تابعنا على الانترنت
استفتاء

نعيد نشر مقال الأديب الراحل أحمد خالد توفيق حول ثورة يوليو وجمال عبد الناصر

23/07/2018 12:02

طلب مني موقع «بص وطل» أن أشارك بقلمي في ملفات ذكرى ثورة يوليو، لكن ظروفي الخاصة لم تكن تسمح بالمشاركة، وقدّرت على كل حال أن معظم الملف سيكون مخصصًا للهجوم على «عبد الناصر»، وإثبات أننا صرنا أسوأ بعد ثورة يوليو .. لا يمكن أن يتم الأمر بشكل مختلف .. عندما رجعت للملف وجدت أن ما توقعته صحيح في أغلبه، ووجدت أن عليّ قول كلمتين حتى لا أختنق .. كلمتين ستجلبان على رأسي الكثير من الهجوم والسخط، مع التعليق المعتاد «لن أقرأ لك حرفًا بعد اليوم» والتعليق الأشهر «لقد صُدمت فيك وأخيرًا عرفت حقيقتك» والتعليق الأكثر شيوعًا «أنت مؤامرة على عقول شباب هذه الأمة» أو «خليك في القصص اللي إنت بتفهم فيها»؛ ليكن .. هم سيقولون رأيهم حتى لا يختنقوا وأنا سأفعل أيضًا، وإن كانت التعليقات المهذبة ستغريني بالنقاش.

دائمًا يقع الناس في الخطأ الشهير، إنهم يعتقدون أن ثورة يوليو مستمرة .. في الحقيقة ثورة يوليو انتهت فعلاً عام 1971، وما نحن فيه اليوم هو نتيجة الثورة المضادة، نحن نعيش نتيجة أربعين عامًا من هدم روح يوليو، والمشي بالضبط عكس ما أراد «عبد الناصر» .. عندما أُنشئ مصنعًا لإنتاج العطور ثم يأتي أحدهم ليهدمه ويحوّله إلى مقلب قمامة؛ فهل يُعقل بعد أعوام أن يأتي من يقول إن مصنع العطور كان فكرة فاشلة، والدليل أنه لم يُنتج زجاجة عطر واحدة؟ والدليل كذلك أن عُمّاله جياع يتسوّلون؟!

هذا هو ما حدث بالضبط في رأيي…

الخطأ الشهير الثاني هو الخلط بين «عبد الناصر» وثورة يوليو .. لا شك أن ثورة يوليو أرست بالفعل حكم العسكر، بحيث صار أول جندي يصحو من النوم هو من يحكم؛ لكن أول من جاءت به ثورة يوليو كان مخلصًا أمينًا .. وكان يحب هذا البلد فعلاً .. رجل مات مدينًا وأخذ قرضًا من الحكومة من أجل زواج ابنته، ولم يكن يعرف من مباهج الحياة سوى الخبز والجبن الأبيض، حتى أنه سبب حرجًا بالغًا لمن حوله أكثر من مرة عندما لم يعرف طائر الفيزان الفاخر الذي يقدّم في المآدب، أو يسمع عن الكافيار، أو يزر الريفيرا.

يحتفظ التاريخ بصورة قاسية للحقد تبلغ أوضح صورة لها في قيام الملك «شارل الثاني» باستخراج جثة «أوليفر كرومويل» من قبره، وشنقها لمدة أسبوع!.. كان ينتقم لمصرع أبيه «شارل الأول» بسبب كرومويل! 

بذكائه الحاد، أدرك «محمد حسنين هيكل» أن مصيرًا مماثلاً يوشك أن يحدث لجمال عبد الناصر بعد أسابيع من وفاته، برغم أنه لم يقتل أحدًا، وبالفعل كانت أطراف عديدة تستجمع أنفاسها لتطفئ تاريخ الرجل وكفاحه؛ فلم تمض إلا أسابيع حتى صارت كراهية «عبد الناصر» موضة .. وصار من الصعب أن تمتدح الرجل وسط مجموعة من الأذكياء العالمين ببواطن الأمور قبل أن يسخر أحدهم من سذاجتك ويتّهمك بالحماقة .. أو يقول لك «تعال نتناقش» .. ثم خلال ثوان يعلو صراخه ويتطاير لعابه في وجهك .. هناك ظاهرة مهمة في أعداء «عبد الناصر» هي أن صوتهم عالٍ ولعابهم غزير جدًا، وهم قادرون على إحداث أكبر قدر من الضوضاء في أية لحظة.

نشأت أنا في بيت يحب «عبد الناصر» جدًا، وكانت هذه النظرة عاطفية في أحيان كثيرة تفتقر إلى الموضوعية، ولا أُنكر أنني عندما كبرت عرفت أشياء، وبدأت أفرّق بين «عبد الناصر» و«الناصرية» .. وأدركت أنني منحاز إلى الأخيرة أما الأول فلم يكن معصومًا .. كانت أخطاؤه كثيرة؛ لكن شاعرنا أحمد فؤاد نجم لخّص الموقف ببلاغة، وهو في معتقل «عبد الناصر»: 

عمل حاجات معجزة وحاجات كثير خابت

وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت

وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت

ولا يطولوه العدا مهما الأمور جابت

هذه الأبيات تمتّ طبعًا لعقدة الأب الذي يعرف كل شيء ومهما ضربَنا فهو على حق، وقد جرّبها السوفييت عند وفاة «ستالين».. في قصة «ذوبان الثلوج» لـ«إيليا إهرنبورج» يبكي فيها المعتقلون في سيبريا عندما عرفوا بوفاة «ستالين» الذي زجّهم في السجون؛ لأنهم شعروا بأنه الأب الذي عاقبهم؛ لكنهم لا يريدون له أن يموت.

معرفتي بهذا لم تنزع من نفسي احترامي الشديد للرجل. لقد أنجز كثيرًا وحاول وأخفق كثيرًا أيضًا.. لكن قلبه ظلّ دومًا في المكان الصحيح.

ولما مات «عبد الناصر»، انهمر فوق رؤوسنا سيل من الكتب والمقالات التي تُدين الرجل وعصره وتحوّله إلى شيطان رجيم، وفي الخلفية تسمع صوت السادات يقول بطريقة درامية: «الله يرحمه!».. بطريقة ذكّرت «أحمد بهاء الدين» بعبارة «أنطونيو» الشهيرة: «لكن بروتوس رجل شريف!»، أي أنه يقصد بالضبط عكس ما يقول.

المهم أن كل شهود العصر هؤلاء قابلوا «عبد الناصر» وجلسوا معه حسب كلامهم، حتى «اعتماد خورشيد» التي قالت أن «عبد الناصر» كان يجلس معها ويسألها النصح في مشاكل الدولة!. أما أعتى من هاجموا «عبد الناصر» فكانوا «الإخوان المسلمين» الذين اصطدموا معه صدامًا عنيفًا .. طرفان طامحان للحكم كان لا بد أن يتصادما بعنف، وبالتأكيد لاقى بعض الإخوان عذابًا لا يوصف في معتقلات «عبد الناصر» .. هل كان «عبد الناصر» يعلم بذلك؟.. نظرية الحاكم العادل الذي لا يعلم بجوْر أتباعه تُناسب فيلم «طباخ الرئيس»؛ لكنها سخيفة جدًا. بالتأكيد كان يعلم بوجود تعذيب لكنه – في رأيي – لم يكن يعلم حجمه الحقيقي.

توقّع «الإخوان المسلمون» من «عبد الناصر» أن يلعب دور الواجهة ويتلقى التعليمات منهم؛ لكنه – ببساطة – أراد أن يحكم كذلك! .. لما مات الرجل وخرج من كان منهم في معتقلاته، وعاد من كان منهم في السعودية، صارت مهمّتهم تشويه سمعة الرجل وتحويله لشيطان، وهذا ناسب السادات جدًا. ومنذ أعوام قليلة قرأنا لمؤرخ إخواني شهير أن «عبد الناصر» عندما أجرى جراحة الزائدة كان على علاقة آثمة في المستشفى مع ممرضة وأنجب منها طفلاً غير شرعي! .. السؤال هو: متى تمّ هذا؟ قبل الجراحة والزائدة توشك على الانفجار، أم أثناءها وهو مخدَّر، أم بعدها والخيوط تملأ بطنه؟!!!

انضمّت لـ«الإخوان» مجموعات أخرى:

– أصحاب الرأي فعلاً، الذين لديهم أسباب منطقية واضحة لكراهية عهد الرجل، وهؤلاء يمكن السماع لهم والاستفادة منهم، لكن صوتهم – كأي صوت عقلاني منطقي – خفيض.

– المتضررون من الثورة فعلاً، أولئك الذين صودرت أملاكهم أو ضاع نفوذهم. وهؤلاء يمكن فهم دوافعهم واحترامها.

– معدومو الموهبة، الذين لم يظفروا بفرصة ثقافية في العصر السابق الذي شهد ظهور قمم فكرية حقيقية. لقد جاء الوقت ليسيطروا على الحركة الفكرية في مصر، ولن أذكر أسماء لأنهم يحترفون رفع القضايا.

– الأذكياء، الذين عرفوا اتجاه الريح وعرفوا أنهم سيكونون السادة في العصر المقبل لو لعبوا بحذر.

– المدّعون، وهم الذين يشتمون «عبد الناصر» ليوحوا بأنهم من علية القوم أو ذوي الأملاك .. تضع السيدة ساقًا على ساق وتقول في خنافة وهي تنفث دخان السيجارة: «المصانع بتاعتنا اللي العسكر صادروها» .. تلقائيًا يشعر من يهاجم «عبد الناصر» بأنه أرستقراطي وليس فلاحًا مثلنا، نحن الذين أخذتنا الثورة من وراء الجاموسة لتجعلنا محامين وأطباء.

– الحمقى .. عندما مات «عبد الناصر» كنت أسمع الرجل يشتمه فأسأله عن السبب فلا يعرف .. لقد وضع السادات رجلَ الشارع في حالة فكرية تجعله يشعر بأن عليه كراهية «عبد الناصر» دون أن يعرف السبب.

كانت الحملة شرسة لدرجة أنه بمجرد أن مات «عبد الناصر» طالب كثيرون بهدم السد العالي! لقد شُفِي مجتمعنا من «عبد الناصر» وحكمه ونحن في حالة غسيل مستمرة منذ عام 1971 لكل آثاره .. وبيع كل شيء كان يفخر به أو تبديده، والسؤال هو: هل صرنا رائعين حقًا؟!

عندما تتأمل تجربة «عبد الناصر» ككل تجد أمامك رجلاً شريفًا ذا تطلّعات عظيمة، وحتى بعد أربعين عامًا من وفاته ما زال كُتّاب لا يحملون له أية مودة مثل «فهمي هويدي» و«د.جلال أمين»، يعترفون بأنه كان بعيد النظر في أمور كثيرة .. سياسته الأفريقية الناجحة لم تكن تهدف إلا لتأمين ماء النيل ومنع تسلل إسرائيل إلى المنابع، ونحن ندفع ثمن توقّف هذه السياسة اليوم. لم يكن هناك تضخّم، هناك كتاب كل ساعتين، سد عال، صناعات ثقيلة، نهضة كاسحة للأزهر جعلت الطلاب المسلمين الأجانب يعتبرون مصر قلب العالم الإسلامي، مشاريع حرب بيولوجية ونووية، الشاب يجد عملاً ومسكنًا، هيبة واضحة بين دول العالم، مصر مركز مهمّ في قلب الدائرة الأفريقية والعربية والإسلامية، وحدة وطنية حقيقية بين الهلال والصليب،

معدّل نمو غير مسبوق كما وصفه “د. جلال أمين” عالم الاقتصاد البارز .. هل أنت متأكد من أنني أصف نظامًا فاشلاً؟ .. يبدو لي أن هذا قريب جدًا من تعريف النجاح.

المشكلة هي أننا في عصر اختلطت فيه الأمور، وتحوّل من ماتوا إرهاقًا من أجل أمتهم إلى زُناة ينتهزون أية فرصة تسنح لهم في المستشفيات! .. بينما من باعوا الوطن فعلاً يجدون من يتنمّر في الدفاع عنهم، وهذا يعطينا فكرة بسيطة عما نفعله بأبطالنا .. ولا حول ولا قوة إلا الله.

يتساءل البعض: ما جدوى هذا الجدل الذي لا ينتهي حول عبد الناصر والسادات؟ إنه جدل أبدي بين الأهلاوية والزملكاوية لا جدوى منه سوى جعلنا نعيش في الماضي للأبد، وفي النهاية لم نرَ أهلاويًا يغيّر انتماءه في نهاية النقاش فيعلن أنه صار زملكاويًا منذ اللحظة، والعكس صحيح.

الحقيقة أنني أختلف معهم .. أنا أرى أن مشاكل الحاضر هي حصاد أخطاء أحد الرجلين، ومن المهم أن نفهم من هو؛ لأنه ما زال حيًا حتى اليوم يحرّك كل شيء .. النقطة الثانية هي أن تتكون ذاكرة الأمم بشكل صحيح، وأن يعرف من قدّم حياته للوطن أن ذكراه ستُحترم على الأقل، وأن يتوقف مهرجان الأكاذيب؛ حيث الكل يكذب بوحشية وقسوة ولا يعنيه الشباب الذين لا يعرفون هذا ولا ذاك.

اخترت عرض كتاب «لمصر لا لعبد الناصر» الذي كتبه «محمد حسنين هيكل» عام 1976 في ذروة الحملة التي راحت تمزّق كل شيء قام به «عبد الناصر» في حياته، وقد لاحظت أن الكتاب قليل الشهرة بين كتب «هيكل»، كما أن القليلين جدًا من الشباب قد قرؤوه.

يقول هيكل عن طوفان «شهود العصر» الذي انفجر فجأة: «ظل هؤلاء من عام 1970 حتى عام 1974 يتمسّحون بذكرى الراحل، ثم بعد أربع سنوات كاملة اطمأنوا فيها إلى أن الجسد المكفّن لن يخرج من قبره، فتحوا أفواههم وتكلموا!».

وفي موضع آخر يقول: «مراجعة التجربة مطلوبة والتصحيح حق، لكن التصحيح يبدأ من افتراض أن القاعدة سليمة. ما يحدث في مصر الآن ليس كذلك.. إنه إدانة نهائية وكاملة.. ليست وقفة ولكنها محاولة اغتيال لكل ما كان.. إنها عودة ليست إلى الطريق لكنها عودة عن الطريق!».

طبعًا صار تفنيد التهم المتعلّقة بالاختلاس أمرًا منتهيًا بالنسبة لـ«عبد الناصر» .. أصدقاؤه وخصومه قالوا إنه شريف نظيف اليد، وكما قال تقرير المخابرات المركزية بعدما أضناها البحث في البنوك السويسرية عن حساب سري للرجل:

«الرجل أكثر كبرياء من أن يفسد!» .. The man is too proud to be corrupted

لم يعد أحد يستخدم هذه النقطة للتشهير، لكنها كانت مستخدمة في ذلك العصر بكثرة. وهنا يطرح «هيكل» سؤالاً منطقيًا: «من الذي يضع الأموال الطائلة تحت تصرف أصدقائه؟ المعسكر الرأسمالي أم الاشتراكي؟» .. من يبحث عن ثروة سوف يجد أن التعاون مع المعسكر الرأسمالي أقرب لتحقيق ما يريد. رئيس فيتنام الجنوبية «ثيو» كان يحصل على مائة مليون دولار تحت تصرفه كل عام بترتيب خاص مع الرئيس الأمريكي. من يبحث عن ثروة سيجد أن تجارة السلاح هي ينبوع الثروات، لكن «عبد الناصر» جعل كل مشتريات السلاح من الاتحاد السوفيتي، وهذا أغلق باب الرشاوى والأرباح من تجارة السلاح اللعينة. على كل حال قد قتلت هذه النقطة بحثًا لهذا أكتفي منها بهذا القدر.

تهمة حرب اليمن: في يوم من أيام أكتوبر 1962 قامت ثورة اليمن لتجد نفسها وحيدة في مهب الريح. طلبت الثورة الوليدة العون من مصر الشقيقة الكبرى، وطلب «عبد الناصر» رأي «أنور السادات» الذي كان اليمن والخليج اختصاصه؛ فكانت توصيته هي أن مصر يجب أن تتدخل، ولا يمكن أن تتفرج على ما يحدث في اليمن مكتوفة اليدين. وكان رأي السادات أن تدخُّل بعض قوات الصاعقة وسرب طيران واحد كافٍ جدًا. وكان أن رأى «عبد الناصر» رأي السادات، ولمدة خمس سنوات كان السادات هو الذي تولى إدارة الجهد السياسي المصري في اليمن. وقد أدى هذا التدخل إلى خروج بريطانيا من الجزيرة العربية، وأرخت أمريكا قبضتها على ثروات الخليج، فسمحت للشعوب بأن تنال بعضًا من خيراتها، وبدأت حركة تحديث في كل الأسر المالكة في الجزيرة العربية، بدأت بأن تولى الملك فيصل عرش السعودية. لقد غيّرت حرب اليمن وجه الجزيرة العربية للأبد، لكن الجميع يفضّل تناسي ذلك.

 

أما عن اتساع الحرب هناك فكان عن طريق جيوش المرتزقة الذين تم شراؤهم من لندن وباريس، حتى بلغ عددهم 15 ألفًا.. وتولّت الولايات المتحدة التنسيق لهذا العمل. وكانت إسرائيل هي التي تلقي بالذخائر لهؤلاء المرتزقة المقاتلين في الجبال. وكانت المخابرات الأمريكية تُطلق على العملية «حرب كومار» نسبة للضابط الذي يدير العملية. حرب اليمن إذن كانت مواجهة مفتوحة مع أمريكا وإسرائيل.

تهمة مذبحة القضاء: في العام 1969 وصلت تقارير لـ«عبد الناصر» تخصّ بعض أحكام القضاء، وتقضي بأن هذه الأحكام صدرت بطرد مستأجرين من الأرض التي استأجروها لصالح كبار الملاك، وبعض القضاة الذين أصدروا الأحكام هم من أسر تضررت من الإصلاح الزراعي. قام بتشكيل لجنة لدراسة الموضوع تتضمن «سامي شرف» و«شعراوي جمعة» والمستشار «عمر الشريف»، وعلى رأس اللجنة كان «أنور السادات». ثم ضمّ «عبد الناصر» لها «جمال العطيفي» مستشار الأهرام القانوني؛ لأنه يعرف حساسية التدخل في أحكام القضاء. كان العطيفي يملك تحفظات خطيرة لذا جلس عبد الناصر يسمع له عدة ساعات قبل أن يضمه للجنة.

تهمة مصادرة الصحف: تتعلق بإغلاق جريدة «المصري» التي يملكها «محمود أبو الفتح» ويرأس تحريرها أخوه. كان «محمود» يشكو من أن مصالحه تحارب في مصر، ومن هذه المصالح فشله في الحصول على مشروع سيارات النقل في القاهرة، ورفض لجنة في الجيش شراء البندقية عيار 86 التي كان يريد تسويقها. وهي أسباب لم تبدُ مقنعة لـ«عبد الناصر». بعد هذا بدأ «أبو الفتح» يتصل بـ«نوري السعيد» رئيس وزراء العراق (عدو عبد الناصر)، وقام بدعايات لا تتوقف ضد النظام في مصر. تشكّلت محكمة الثورة من عبد اللطيف البغدادي وأنور السادات وحسن إبراهيم، وصدّق اللواء محمد نجيب على الحكم بإغلاق جريدة المصري. كان هذا في 2 مايو عام 1954.

مولد الحقد الطبقي: يتكلم الناس عن أن الصراع الطبقي في مصر اختراع ابتكره «عبد الناصر». يرى «هيكل» أن الحقد الطبقي بلغ ذروته في حريق القاهرة قبل الثورة، عندما أعلن الناس أنهم غاضبون؛ لأن ما هم فيه من فقر ليس قدرًا اختصهم الله به، بل هو قسر فرضه القادرون. وكما قال الاقتصادي «عبد الجليل العمري»: «كان الاقتصاد المصري قبل الثورة كبقرة ترعى في أرض مصر، ولكن ضروعها تحلب في الخارج». وفي هذا الجو توالت حوادث اغتيال رؤساء الوزارات والشخصيات الهامة، (أمين عثمان – محمود فهمي النقراشي – أحمد ماهر – حسن البنا – الخازندار) .. وفي الريف هبّ الفلاحون مرارًا مثلما حدث في دائرة الأمير محمد علي وقصر البدراوي في بهوت.

لم تكن مصر واحة هادئة مستقرة قبل الثورة كما يحلو لهم أن يوحوا به، بل كانت تغلي. وكانت الوزارات تسقط خلال شهر. ثم جاء «عبد الناصر» .. أدرك أن الصراع الطبقي سوف يلطّخ التراب الوطني بالدم ويؤدي لحرب أهلية. ولسوف يؤدي تنافس القطبين الكبيرين إلى تدويل هذه الحرب مثلما حدث في إسبانيا. وهكذا قرّر أن يقوم بتحوّل اجتماعي بلا عنف ولا دماء، وعن طريق ما أطلق عليه «هيكل» اسم (تأميم الصراع الطبقي). السلطة الوطنية تسترد كل المصالح التي نهبها الأجانب مثل قناة السويس والمصارف وشركات التأمين .. ثم تصفي مواقع الامتيازات الطبقية في الأرض الزراعية، وهكذا صدرت قوانين الإصلاح الزراعي وتأميم المصارف وقوانين الحراسة التي تلاحق الثروات الفادحة. وقد سيطرت هذه السلطة على فرص التعليم ومظلة التأمينات الاجتماعية وأسعار الغذاء وأسعار المساكن.

يرى «هيكل» في ذلك الوقت المبكر (عام 1976) أن هذه التجربة سوف يدمّرها ظهور طبقة جديدة تكدّس ثروات هائلة أفرزها الانفتاح الاقتصادي.

لقد صار في مصر وقتها 500 مليونير جديد خلال عامين فقط.. هؤلاء يضغطون بشدة على الاستهلاك ويضغطون على القطاع العام لدرجة التحطيم. ومن مصلحة هذه الطبقة أن تبقى الجماهير في عقدة ذنب؛ لأنها ضيعت وعيها بانقيادها الأعمى للفارس فارع القامة الذي يشبه النسر.

هذه الطبقة خالية من الانتماء، على عكس الطبقة القديمة التي كان ثراؤها مرتبطًا بالأرض الزراعية لهذا كانت طبقة منتمية .. الطبقة الجديدة لا دور لها سوى شفط خيرات مصر وضخّها في الخارج.

وهذا ما حدث بالفعل.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق