تابعنا على الانترنت
استفتاء

الأبعاد الغائبة .. في تطوير التعليم في مصر

10/09/2018 02:45


د. محمد فاروق

لابد وأن نتفق أن تحديد المشكلة تحديدا دقيقا و واعيا و موضوعيا هو السبيل لحلها الحل الأمثل مهما كان حجمها ومهما كانت تعقيداتها، وأن مشكلات التعليم في مصر ليست نتاج السنوات القليلة الماضية ولكنها تراكمات وسلبيات ترسخت عبر الحقبات السابقة بشكل يمثل عبءا كبيرا على جميع المسئولين الحاليين في حلها .. و لابد أيضا أن نشيد بأن وزارة التربية والتعليم بكل قطاعاتها تحت قيادة وزيرها الحالي تبذل جهودا كبيرة من أجل تطوير التعليم والدفع به إلى مستويات عالمية غير مسبوقة .. و هو مسعى جميل ونبيل وأصيل نتمنى أن تنهض مصر به تعليميا كما يطمح مسئولو التعليم في بلادنا وكما نطمح نحن جميعا كمصريين ليكون لنا إسهامنا - ليس كأفراد - و لكن كأمة بأكملها في الحضارة الحديثة ....

ولقد بدأت عجلة التطوير في الدوران مؤخرا ... ولذا تم إلغاء بعض الشهادات و هناك تفكير لالغاء المزيد .. وتم إلغاء الامتحانات حتى الصف الثالث الابتدائي واستبدالها بأنشطة مختلفة ومتنوعة ... وتم التركيز على اللغة العربية وهي اللغة الأم لتأكيد الهوية مع دراسة الإنجليزية بدءا من مرحلة رياض الأطفال للتمكن منها تمهيدا للاعتماد عليها في دراسة العلوم والرياضيات لاحقا ... مع الدفع بمحتوى موحد يساعد على تكامل المعارف والمهارات لدى الطلاب وتم تحديد مسارات للتعليم بين المدارس الحكومية (التي يجب أن تدرس باللغة العربية حتى نهايةالمرحلة الابتدائية) والمدارس الخاصة (التي يمكن أن تدرس باللغة الأجنبية) ... على أن يتم تدريس العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية بدءا من المرحلة الإعدادية سواء بالمدارس الحكومية أو الخاصة للغات ... وأصبحت المرحلة الثانوية تراكمية في مجموعها والمقررات مستمرة على مدار العام .. ويحسب للطالب الدرجات الأعلى في كل مقرر ... كما تم استحداث التابلت كوسيلة لتلقي الطلاب للمعارف وكذلك لأداء الامتحانات أو بعضها إذا صح ما يمكن استنباطه مما يتم شرحه عن التطوير وما نعرفه و نعيه عن الإمكانات المتاحة لاحداث هذا التغيير ... و تم أيضا تغيير نظام الامتحانات والذي سيتم على مستوى كل مدرسة بشكل متكافئ و فائق السرعة فيضمن العدل ومتنوع و بالغ التوازن فيمنع الغش في آن واحد.

كل هذا جميل ورائع ... وسواء اتفقنا في بعص تفاصيله أو اختلفنا مثل أعباء وتعقيدات استمرارية المقررات على مدار العام ... يبقى السؤال كيف سيعالج هذا مشاكل التعليم الحقيقية ببلادنا والتي لايمكن حصرها في تكدس المناهج وتفشي الغش؟

فهناك أبعاد أخرى غائبة تمثل مشكلات حقيقية يجب أن ندرسها و نقدم لها مقترحات وبدائل مجدولة زمنيا لحلها وإلا سنكون كمن يحفر في البحر. هذه الأبعاد الغائبة عن خطة التطوير والحاضرة بإشكالاتها المتراكمة سنستعرضها فيما يلي:

* البعد الأول: ظاهرة تسرب أطفال الأسر الأكثر فقرا من التعليم.

كيف سيمنع هذا التطوير الطلاب بالمرحلة الابتدائية بالقرى والمراكز والأحياء الأكثر فقرا من التسرب من التعليم للسعي من أجل الرزق لمساعدة أسرهم؟

هل الجاذبية والتعددية اللتان ستقدم بهما الأنشطة وتكامل الموضوعات والمفاهيم ستنسيهم العوز والفقر اللذان هما السببان الرئيسان لتسربهم من التعليم؟

وماذا ستفعل الوزارة لمنع هذا التسرب؟

بل ماذا ستفعل الوزارة مع غيرها من الوزارات و مؤسسات الدولة لمنع أسبابه فيكون بقاء هؤلاء الأطفال بمدارسهم لايمثل ضغطا اقتصاديا على أسرهم يسحبونهم بفعله منها؟

بل كيف يمكن أن نقدم لهذه الأسر مزايا نسبية يتمتعون بها ما بقى ابناؤهم يتعلمون فيحرصون بذلك على استمرار ابنائهم بمدارسهم؟

هؤلاء الأطفال هم العمالة الصغيرة الذين يتحول الكثير منهم لاحقا لأطفال الشوارع والمتسولين وببلوغهم يتحولون إلى بلطجية ومجرمين ... وهم بمثابة قنابل موقوتة في أي مجتمع.

* البعد الثاني: دافعية المعلمين الذين على أكتافهم سيتم هذا التطوير.

إذ كيف سيمنع هذا التطوير الاحباط الذي يشعر به المعلمون لضآلة دخولهم أمام ماهو مطلوب منهم من مجهود وما يجب أن يتوفر لديهم من دافعية لقيادة هذا التغيير والتطوير؟

هل ستسمح الوزارة بما يقوم به البعض منهم باعطاء دروس خصوصية لبعض طلابهم لزيادة دخولهم لمواجهة أعباء الحياة سواء تم هذا بابتزاز الطلاب أو حتى باختيارهم الحر؟

و ماذا ستفعل الوزارة لتوفير موارد إضافية يمكن

أن تكون داعمة لدخول المعلمين؟

كيف يمكن أن تطور الوزارة قطاعات انتاجية يمكن أن توفر مواردا تنفق منها على متطلبات التطوير والتي منها - بل على رأسها - دافعية المعلمين وحاجتهم المستمرة للتدريب داخل مصر و خارجها؟

* البعد الثالث: إعادة الطلاب إلى المدارس وانتظامهم بها وانتماؤهم لها.

إن الاعتماد على أجهزة تعلم محمولة و نقالة مثل التابلت في ظل نظام رخو من المحاسبية والمتابعة سوف يؤدي لمزيد من الاعتماد على ماهو خارج المدرسة ومنها الدروس الخصوصية و بالتالي لمزيد من الهجر للمدارس ما لم نوفر بيئة تعلمية جاذبة بها و السؤال:

ماذا أعدت الوزارة لتوفير هذه البيئة الجاذبة؟ و كيف تضمن أن تكون أصلية Authentic وليست مفتعلة؟

و ما نوعية المشروعات التي يمكن أن توفرها وينجزها الطلاب بأنفسهم ولا يتولاها بالإعداد بالنيابة أطقم "الأرزقية" و "السماسرة" بالمكتبات والمراكز إياها بمقابل يدفعه الطلاب وأولياء أمورهم و بخصائص تلقى قبول ورضا المعلمين سواء تحت ضغط الأعداد الكبيرة أو بما تبدو عليه من حرفية بالغة تتضاءل أمامها مهارات الطلاب المحدودة ... و هو ما يمثل نوعا آخرا من الغش؟ غش يجب أن نتحصن له بنظام ردع قوي لمنع استشراؤه.

والسؤال هنا: ما نظام الردع الذي يجب أن يطبق على جميع الأطراف المخالفة في حالة الغش في هذه المشروعات؟

* البعد الرابع: الدروس الخصوصية.

إذ لا شك أن هذا الوضع التراكمي للمرحلة الثانوية - وخاصة في ظل عدم وضوح معايير قبول الطلاب بالجامعات - سيجعل أولياء الأمور والأسر يأخذون بالأحوط ويدفعون بابنائهم للدروس الخصوصية بدءا من الصف الأول حتى انتهائهم من المرحلة وهو ما بدأ بالفعل وهو ما يمثل إرهاقا ماليا ونفسيا على الابناء والأسر بل وعلى المعلمين الذين يمارسون إعطاء الدروس أنفسهم والذين تضاعف لديهم العدد هذا العام وسيبلغ ثلاثة أمثاله بدءا من العام القادم ... والسؤال هو :

ماذا فعلت الوزارة حيال هذا الحراك الجديد الذي يلتي فيه قلق الطلاب وأسرهم مع حاجة المعلمين وأسرهم؟ و كيف يمكن منع الهدر المالي والاستنزاف النفسي الذي بدأ سواء شاءت الوزارة ام أبت.

*البعد الخامس: فهو التعليم الفني

والذي يظل وسيظل ممتهنا ما دمنا نلقي إليه بفضلات مخرجات التعليم الأساسي من الطلاب والذين لا يجدون قبلا لمتطلبات التعليم العام ... التعليم الفني الذي يظل وسيظل يمثل الحلقة الأضعف لأننا أغلقناه على تخصصات محدودة لحقب عديدة دون لحاق بأي تطور سواء في مجالات الصناعة أو الزراعة أو فرص التسويق الفعال ... التعليم الفني الذي يظل وسيظل أبعد ما يكون عن مستويات العمل الفني والمهني العالمية من حيث الإتقان والدقة والسرعة ما دمنا نغض الطرف به عن ضوابط العمل والانتظام والإلتزام.

هل يمكن حقا أن نقيم التعليم الفني من عثرته وأن ننهض به ونغير ماهو عليه من إهمال؟

هل يمكن أن يقدم التعليم الفني مجالات جدبدة في الزراعة والصناعة و فرص التسويق بما يجذب بعض النابهين من مخرجات التعليم الأساسي فينهضون بمخرجاته التعليمية و يطورون من مجتمعاتهم بمنظومة فنية وأخلاقية جديدة ومرنة تفتح آفاق المستقبل وفرص العمل والدراسة وتغيير الكارير أمامهم؟

هل يمكن أن يستوعب التعليم الفني أطفال الشوارع فيتيح لهم تعليما وتدريبا ينتشلهم بهما من براثن مستقيل مظلم تسحق فيه طفولتهم وكرامتهم بل وإنسانيتهم فيغيرون من أنفسهم ويساهمون في نهضة مجتمعاتهم؟

إن أي محاولة جادة لإصلاح التعليم يجب أن تنظر إلى التعليم العام والتعليم الفني في إطار واحد ودون تمييز أو ترتيب في الأولوية أو الأهمية

هذه الأبعاد الغائبة عن خطة تطوير التعليم وغيرها بإشكالاتها المختلفة يجب أن تكون محل دراسة وتحليل ونقاش مجتمعي واع ما دمنا في إطار التجربة لبعض إطروحات التطوير كما أوضح وزير التربية والتعليم نفسه حينما أعلن أن هذا العام هو تجريبي لطلاب الصف الأول الثانوي ولن يؤخذ ما يحصل عليه الطلاب من درجات في حساب درجاتهم للمرحلة الثانوية.

مازالت الفرصة أمامنا لمزيد من الدراسة و البحث عن حلول حقيقية فالمواجهة الواقعبة للمشكلات هي السبيل الوحيد للتقدم للأمام.

حفظ الله بلادنا واولادنا

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق