تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر الإقتصادى إبراهيم نواره..يكتب: إعادة إنتاج الفشل

21/09/2018 05:50


د. إبراهيم نواره

في هذه الرسالة أقدم اعتذاري عن التأخر في الرد على بعض الأسئلة المثارة حاليا، بشأن مجمل الأحداث الدولية والإقليمية والمحلية التي تجري جميعا في عالم مضطرب، قد يستمر اضطرابه الى 2030 وما بعدها.

السبب في التأخير هو أنني اضطررت للسفر الى بريطانيا بعد ان عاودتني آلام مبرحة من مضاعفات الحادث المروع الذي كنت قد تعرضت له عام 2011، وسوف أبقى هناك فترة من الوقت لاجراء فحوصات طبية وللعلاج.

- أتابع باهتمام شديد بما يجري على صعيد إعادة تشكيل خريطة النفوذ في العالم، في الفضاء، وعلى كوكب الأرض، وما يرتبط بذلك من اعادة تشكيل خريطة القوة والنفوذ في منطقة شرق البحر المتوسط الكبرى الممتدة إلى جبال أفغانستان.

- أرى خطورة شديدة تهدد العالم من اتساع نطاق الحرب التجارية وحروب العملات، فأثرها لا يقتصر على الفاعلين فيها، وانما يهدد الأبرياء الذين لا علاقة لهم بها، وإنما هم يتلقون اللطمات، الواحدة بعد الأخرى بسبب انكشافهم الشديد على العالم، بدون ان تكون لديهم محركات داخلية قوية للنمو، وقدرة هائلة على المناورة والتحرك لنسج علاقات جديدة خارجيا.

- الصين وحدها تتقدم على اكثر من جبهة.

- داخليا تنفذ اجراءات سريعة لتنشيط الاستهلاك المحلي اعتمادا على طبقة وسطى فتية وكبيرة ذات دخل مرتفع، تكونت ببطء، لكن برسوخ أيضا، خلال الفترة منذ بدء سياسة الانفتاح الاقتصادي منذ اواخر سبعينات القرن الماضي حتى الآن.

- إقليميا تقود الصين مبادرة لتأسيس كتلة اقتصادية عملاقة في شرق وجنوب شرق وجنوب آسيا تكون بديلا لاتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، ومن المحتمل اعلان قيام منطقة اقتصادية تضم مجموعة كبيرة من الدول منها الصين وروسيا واليابان والهند واستراليا وكوريا في شهر نوفمبر المقبل.

- دوليا، تنسج الصين بسرعة وبمهارة ديبلوماسية عالية خريطة جديدة لعلاقاتها الاقتصادية (المالية والتجارية والاستثمارية) مع العالم، وتتجه الى بناء شراكات قوية مع الاتحاد الاوروبي، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، بغرض تعويض الخسائر في السوق الأمريكية، وتقليل حجم الضرر الذي يتعرض له الاقتصاد الصيني نتيجة سياسة طرامب التي شعارها "أمريكا أولا"، والتي مضمونها، (أمريكا أو العالم، أمريكا في مواجهة العالم).

- لا تعتقد ان ما ذكرته عاليه لا علاقة له بما يجري من تطورات ساخنة وحروب ساخنة بالوكالة، او بتدخل دولي مباشر في سورية او اليمن او ليبيا، فما يجري في شرق المتوسط ليس إلا جزءا من اعراض التقلصات العميقة والارهاصات المصاحبة لعملية تاريخية في عصر الاضطراب العالمي الذي لن ينتهي قبل تغيير خريطة النفوذ وتوزيع القوة في العالم. وأظن ان الخريطة الجديدة ستكون على حساب الولايات المتحدة الأمريكية، حتى لو سقطت سياسة طرامب وشعاراته في مرحاض التاريخ. 

- أعود فورا، متجاوزا عددا من الاشتباكات المهمة في شرق البحر المتوسط الى مصر. القيادة المصرية وان كانت تحاول بقوة الخروج من الحظيرة الأمريكية، التي وقعت داخلها مصر منذ اوائل سبعينات القرن الماضي، إلا ان تعقيد الوضع العالمي، وضعف محركات القوة داخل مصر، وحدة الاستقطابات الإقليمية، يترك كثيرا من الشكوك على تلك المحاولات لدى الآخرين. باختصار، مصر داخل المشهد الإقليمي وليست خارجه، لكنها على الهامش وليست في قلبه، وسوف تظل كذلك لفترة من الزمن.

- اثار انتباهي هذا الاهتمام الكبير بتقرير وحدة المعلومات التابعة لمجلة الايكونوميست البريطانية عن حالة الاقتصاد المصري، وكذلك تقرير وكالة بلومبيرج عن تأثير رؤية 2030 السعودية سلبا على مصر.

- تقرير The Economist Intelligence Unit عن مصر لا يتناول حال اقتصاد مصر بشكل عام، وانما هو يتناول حال اقتصاد (مصر الشركات الدولية والمستثمرين)، او ما يمكن ان نسميه (مصر الافتراضية) وليس مصر الحقيقية. ولذلك فان الصورة المتفائلة التي يقدمها التقرير تتعلق بفرص الشركات الدولية (شركات النفط والغاز والطاقة) مثل بي. بي، وإيني، واديسون، ويونيون فينوسا للغاز، وسيمنس وغيرها في تحقيق ارباح ومكاسب عالية ومضمونة في سواق (واعد) بالنسبة لها. الذي لم يذكره التقرير ان مكاسب هذه الشركات وارباحها، وان كانت محتسبة ضمن قيمة الناتج المحلي الاجمالي لمصر GDP فإنها يتم تحويلها للخارج بالعملات الأجنبية، وهو ما يمثل خصما من (القوة القومية للاقتصاد المصري)، أي العائد الصافي الذي يحصل عليه المصريون انفسهم من النمو. باختصار التقرير لا يتحدث عن اقتصاد (مصر المصريين) ، ولكنه يتحدث عن اقتصاد (مصر الأجانب).

- أما تقرير بلومبيرج، فهو تقرير درامي الى حد كبير، يحاول ان يصور لنا ان جزءا من الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها مصر، ما هو الا نتيجة لسياسات محمد بن سلمان المستمدة من رؤية 2030 كما يطلقون

عليها. الحقيقة ان الرؤية المزعومة هي اكثر واشد هلامية من رؤية 2030 المصرية! صحيح ان نسبة لا بأس بها من المصريين العاملين في السعودية عادت، او تعتزم العودة، او تفكر في العودة إلى مصر بسبب السياسات الجبائية التي يتعرض لها الوافدون في السعودية، لكن الاقتصاد السعودي لن يستطيع العمل الطبيعي بدون نسبة كبيرة من الوافدين، فالسعوديون لا يعملون، وباستثناء شريحة الوظائف العليا التي يشغلونها، فانهم سيجدون صعوبة بالغة في ادارة اقتصاد يسعى الى تحقيق التنوع والابتعاد عن التركيز على النفط. وارى في التقرير مبالغة شديدة في قدرة قوة العمل الوطنية السعودية على تشغيل الإقتصاد.

- مشكلة مصر الاقتصادية هي ان الحكومات المتعاقبة تتبع سياسة اقتصادية غبية وقاصرة عنوانها هو (إعادة إنتاج الفشل)، فالحكومات تسير من فشل إلى فشل، دعك من الشعارات وصراخ السياسيين وكذبهم، واشتغالات المطبلاتية وحزب (اتغطى ونام، كل شيئ تمام). الاخطر هو ان السياسة الاقتصادية المصرية حاليا تسير عكس ما هو عقلاني في الإقتصاد، حيث يتم ضخ استثمارات ضخمة وسط ازمة سيولة طاحنة، لتمويل مشروعات مظهرية قليلة العائد، وبعيدة العائد، وبسببها يتم التوسع في الاقتراض الحكومي بغير حساب، كما يتم التوسع الشرس في الجباية من الافراد، مما يهدد بحدوث شلل اقتصادي.

- العائدون من السعودية والخليج إما أنهم من كبار السن، الذين سيميلون إلى قضاء وقتهم في الاستمتاع بما لم يتمتعوا به وافتقدوه خلال رحلة الهجرة المؤقتة، وإما انهم من متوسطي العمر الذين يطمحون الى اقامة مشاريعهم الخاصة، معتمدين على قدر من المدخرات التي حققوها في سنوات سابقة. نسبة ضئيلة جدا من العائدين من الخليج ستفضل العودة للعمل الحكومي. 

- هذا يثير سؤالا مهما طرحه تقرير بلومبيرج يتعلق ب (المنافسة في السوق). واقول صراحة ان السوق في مصر هي سوق رديئة ومشوهة، من الصعب جدا ان ينجح فيها صغار المستثمرين حديثي الخبرة. السوق في مصر تبدأ من ابواب الرشوة (مكاتب موظفي المحليات والضرائب، والتأمينات، ومكاتب العمل، والدفاع المدني، والشؤون الاجتماعية وخلافه)، والغش التجاري والصناعي، والتهريب، والنصب المالي، وغير ذلك من اوجه الفساد في السوق.

- تقرير بلومبيرج اشار الى المزاحمة الشديدة التي يتعرض لها قطاع الاعمال الصغير والمتوسط من جانب مشروعات الدولة، بما فيها مشروعات المؤسسات الأمنية: القوات المسلحة، والشرطة، واجهزة المخابرات. ومن المؤكد انه من الضروري اعادة تحديد دور الدولة في الإقتصاد، فليس من المعقول ان تقوم الدولة بمزاحمة القطاع الخاص في مجالات مثل البقالة وتوزيع الوقود وشركات الامن والنظافة. للدولة دور تنموي لا يمكن إنكاره، لكن هذا الدور ينصرف الى قطاعات الصناعات الرائدة والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة، وليس في تجارة الواح الطاقة الشمسية واجهزة التكييف. للدولة دور تنموي يجب ان تلعبه باقتدار، وهو ما يستلزم تركيز مجهودها الرئيسي على الصناعات المتقدمة مثل صناعة الفضاء.

- ويزيد من حدة الازمة وصعوبتها ان نمو الاقتصاد المصري يعتمد على محركات طابعها التقلب وعدم الاستقرار وتحوطها المخاطر الا وهي الغاز الطبيعي، والسياحة، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، وقناة السويس. هذه المحركات المتقلبة سوف تطبع النمو الاقتصادي بطابع التقلب، دعك من عمليات طبخ الأرقام وفبركة الاحصاءات، فهذه تسهم في خلق وترويج الوهم ليس إلا. أما قطاعات الإنتاج الحقيقي فإنها تقترب من الشلل.

- الخطير في الامر ايضا ان مصر الحقيقية الممتدة في الوادي ودلتا النيل والمحافظات الحدودية تعاني حاليا من حالة إهمال مأساوية، وهناك الكثير من الأمثلة الحزينة: العلمين تنمو على حساب الإسكندرية التي يجري إهمالها، والعاصمة الإدارية تنمو على حساب القاهرة التاريخية، والجلالة تقام وسوف تنمو على حساب السويس. وهناك امثلة اخرى لمشروعات: خط سكك حديد العين السخنة - العلمين سوف ينمو على حساب خط سكك حديد الرئيسي في البلاد الممتد من القاهرة الى كل من اسوان جنوبا والاسكندرية شمالا، وشبكات الطرق التي تربط المدن الجديدة تنمو على حساب شبكة الطرق القديمة المتهالكة التي تربط المدن القديمة (مصر الحقيقية)، ومحطات المياه والصرف والكهرباء التي تخدم المدن الجديدة (مصر الافتراضية) سوف تنمو على حساب شبكات المياه والصرف والكهرباء المتهالكة التي تخدم مدن مصر الحقيقية. هذه صورة مأساوية لمصر التي تقودنا اليها السياسة الاقتصادية الحالية وهي سياسة تحلم بأن تكون مصر هي (هبة الغاز) بدلا من كونها (هبة النيل)! سياسة تحلم ان تبدأ مصر حياتها مثل دول ولدت وعرفت الدنيا منذ عقود قليلة مضت، سياسة تتجاهل ان مصر عمرها يقاس بآلاف السنين!

هذه كانت رسالة تتعلق بكثير من الملاحظات التي لم تكتب في وقتها، لكنها مع ذلك تحتاج الى مزيد من التفصيل والتوضيح. مرة ثانية، معذرة عن التأخر في الكتابة.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق