تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر المصرى حازم عبدالعظيم..شكر مضاعف لدكتور زوبع

03/07/2018 04:01


د. حازم عبدالعظيم

أعنقدنى مديناً لدكتور حمزة زوبع بالشكر على كرمه مع شخصى، لا مرة واحدة، ولا حتى مرتين، بل ثلاثاً ! ... أشكره أولاً لأنه اهتم بالرد على ما كتبت بالأمس، رغم أننى لم أكن لألومه لو أنه تجاهل الرد مكتفياً بأن يستخلص لنفسه من رسالتى ما تيسر له استخلاصه من معانيها ... ثم أشكره ثانياً على هدوئه "النسبى" فى الرد، فلم يأخذنا إلى مهاترات بعض تعليقات مواقع التواصل الاجتماعى التى اضطررت لحجب بعض أصحابها ممن يغنون على لياليهم فيشتتوننا عن جوهر ما نناقشه من قضايا لم تعد تحتمل مثل هذه المهاترات الصبيانية ... وأخيراً أشكره وبعمق على ما تفضل بعرضه من حديث قديم لى يدعم موقفى من حيث أراد الدكتور زوبع أن يثبت العكس !

قد أبدأ اليوم بالتعليق على مضمون حديثى القديم هذا الذى استدعاه الدكتور زوبع من الأرشيف، فهو يتيح لى أن أجيبه عن سؤاله الذى ظنه معجزاً حول العلاقة الملتبسة بين وجهين مختلفين لشرعية الحكم فى أى دولة حديثة أو قديمة لا فى مصر 2013 وحدها

لا أعتقدنا سنختلف حول حقيقة كون المؤسسة العسكرية واحدة من أهم مؤسسات الدولة، وحتى إذا لم تكن أهم هذه المؤسسات - لأسباب ظرفية تختلف من دولة لدولة، ومن مرحلة تاريخية لمرحلة تاريخية أخرى - فإنها تبقى دائماً أكثر مؤسسات الدولة خطراً ... حتى الجيش السويسرى يبقى أخطر مؤسسات الدولة السويسرية حتى وإن لم يكن بالتأكيد أكثرها أهمية !

خطورة مؤسسة الجيش هذه هى التى تقف وراء تضمين الدستور - أى دستور - لنصوص تتحدث عن وظيفتين أساسيتين لرئيس الدولة، أعنى كونه رئيساً للسلطة التنفيذية وكونه قائداً أعلى للقوات المسلحة؛ فلا يملك رئيس الدولة بهاتين الصفتين شرعية واحدة وإنما هو يملك شرعيتين: إحداهما شرعية وجوده على رأس السلطة التنفيذية، والثانية هى شرعية وجوده قائداً أعلى للقوات المسلحة، مع التأكيد دوماً على أن هذه الوظيفة الأخيرة هى كالوظيفة الأولى مدنية لا عسكرية كما يظن البعض - للأسف - حتى من بين القائمين على مسؤوليات الحكم فى بلادنا ! ... كان يمكن للمشرع الدستورى أن يضم الجيش إلى سلطات الدولة التنفيذية (وهو وضع وزارة الدفاع التى هى جزء من السلطة التنفيذية بالفعل)، لكنه حرص دائماً - ليس فى مصر وحدها - على أن يفصل الجيش دستورياً عن السلطة التنفيذية، حتى وإن جمع شخص واحد بين وظيفتى وزير الدفاع وقائد الجيش، بل هو يؤكد ضمنياً على إمكانية الفصل بين المنصبين؛ فالجيش ليس سلطة من الأساس، وإنما هو "قوة" لها وضعها الخاص والخطير فى بنية الدولة، أى دولة، والفرق هائل وشاسع بين مفهوم "السلطة" ومفهوم "القوة" !

دعونا نتذكر ما قاله الرئيس الأمريكى الأسبق دوايت أيزنهاور فى خطبة الوداع عند انتهاء رئاسته من تخوف صريح ومعلن على مستقبل السلطة فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحذيره للشعب الأمريكى من تنامى قوتين، إحداهما هى قوة المؤسسة العسكرية التى كانت تتنامى ببمعدلات متسارعة وغير مسبوقة فى التاريخ الأمريكى، بما يهدد أداء السلطات الدستورية لوظائفها، وبما يهدد بنية المجتمع الأمريكى نفسه، والدولة الأمريكية نفسها، إن لم تجد أمريكا الحكمة اللازمة للتعامل مع فائض هذه "القوة" الزائدة !

دعونا نتذكر أيضاً ما واجهه الرئيس الفرنسى الحالى إيمانويل ماكرون فى بداية حكمه من أزمة المواجهة مع الجيش الفرنسى الذى اعترض بصوت عالٍ- قبل ساعات من الاحتفال بذكرى الرابع عشر من يوليو - على حجم مخصصات الجيش فى الموازنة العامة للدولة، فما كان من ماكرون إلا أن وظف مهارته السياسية الفائقة ليؤكد على مسؤولياته كقائد أعلى للقوات المسلحة الفرنسية، ولأنه حظى وقتها بثقة الجيش فقد اضطر قائد الجيش إلى حضور العرض العسكرى فى الرابع عشر من يوليو إلى جانب الرئيس الفرنسى، ثم اضطر الرجل لتقديم استقالته بعد ذلك بساعات !

دعونا نتذكر ثالثاً كيف كانت علاقة الندية بين جمال عبد الناصر (رأس الدولة) وبين عبد الحكيم عامر (قائد الجيش)، على ما كان يتمتع به عبد الناصر من شعبية جارفة لا يمكن التشكيك فيها ولا يمكن أن نقارنها بشعبية الدكتور محمد مرسى الذى فاز بالرئاسة - فى أوج شعبية الإخوان - بفارق زهيد عن نسبة الخمسين بالمئة !

هذه مجرد أمثلة على ضرورة أن يملك رأس الدولة ملكات خاصة تمكنه من التعامل - رصداً وإدراكاً وفهماً - مع عناصر هذه "القوة" التى إن هى خرجت عن السيطرة فإنها تهدد شرعيته بحكم تأثيرها المباشر على أداء باقى مكونات الدولة !

كم أرجو من الدكتور زوبع أن يتذكر معنا - بهدوء وموضوعية، وبغير حساسيات تاريخية أو أيديولوجية - كيف كانت العلاقة بين المرشد المؤسس لجماعة الإخوان وبين رأس التنظيم الخاص عبد الرحمن السندى، وكيف أن حسن البنا نفسه لم يكن قادراً على إخضاع السندى الذى كان يتعامل معه بندية كاملة، وكيف كانت العلاقة بين السندى بعد اغتيال البنا وبين المرشد الثانى المستشار حسن الهضيبى مما يطول بيانه ويسئ لتاريخ الإخوان أن نخوض فيه ... فإذا كان هذا هو حال العلاقة الحرجة بين مرشد جماعة - مهما عظم

شأنها - وبين تنظيمها الخاص، فما بالنا بعلاقة أكثر خطراً بين رئيس دولة وبين جيش هذه الدولة !

مؤسسات "القوة" لها دائماً وضعها الخاص والخطير فى بنية أى جماعة إنسانية وأى دولة، وهذا الوضع الخاص والخطير للجيش، الذى هو مؤسسة "القوة" الأعظم فى الدولة، يتطلب من أى رئيس دراية خاصة بكيفية التعامل معها، وبغير هذه الدراية - وهذه الحكمة - يفقد رئيس الدولة شرعيته حتى ولو كان قد فاز فى انتخابات حرة نزيهة بمئة فى المئة من أصوات الناخبين ! ... هذه من بديهيات فنون الحكم التى لا تعترف باجتهادات الهواة !

شرعية رئيس الدولة كقائد أعلى للقوات المسلحة لا تستند إذن إلى إرادة الناخبين وحدها، وإنما أيضاً إلى قدرة الرئيس المنتخب على أن يحظى بثقة الجيش، وهى الثقة التى تقاس بقدرته على إصدار أوامر قيادية يتقبلها الجيش وينفذها دون إثارة مشاكل ثقةً منه فى كفاءة القيادة وفى قدرتها على اتخاذ القرار ! ... إذا فقد الرئيس ثقة الجيش لأى سبب من الأسباب، ومن ثم لم يعد الجيش مستعداً للانصياع لأوامر قائده الأعلى، فإن الرئيس يفقد مكوناً رئيساً من مكونات شرعيته، ويتحول إلى بطة عرجاء أو أوزة عرجاء، لا فرق؛ فهى إن لم تُذبح وتُطهى فى الوقت المناسب أكلتها الذئاب الجائعة بغير طهى وبغير استئذان !

ما سبق هو تحديداً ما دفعنى لاتخاذ قرارات فى حياتى لم يفهمها الكثيرون، والامتناع عن اتخاذ قرارات أخرى كان ينتظرها منى الكثيرون ! ... امتنعت عن تأييد الأستاذ خالد على، فهو - بغض النظر عن فرص فوزه - لم تكن له أدنى فرصة للفوز بثقة الجيش لاستكمال عناصر شرعيته كرئيس للدولة ... لم يكن هذا القصور مما يختص به الأستاذ خالد على، فأى وجه مدنى آخر - مهما كانت صلاحيته النظرية لتولى منصب رئيس الدولة - لم يكن ليحظى بثقة الجيش فى هذا الظرف التاريخى الذى تمر به مصر، فالثقة مفقودة بين المدنى والعسكرى لأسباب معقدة يطول شرحها؛ ومن ثم قبلت بعد تردد الانضمام للفريق سامى عنان - رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق - لأنه الوحيد بين كل الوجوه التى بقيت مطروحة على الساحة الانتخابية وقتها من كان يملك فرصة حقيقية للفوز بثقة الجيش بعد الفوز بأصوات الناخبين، فضلاً عن أنه كان يتمتع بحس سياسى يسمح ببدء بناء جسور الثقة بين ما هو مدنى وما هو عسكرى ! ... لا أناقش هنا ينبغيات العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وإنما أناقش فقط العلاقة الموضوعية القائمة بين الجانبين فى مصر 2018 !

أصل هنا إلى السؤال الذى طرحه الدكتور حمزة زوبع على شخصى عما عساها تكون الأوضاع، وعن ماذا يكون موقفى، إذا ما كان قد فاز الفريق عنان بكرسى الرئاسة لكنه لم ينجح فى أن يحظى بثقة الجيش؟! الإجابة واضحة، وهى أنه كان سيفقد ركناً أساسياً من أركان شرعيته ومن منطق وجوده على رأس الدولة، لولا أنه لم تتح له أصلاً فرصة ممارسة دوره كقائد أعلى للقوات المسلحة ... هذا هو ما لم يفهمه الرئيس مرسى الذى أتيحت له هذه الفرصة، ولا فهمته الجماعة التى كانت توجهه ... فكل من تابع لقاء الدكتور مرسى بأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يوم الخميس 11 أبريل 2013، أى قبل اثنى عشر أسبوعاً بالضبط من أحداث الثالث من يوليو (الذى تحل ذكراه الخامسة اليوم)، لابد وأنه رصد من مجريات الحدث، ومن لغة الجسد وتتابع الكلمات، أن ثمة أزمة عميقة كانت قد بدأت تطفو معالمها فوق السطح بين رأس الدولة والجيش؛ وللأسف فإن الرجل لم تكن لديه الدراية الكافية لفهم فنون الحكم ليتعامل مع هذه الأزمة بما يناسبها، ولا كان لدى مكتب الإرشاد الذى يوجهه أى قدرة على التمييز، فظل الرئيس وجماعته يتعاملان مع الجيش وكأنهما يتعاملان مع التنظيم الخاص، دون أن يستفيد أى منهما شيئاً من دروس العلاقة الصعبة التى قامت بين عبد الرحمن السندى وحسن البنا، أو تلك التى قامت بينه وبين حسن الهضيبى، ولا هما استفادا حتى من دروس العلاقة الأصعب بين حسن الهضيبى نفسه وبين جمال عبد الناصر الذى قيل إنه كان فى يوم من الأيام عضواً فى التنظيم الخاص، تماماً كما ظن الدكتور مرسى ومن ورائه الدكتور بديع أنه يمكنهم التعامل مع عبد الفتاح السيسى وكأنه مندوب الجماعة فى تنظيم خاص جديد عنوانه "الجيش المصرى" !

لم ينته هذا الحديث ذو الشجون بعد، لكنها مجرد بداية لطرح بعض مقدمات الثالث من يوليو، الذى هو يوم أكثر تعقداً من مجرد صورة صماء عرضها الدكتور زوبع وهو يرد على حديث الأمس ليسألنى هل أنا راضٍ عن هذا المشهد أم لا؟ إجابة هذا السؤال تحتاج تفصيلاً، ولا تحتمل الإجابة بنعم ولا بلا ... وللحديث بقية أستكمله فى الأيام القادمة لأستكمل معه - وبشكل عملى - شكرى المضاعف للدكتور زوبع أن طرح أسئلة صعبة نحتاج لطرحها، وللبحث لها عن إجابات مهما كانت قسوتها، ومهما كانت مخيبة لتصوراتنا عن شكل الحياة، وهو نوع من الإجابات لا يمكن أن يصل إليها أى عقل انفعالى !

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق