تابعنا على الانترنت
استفتاء

"ياباني" في غير ملكك

21/09/2018 04:49


د. محمد فاروق

كتبت العام الماضي مقالا في نفس التوقيت  أو قبله قليلا أتعجب فيه من استحضار تجربة لشعب يختلف عن شعبنا كثيرا وفي ظروف غير ظروفنا ثم محاولة استنساخها مع ابنائنا على الرغم من عدم جاهزيتنا لها على أي مستوى ومن حيث كافة عناصر العملية التعليمية سواء المعلمين أو الطلاب أو المناهج أو البيئات المدرسية ... وبعد كتابة المقال بعدة أسابيع صدر قرار رئيس الجمهورية  بارجاء إنشاء المدارس اليابانية إلى أجل غير مسمى ... وسعدت كثيرا لهذا القرار وشجاعته ...

ولكنني - ومنذ يومين - وجدت وزير التربية والتعليم يعاود الحديث عنها في كلمته أمام السيد رئيس الجمهورية بمحافظة المنوفية أول أمس مرة ثانية ... والحق يقال أنني مازلت غير قادر على استبعاب السبب في الإصرار على إنشاء المدارس اليابانية في عمق برنامج تطوير نظام التعليم المصري رغم تأكيد معالي وزير التربية والتعليم الحالي أ.د. طارق شوقي على أن منطلقا أساسيا من منطلقات برنامج التطوير هو القضاء على فوضى التعددية والتي أدت وتؤدي و ستؤدي إلى انحصار رداء الخصوصية عن جسد التجربة المصرية -كما ورد في كلمته أول أمس. فلماذا لا يكون اللجوء لنموذج المدارس اليابانية هو بداية لتعددية جديدة تبدأ باليابانية تليها البريطانية ثم الأمريكية وغيرها، وهي جميعا لا تتناسب مع ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية بل و موروثنا الثقافي والحضاري؟ وهو ما يتناقض مع ما أرساه الوزير كأساس للتطوير.

ما السر في التجربة اليابانية؟ ولماذا لا نأخذ أفضل ما فبها وفي التجربة البريطانية والأمريكية والألمانية والصينية وغيرها و نطعم بها برنامجا خاصا بنا يتناسب مع أعداد الطلاب بفصول مدارسنا الحالية وخصائص بيئتها و قدرات معلمينا وامكاناتهم وما يمكن أن توفره الدولة وكذلك مجتمعات المدارس التي يعملون بها لهم ...

أطرح هذا لأنني أرى أنه قد يصعب أن يحالفنا النجاح في استنساخ أي تجربة لاتتوافق مع مزايانا وعيوبنا الحضارية والانسانية أو ملابسات أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية أو تداعيات و متطلبات حياتنا اليومية في كل أنحاء بلادنا:  في مجتمعات الكمباوندات المغلقة والأحياء الراقية  التي تعزل ابناءها في مدارس "عالمية" و "خاصة لغات" والذين لهم تطلعاتهم لنوعيات معينة من الوظائف والأعمال وينجحون في الغالب في الحصول عليها، وأيضا في مجتمعات الشوارع التي لا يتجاوز عرضها 10 أمتار والتي تعيش فيها الطبقة الوسطى وما تحتها  قليلا والتي وزعت ابناءها مابين المدارس الخاصة والعامة والتي تتجاوز فيها أعداد الطلاب بالفصول ماهو متعارف عليه عالميا،  ثم كذلك في مجتمعات المراكز و القرى التي تضم فيها المدارس العامة كل أطياف المجتمع  وتقل أو تندر بها المدارس الخاصة  وتتجاوز  كثافة الفصول بها كل التوقعات، ومازال بهذه أو تلك الكثير من العقول الجميلة المتطلعة لغد أفضل لها ولأسرها ... و أخيرا المدارس بالأحياء الأكثر فقرا أو النجوع والكفور والتي تكتظ بأعداد الطلاب أحيانا و تعاني من الهجر والتغيب أحيانا كثيرة ... وهي تتشابه في هذا مع المدارس الفنية والتي تنتشر

في أتحاء البلد طولا وعرضا والتي لايقبل عليها إلا ابناء الطبقات الأكثر فقرا ...و سواء هذه أو تلك فإن الطلاب بها يتسربون تحت وطأة الحاجة والعوز لإعالة أنفسهم وأسرهم أحيانا... ولذا  يجب أن يكون كل هذا في اعتبارنا و أساس انطلاق تجربتنا ...

الطلاب الذين يتسربون  لحاجتهم وحاجة أسرهم للمال سيظلون يتسربون  ويمثلون معول هدم لبرنامج تطوير نظام التعليم وتهديدا لمجتمعهم المحلي بل لبلدهم بأكملها لاحقا ما لم نوفر لهم أعمالأ بمقابل مادي يتم تدريبهم عليها داخل المدارس أو و ظائف لبعض الوقت بعد انتهاء يومهم المدرسي بشرط أن تتناسب مع أعمارهم ... ولن بتحقق هذا إلا بدخول رجال الأعمال لمجال التربية والتعليم لا كمتبرعين - فيتوارون حينا ويتذرعون بالأعذار حينا آخر و يدفعون طواعية أو قهرا أحيانا كثيرة - ولكن كمستثمرين في صناعات و منتجات تحتاج هذه الملايين من الأنامل الصغيرة  لتعود بالملايين من الجنيهات وبهامش ربح أكبر  بالطبع للقلة النسبية لما سيحصل عليه هؤلاء الطلاب مقارنة بالعمالة المحترفة.

والفصول بالمدارس ستظل مكدسة ما لم ننشئ مدارسا جديدة في أطراف التجمعات السكانية يالمدن والمراكز والقرى والنجوع ... ومالم نحل مشاكل الأسر الكبيرة الأكثر فقرا والتي تعتمد على زيادة عدد أفرادها لمواجهة الفقر  ودعم عزوتهم وفق موروثاتهم الثقافية التقليدية  ولن يتم هذا إلا من خلال التوعية لهم وكذلك من خلال توفير دخول لأفراد أسرهم من الطلاب الملتحقين بالمدارس مقابل عملهم بالمشروعات التي ترعاها ... وهو ما سيحقق معادلة التسرب الذي تلجأ إليه نسبة كبيرة منهم  للعمل والكسب لإعالة أنفسهم وأسرهم.

والمعلمون سيظلون كمن يحفر بالماء مادامت الفصول على ماهي عليه من اكتظاظ بالطلاب بما يعوق أداءهم لأدوارهم ... و سيظلون على ما هم عليه مادام ما يحصلون عليه من مقابل مادي سواء بالمدارس العامة أو الخاصة لا يفي باحتياجاتهم للمعيشة الكريمة و لا بجدون بيئة عمل جاذبة لا تبيح التجاوز لأي طرف و لا تسمح بأي خلل لأن غرامته تكون كبيرة على كل من يرتكبه. و سيظل المعلمون على ماهم عليه مادامت الوزارة لاتوجد لها أوقاف أو ترعى أعمالا و مشروعات تضمن لها عوائد يمكن أن ترفع بها دخول العاملين بها ...

أما الطلاب فسيظلون كما هم  ما دام لا يجدون فرص عمل متاحة بعد تخرجهم سواء من التعليم الفني أو بعد انتهاء دراستخم الجامعية  سواء.بالقطاع العام أو الخاص تكون هدفا لسعيهم و دأبهم  ... وهو ما  يدعو للاهتمام بآفاق التنمية الحقيقية في قطاعات مختلفة لتوفير حراكا فاعلا في المجتمع يكون فيه التعليم من أجل العمل وليس التعليم من أجل التعليم .

أما المناهج فستظل سلعة يتم تداولها بين المعلمين والطلاب ما دام كل من لا يحصل على حقه منهم يستكمله على حساب الطرف الآخر و سيظل استنزاف المجتمع بأسره يتم من خلالها.

خلاصة القول أن تطوير التعليم لن يتم باستنساخ تجارب الآخرين الناجحة فمثلنا العامي يقول: "يامرب



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق