تابعنا على الانترنت
استفتاء

عن أمى وأبى والموت وموتى أنا بالذات

27/09/2018 02:22


د. إبراهيم عوض

ومما لا يزال ملتصقا بالذاكرة من طفولتى الأولى رغم مضى كل هاتيك ‏الأعوام أننى كنت لا أحب الذهاب إلى الكتاب أو جمعية المحافظة على القرآن ‏الكريم مسائر الأطفال فى ذلك الوقت على عكس أطفال هذه الأيام الذين ‏يتعلقون بحَضَاناتهم الجذابة، مفضلا البقاء فى المنزل بجوار والدتى، وكانت ‏سيدة هادئة وطيبة، وكانت تدللنى كثيرا. وكنت، ككل طفل فى مثل سنى ‏فى مثل ظروفى فى ذلك الحين، لا أريد مفارقة البيت وحنان الأم.

 إلا أنها ‏حملتنى ذات يوم على كتفها بعد أن ارتدت طرحتها، موهمة إياى أننا ذاهبان ‏إلى الجمعية لنحضر السلم الخشبى الذى كان النجار المشغول فى إعداد بعض ‏التُّخَت والمقاعد فى المدرسة يصنعه لنا هناك. والعجيب أننى كنت أبصر ‏تحت طرحتها اللوح الإردوازى الذى نتعلم فيه الكتابة، وهو ما يعنى، لو كنت ‏ولدا ذكيا فطنا (هذا لو كنت!)، أن النية مبيتة على تركى هناك والعودة ‏بدونى.

 إلا أننى لم ألق بالا إلى ذلك مفضلا إيهام نفسى بأن الأمور لن تصل إلى ‏هذا الحد، فنحن ذاهبان لإحضار السلم، فماذا فى ذلك من خطر يتهددنى؟ ‏ولنفترض أننى كنت ولدا ذكيا فطنا، وهو ما لم أكنه، فهل كنت لأغامر بالقفز ‏من فوق كتف والدتى والنزول على جذور رقبتى؟ وما إن وصلتْ أمى، ‏طيب الله ثراها، إلى الفصل حتى أنزلتنى من فوق كتفها، بعد أن كانت تدللنى ‏طوال الطريق لتخديرى، ووضعتنى على الأرض وقد صُوِّبَتْ عيون التلاميذ ‏كلهم نحوى، وتركتنى ومضت وأنا أبكى. ولكن كما يقول المثل: اضحك ‏تضحك لك الدنيا. ابك تبك وحدك. وقد بكيت فى ذلك الضحى وحدى، ‏ولكنه بكاء أفضل مليار مرة من الضحك، الذى كان معناه البقاء فى المنزل ‏بجوار والدتى مع استمرارى جاهلا لا أتعلم.‏

وكانت أمى، حسبما بقى فى خيالى من صورها وكلامها ومواقفها، ‏سيدة طيبة هادئة كما قلت، وكانت تحكى لنا الحواديت والحكايات الفكاهية، ‏وكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب ككل نساء القرى تقريبا. ولا أزال أحتفظ لها ‏بمنظر لا أدرى مدى مبلغه من الصحة والدقة يضمها هى وبعض من نسوة ‏الشارع، وقد حملن على رؤوسهن قُفَف القمح فى طريقهن إلى الترعة التى فى ‏طرف القرية المؤدى إلى عزبة حسام الدين ليغسلنها ثم ينشرنها فى الشمس ‏على الحصر لتجف قبل أن يذهبن بها إلى ماكينة الطحين، وهن يغنين أغنية أم ‏كلثوم: "على بلد المحبوب وَدِّينِى"، وكنت كالعادة أتبعها مستمتعا بوجودى إلى ‏جوارها، وهو ما ألاحظه فى حفيدىَّ الكبيرين ابْنَىْ علاء الدين: لالة وخالد، ‏فهما دائما ما يعبران عن رغبتهما فى الذهاب إلى "ماما"، فأتذكرنى وأنا صغير ‏مثلهما أحب أن أكون مع "أمى" دائما. بيد أن أمى قد رحلت عنا مبكرة ‏جدا، إذ ماتت وأنا فى الخامسة أو السادسة من عمرىـ، ثم تبعها أبى بعد ‏عدة سنين ولما أبلغ التاسعة، وقبلهما مات خال لى شاب ميتة مأساوية هو ‏أيضا، فانطبعت حياتنا بحزن ثقيل أحاول بطبعى الفَكِه، دون وعى

منى، أن ‏أعادله حتى لا يؤودنى حمله. ومن الذكريات العالقة بذهنى لا تفارقه: الليلةُ ‏التى ماتت فيها أمى، إذ أذكر أنهم أيقظونا ليلا ونقلونا إلى بيت جيراننا حيث ‏كان أولادهم مستيقظين يلعبون معنا، وربما قدموا لنا طعاما ريفيا بسيطا بغية ‏شغلنا عن الحزن الذى كان يملأ الأجواء آنذاك. ودائما أتصور أن ذلك كان ‏قبيل الفجر، وأننا كنا فى ذلك الحين نعرف أن أمنا قد ماتت، ولكن دون أن ‏نفهم أبعاد الأمر أو ندرك معناه نظرا لصغر سننا آنذاك. ‏

ورغم اتساع ثقافتى مع الأيام وقراءاتى المتعمقة فى القرآن الكريم ‏وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام أرانى عاجزا تماما عن تخيل الظروف ‏التى يعيش فيها الموتى فى العالم الآخر، وبخاصة من أحبهم وأنشغل بمصيرهم ‏كوالدتى ووالدى... أما بالنسبة لنفسى فقد كنت، وأنا طفل صغير، أفزع من ‏الموت وأتخيلنى وقد جاء "الوحش" أو "الغول" بعد دفنى، ونَبَش قبرى ‏واستخرج جثتى والتهمها، وضِعْتُ أنا فى جوف الغول بعد أن أكون قد تألمت ‏آلاما فظيعة أثناء تكسيره لعظامى ونهشه للحمى. لكنى الآن أعرف أن ‏جسدى سوف يتحلل إلى عناصره الأولية ويرجع كما كان ترابا وهواء ليدخل ‏فى تكوين موجودات جديدة، ولا أتخيل عناصر جسدى بعد الموت إلا هائمة ‏فى أرجاء الحقول مع الرياح والشجر والفراشات والطيور والنباتات والمياه، ولا ‏أتصورها أبدا هائمة فى المدن حيث الضجيج وعادم السيارات وكل مظاهر ‏القبح والتشوه والتلوث وانعدام شعور كل واحد بالآخرين. أما روحى فيقوم ‏بينى وبين تصور ظروف حياتها فى عالم الغيب قبل البعث جدار صلب سميك ‏لا يمكن اختراقه. ‏

وكنت، إلى ما قبل سنوات، أتألم أشد الألم حين أفكر أننى سوف أموت، ‏إلا أننى رُضْتُ نفسى على التسليم بحقائق الحياة وأوضاعها التى لا يمكن أن ‏يفلت من الخضوع لها أى إنسان أو مخلوق حتى صرت أتقبل فكرة الموت تقبلا ‏تاما. المهم ألا يكون موتا فيه معاناة وألم. وإنى أدعو الله أن يتم موتى كما يتم ‏انطفاء المصباح الكهربى حيث يسود الظلام فى التو واللحظة بمجرد الضغط ‏على مفتاح النور. ثم إن أملى الشديد فى رحمة الله وفضولى العاتى إلى معرفة ‏ما ينتظرنا هناك فى الضفة الأخرى من الكون قد انتهيا بى إلى عدم الفزع من ‏الموت، الذى دائما ما أذكره فى حديثى مع نفسى أو فى حديثى مع الآخرين، ‏خصوصا إذا كنت أريد أن أحمّس باحثا إلى الانتهاء من رسالته التى أشرف ‏عليها فأقول له مثلا: أرجو زيادة نشاطك حتى تنتهى من رسالتك وتحصل على ‏الدرجة العلمية، فنحن لا نعرف الظروف يا بُنَىّ، وقد أموت فتجد نفسك فى ‏حيص بيص. فيأتينى الجواب دائما: بعد الشر يا دكتور. ربنا يعطيك طول ‏العمر. فأقول: إننى أتحدث عن احتمال قائم، فأرجو سرعة الإنجاز! ولست ‏أشعر آنذاك بتشاؤم ولا يخطر ببالى أبدا أن سيرة الموت قد توقظ الموت من ‏مرقده وتُذَكِّره بى بعد أن كان غافلا عنى كما يعتقد كثير من الناس. ‏



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق