تابعنا على الانترنت
استفتاء

عن سؤال الشرعية ونظام التشغيل الجديد

09/07/2018 07:42


د. حازم حسنى

الدكتور عز الدين شكرى فشير هو واحد من عقول مصر النابهة متعددة المواهب والأدوار، فهو ديبلوماسى وأكاديمى وكاتب وروائى مرموق، وما يكتبه يستحق بكل تأكيد أن يحظى بالاهتمام مهما كانت درجة الاتفاق أو الاختلاف الصحى مع ما يكتب ... ولقد لقى مقاله المعنون "لماذا سيتخلى العسكريون عن الحكم فى مصر" اهتماماً واسعاً، إذ رأى فيه الدكتور فشير أن "العسكريين، آجلاً أو عاجلاً، سيضطرون للتخلى عن الحكم والانسحاب من المجال العام، مفسحين المجال لبداية عملية تحول ديمقراطى حقيقى" تحت شروط معينة سردها الدكتور فشير فى مقاله الذى خلص فيه إلى ما خلص إليه استناداً لأربعة افتراضات علمية لم يجزم الدكتور فشير بصحتها، لكنه وضعها كشروط - إذا ما صحت، على حد تعبيره - فإنها تقود إلى ما خلص إليه من أن العسكريين سيضطرون يوماً ما للتخلى عن الحكم وفق شروط معينة.

فى سياق حديثه عن هذه الافتراضات الأربعة التى بنى عليها تحليله، طرح الدكتور فشير رؤيته حول فساد "نظام تشغيل" الدولة المصرية الذى اعتمده النظام العسكرى الذى أسسه السيسى، وتعبير "نظام التشغيل" هذا هو تعبير مجازى استوحاه كاتب المقال من ثقافة عصر المعلومات، وهو ما قد يتطلب منا تعميقاً للمنطق الذى طرحه الدكتور فشير فى مقاله بما يضيف إليه ولا ينتقص منه ... بيد أننى لا أريد فى هذه الرسالة أن أخوض فى هذا الذى أرغب فى إضافته مما قد أعود إليه لاحقاً فى رسالة أخرى، وإنما أريد التوقف قليلاً عند ظاهرة احتفاء "الإخوان"، أو بالأحرى الإعلام الإخوانى، بمقال الدكتور فشير، وبحديثه عن "نظام تشغيل" الدولة المصرية الذى يحتاج للمراجعة والتغيير؛ وسبب اهتمامى بهذا الاحتفاء هو أنه قد قفز فوق بعض التفاصيل التى تمثل العمود الفقرى للمقال ليأخذه فى مسارات أخرى غير تلك التى أرادها كاتب المقال؛ ولأن الشياطين تكمن دائماً فى التفاصيل، فإنه من الواجب أن ننتبه إلى بعض الأمور الهامة التى استهدفها االدكتور فشير فى مقاله، من واقع كلماته هو فى مقاله، لا من واقع قراءتنا لها.

فى البداية لابد من التنويه بتجاهل الإعلام الإخوانى الذى احتفى بالمقال لما ذكره الدكتور فشير صراحةً فى مطلعه عما كتبه فى مقال آخر له يعود إلى 2013 من أن "العسكريين، فى حال تخلوا عن المسار الديمقراطى، لن يستطيعوا الحفاظ على الدعم الشعبى الذى حصلوا عليه فى 30 يونيو، وأن أياً من القوتين المناهضتين للديمقراطية - الإخوان والعسكريين

- لن تستطيع فرض سيطرتها على مصر التى لن تستقر إلا من خلال نظام حكم ديمقراطى" ... كلمات الدكتور فشير هذه، التى وصفت الإخوان بأنهم قوة لا تختلف عن العسكريين فى مناهضتها للديمقراطية، تجاوزها الإعلام الإخوانى وكأنه لم يكتبها، مكتفياً فقط بالتركيز على عدم قدرة النظام العسكرى المناهض للديمقراطية على الاستمرار !

لن أخوض هنا فى تعميق مفهوم الديمقراطية وعلاقته بما ذكره الدكتور فشير عن "نظام تشغيل" الدولة المصرية الواجب تغييره إذا ما أريد للدولة المصرية أن تخرج من أزمتها، لكننى أكتفى هنا فقط بلفت الأنظار إلى الاتجاه الذى أخذ فيه الإعلام الإخوانى حديثه عن خروج العسكريين من الحكم وكأنه يصب فى مصلحة ما يدعى الإخوان أنه الوجه الوحيد للشرعية، أى شرعية الصندوق الذى أتى بهم لحكم الدولة المصرية لا شرعية التاريخ الذى أتى بالدولة المصرية نفسها إلى الوجود ! ... حديثى هذا عن الدولة المصرية بطبيعة الأحوال لا علاقة له بحديث السيسى ونظامه العسكرى عنها، فما نراه من تعامل هذا النظام مع الدولة المصرية هو أنه يأخذها عكس اتجاه التاريخ حتى لتكاد رياح التاريخ المعاكسة أن تمزق أوصال الدولة المصرية، إن لم تكن قد مزقتها بالفعل، حتى وإن اعتقدت بعض عظام وعضلات الدولة الممزقة - وهى غارقة فى أوهام ماقبل الفناء - أنها ما زالت قوية ومتماسكة بذاتها، وأنها قادرة على الحياة دون حاجة لباقى الجسد الذى يتمزق !

حديث "الشرعية" هذا هو جوهر الأزمة التى تعانى منها الدولة المصرية، ومن الغفلة أن نترك للإخوان توجيه سؤال الشرعية نحو ترميم "نظام تشغيل" التنظيم الذى يفقد مع الأيام منطق ملاءمته للتعامل مع "هاردوير" العصر وهاردوير المجتمع المصرى ... ولا أستطيع مغادرة هذه الرسالة قبل أن أحمد للدكتور عز الدين شكرى فشير أنه ذكر "الإخوان" كقوة مناهضة للديمقراطية ولم يعمم هذا الاتهام على كل الإسلاميين، ذلك أن البحث عن نظام جديد لتشغيل الدولة المصرية يجب أن يأخذ فى الاعتبار ضرورة قدرة هذا النظام الجديد على التعامل الكفء مع كل أطياف المجتمع المصرى، بإسلامييه وعلمانييه، ومسلميه ومسيحييه، وعسكرييه ومدنييه، وهى مهمة قاسية ومحفوفة بالمخاطر، تتطلب معرفة معمقة بالهندسة السياسية التى لا يجيدها ولا شك نظام السيسى الذى لا يعرف من علوم الدولة - بعد أن أفنى خمسين عاماً من عمره فى محاولة تعلمها - ما يجاوز حدود حياته العسكرية وما سبقها من حياة التجارة والبيع والشراء !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق