جرائم أول الزمان

12/08/2018 01:29


د. محمد فاروق

راهب يقتل ... وآخر يشارك في الجريمة و يحاول الانتحار ... وشاب مسلم في مقتبل العمر يحاول تفجير نفسه في كنيسة وقتل عشرات الأبرياء ... وأب يغتصب ... وابن يعوق ... وأم ترتكب الفاحشة مع صديق ابنها والذي يقتلها مخافة أن يفتضح أمره ... وعجوز تسحل على الأرض لتمسكها بحقيبة يدها التي خطفها راكب دراجة بخارية في عمر أحفادها ...

رددت في نفسي أنها جرائم آخر الزمان ... وكدت أستسلم لهذا الاستنتاح ... ولكن تذكرت أنه حينما كان عدد البشر مجتمعين ستة أفراد، قتل أحدهم الآخر و أفنى بفعلته سدس البشر وقتها ... والقاتل هو قابيل - كما نعلم - و المقتول هو .. أخوه هابيل ... ولو طبق القصاص على القاتل لفني البشر جميعا ... وما كنا شاهدنا وعاصرنا جرائم زماننا هذا ... و لم يطبق على القاتل - لهذه الضرورة أي ضرورة الحفاظ على النوع - أي عقاب مجتمعي: باستثناء تأنيب أبويه له و تأنيبه لنفسه على فعلته ... ولولا فضل الله عليه وعلى أبويه ما تقبل منه توبته ...

الجرائم التي نراها ونسمع بها اليوم ... هي جرائم "بشرية" بالدرجة الأولى وليس سببها بالأساس: الزحام ... و فراغ الشباب ... أو المناخ الثقافي المتردي من فن هابط ... و انتشار للسلوك الماجن ... وغيرها ... فلم يكن هناك محمد رمضان أو عبده مؤته أو الأسطورة زمن قابيل وهابيل ... ولم يكن هناك كذلك فن السبكي ... أو إطلالات سما المصري ... وإنما جوهر الأمر ما لخصته الآية القرآنية الكريمة: "و نفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها" ... الشر الذي نراه حولنا هو - شئنا أم أبينا - جزء لا يتجزأ من نفوسنا ... وما نراه من إزدياد لجرعته هذه الأيام هو بسبب كثرتنا كبشر ...

ولكن مما لاشك فيه أن انتشار عوامل مساعدة مثل الفساد و الظلم والعدل البطيء والعوز والبطالة ... و أخيرا الفن الهابط ... نعم ... آخيرا ... ففي

رأيي أن الفن الهابط يأتي في نهاية كل هذه العوامل وهو ما هبط وانتشر - رغم تدنيه - إلا بسبب كل ما سبقه ...فلو أن الشباب يعمل و ينهمك في الانتاج ما بقى له من يومه إلا الخلود للراحة، و ما لجأ للترفيه إلا في عطلة نهاية الإسبوع كما هو الحال في أوروبا وأمريكا ... و بالتالي كانت الأولوية لصانعي الترفيه هي تقديم جرعة تبعث فيه الأمل و البهجة والإنطلاق، ولا تستحث فيه الشر والإنتقام والتدني ... أما لدينا ... فالترفيه - خاصة لفئة الشباب من الحرفيين - طوال أيام الأسبوع ، و معظم هؤلاء الآن - للأسف الشديد - من خريجي الجامعات والمدارس الفنية الذين لا يجدون عملا في تخصصات دراستهم ... ينتهي هؤلاء الشباب من عملهم فيخرجون للتسامر مع رفاقهم على المقاهي وفي الطرقات والسينمات حتى قرب الفجر ليستيقظوا قراب الظهر ... ويبدأون عملهم بعده ... في دولة تحتاج إلى بدء العمل فيها مع بزوغ الفجر توفيرا للطاقة.

خلاصة الأمر أننا يجب أن نعمل كدولة وكمجتمع مدني على البحث عن الثغرات التي تمثل احتياجات الناس ونوفر من خلال هذه الثغرات وظائف حقيقية للشباب ... والثغرات كثيرة ولكن من خلال حصرها بالأحياء يمكن أن نتعرف عليها ... ومن أمثلتها مكاتب التشهيلات و مراكز الخدمات ... والتدريب التحويلي ... والوحدات الانتاجية المحدودة وغيرها ... و المراكز الصحية بالأحياء التي يمكن أن يعمل فيها شباب الأطباء والصيادلة و تقدم خدمات صحية سريعة بأجور معقولة ... كما نحتاج إلى مجموعة قوانين جديدة تنظم العلاقة بين العاملين وأصحاب العمل وتضمن لكل منهما حقوقه وتحدد واجباته بما يحسم الخلاف بينهما -حال نشوبه - بشكل سريع.

العمل والكسب الحلال والشعور بالرضا والعدل والحق والخير والجمال هي ما يمكن أن تمثل حلقات سلسلة الهلب الذي نرسي به مركبنا على شاطئ الحياة دون خوف من ابتلاع الموج له ونحن عنه غافلون .. فالراعي هو الله ... والحارس هو الله.

 

حفظ الله مصر وابناءها



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق