما كان له أن يقوم أصلاً بغير ما ارتكب مؤسّسوه من أعمال نحرٍ في رقاب خصومهم، وظل من بعدهم عصياً على التحديث، على الرغم من تريليونات الدولارات التي تدفقت عليه من الثروة النفطية. أما رابعها فالتفكّك الذي دبّ في أوصال النظام الرسمي العربي عموماً بعد غزو العراق عام 2003، ثم تفاقم في بلدان المشرق بفعل المواجهة الوجودية بين أنظمة الحكم وثورات الشعوب، ليبلغ حد كشف "الدولة/ العصابة" عن وجهها الحقيقي في سورية ومصر أولاً، وفي السعودية لاحقاً.

ثمّة أيضاً ميزة أخرى لجريمة اختطاف جمال خاشقجي، تجعلها أقرب إلى سلوك العصابات منها إلى سلوك الدول، وهي أنها استهدفت رجلاً يصعب وصفه بالمعارض، أو الخصم، قياساً إلى ناصر السعيد مثلاً، بل لطالما قال إن "في رقبته بيعة للملك سلمان وولي عهده" يلتزم بها، لكنها لا تمنعه من الإدلاء بملاحظاتٍ نقدية على سياسة السلطة التي كان على مدى عقود جزءاً منها.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق