تابعنا على الانترنت
استفتاء

التعليم المباشر... وجها لوجه!

30/07/2018 05:41


د. سعيد إسماعيل على

أعلم بطبيعة الحال بدء الحكاية منذ أول ستينيات القرن الماضى عندما بادرت حكومة العمال فى بريطانيا بتقديم صيغة " التعليم من بعد" لمواجهة احتياجات جماهير غفيرة تريد أن تتعلم ، لكن ظروفا عدة تقف عقبة أمامها، وأن هذا كان خطوة رائعة نحو ( العدل التربوى )..

وأدى التقدم المذهل فى تقينات الاتصال إلى توسيع مساحة السُّبُل والأغراض والظروف التى يسرت الخدمة التعليمية لملايين ..من بعد..

لكنى أود التشديد هنا على أن المباشرة والمواجهة بينى كمعلم وبين من اُعَلّمهم فى بعض المستويات ، تستمر ضرورة لابد منها..

إننا نردد دائما أن التعليم ليس مسألة معلومات ومعارف، وإنما جوهره قيم وعادات ومفاهيم واتجاهات، ومثل تلك الأمور لا تنمو إلا بالمباشرة والمواجهة..

خذ مثالا لذلك ، وأنا أُعلم " فلسفة التربية " للدبلوم الخاص بكلية التربية::

هناك فرق بين " تعليم الفلسفة " ، وتعليم التفلسف" ، وهو ما كتبت عنه فى ( ألأهرام ) منذ أكثر من عشرين عاما، والتقط ابننا " محمد زيدان " بتربية حلوان الفكرة وجعلها موضوعه للدكتوراه..

تعليم الفلسفة : يعنى ما يتصل بالمعلومات والآراء والأفكار التى قال بها الفلاسفة..ومثل هذا يمكن تعليمه وتعلمه " من بعد" ..

لكن " تعليم التفلسف" يعنى مجموعة عادات اجتماعية، وطرق تفكير، واتجاهات سلوكية، لا تكتسب إلا بالتفاعل الإنسانى المباشر..

هنا نحتاج إلى ممارسة النقد ..والحوار..وإشاعة مناخ التسامح، وممارسة

القيم الديمقراطية فى التفكير..

إننى أتطلع فى وجوه من أُعَلمهم، فأرى على الفور ردود الفعل على ما أقول، دون كلام..

للوجه تعبيرات صامتة تنطق بما يجول بداخل صاحبه..

الكلام العلنى ، وكتابة اليد، يمكن أن تكذب فتقول غير ما ترى ، لكن الوجه يستحيل أن يكذب..

من هنا، فمنذ زمن بعيد..فى السبعينيات ، عندما كنت معارا إلى تربية مكة، وطلبوا منى التدريس للطالبات عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، على أساس تحريم رؤية الطالبات ، بذلت المستحيل للاعتذار..

وحتى اليوم ، فى أول الدراسة، يبرز سوء فهم لدى طلابى، ويتصورون أننى رجل بيروقراطى ، أحرص على تسجيل الحضور والغياب، دون أن يدروا أن الهدف هو إيمانى بضرورة المعايشة بينى وبينهم... أحس بأنفاسهم تتردد أمامى...يرون تصرفاتى فى الموقف فيتعلمون منها، مثلما يتعلمون من الكتاب..الكتاب يستطيعون قراءته فى المنزل ...لكنهم بحاجة إلى " قراءتى " أنا كمعلم، وأنا بحاجة إلى " قراءتهم " كمتعلمين..

مثال آخر وأخير...عندما يرون – عمليا- أستاذهم يبدأ محاضرته دائما فى الموعد المحدد ، وبالدقيقة...يتعلمون : الالتزام بالمواعيد، والحرص على الوقت كقيمة..إلى درجة قولى لهم: إذا مرت دقائق ولم أحضر، فلابد أننى قد توفيت ،أو " عملت " حادثة فى الطريق إليكم...وإن طرأت ظروف لا تساعدنى على الحضور..لابد من إخطارهم مسبقا، حتى لا ينتظرونى بلا جدوى..

هذه مجرد أمثلة...تؤكد وجهة نظرى بأهمية التعليم المباشر، دون إنكار وجود ظروف تفرض النوع الآخر..



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق