تابعنا على الانترنت
استفتاء

المفكر الاقتصادى إبراهيم نوار..يكتب: أكذوبة الأسعار العالمية !

12/05/2018 07:17

يحلو لبعض المسؤولين أن يستهينوا بعقول المواطنين، إلا اذا كانوا هم فعلا يجهلون ولا يعلمون. ومن ضمن الحجج التي يرددها من لا يعلمون حجة الأسعار العالمية، فالحكومة لا حول ولا قوة إلا بالله تتعب وتشقى ليل نهار لتقدم للشعب خدمات وهدايا بأقل من الأسعار العالمية،

ولذلك وبسبب هذا الدلع من جانب الحكومة للناس فقد تدهور الحال، ولكي يستقيم يجب أن تحصل الناس على الخدمات والسلع بالأسعار العالمية، لأن المصري ليس على راسه ريشة، هو مثل غيره بالضبط، وهو ايضا يجب أن يشتغل وأن يتعب، الذي يشتغل يأكل ومن لا يشتغل لا يستحق أكله، واللي معاه ياخد، اللي ما معاهوش ما يلزموش!

الحقيقة إن الأسعار العالمية دي حجة غريبة، لأن السلع والخدمات غير القابلة للنقل والتداول ليس لها أسعار عالمية، وإنما تتحدد أسعارها محليا، وحسب اعتبارات محلية بحتة، ومن ذلك مثلا أسعار الأراضي. فالأراضي في مصر لها سعر وفي السعودية لها سعر وفي اوروبا لها سعر. ليس ذلك فقط بل ان الأسعار في مصر وفي امريكا واوروبا تختلف حسب الموقع.

وتعتبر الأراضي أحد عناصر تكاليف الإنتاج، ويتمثل ذلك إما في تكلفة شراء الأرض، او في تكلفة إيجار المنشآت. ومن ثم فإن تكلفة الإنتاج في مصر تختلف عنها في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، لأن أسعار الأراضي وتكاليف الإيجار تختلف من مكان إلى مكان حتى في البلد الواحد.

ولا يتعلق الأمر بتكلفة الأرض فقط، بل يتعلق أيضا بتكلفة العمل، فالعامل أو الموظف في مصر لا يحصل مقابل عمله في الساعة أو في اليوم ما يعادل مثيله في البلدان الاخرى. على سبيل المثال يبلغ متوسط الحد الأدنى لأجر العمل/ساعة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حوالي 10 دولارات، اي حوالي 180 جنيها في الساعة، وهو ما يزيد عن أربعة اضعاف الحد الادنى الرسمي للأجر في اليوم في مصر. ومن ثم فإن الحد الأدنى لتكلفة يوم العمل في الولايات المتحدة واوروبا يبلغ (10 دولارات× 8 ساعات) 80 دولارا، اي 1440 جنيها، وهو ما يعني ان الحد الادنى لتكلفة يوم العمل الواحد هناك يزيد عن الحد الأدنى لتكلفة العمل في الشهر في مصر!

وتعتبر تكلفة العمل إيجار الارض من أهم مكونات التكلفة التي تقرر سعر السلعة

أو الخدمة على المستوى العالمي. فاذا كانت تكلفة ساعة العمل لسائق القطار في مصر تبلغ حوالي 35 جنيها، بينما ساعة العمل لسائق القطار في اوروبا او الولايات المتحدة 35 دولارا، اي ما يعادل أجر السائق المصري 18 مرة، فليس من المنطقي أن تفرض الحكومة على المواطنين أن يدفعوا السعر العالمي لتذكرة القطار، وليس من المنطقي مقارنة سعر تذكرة القطار في مصر بمثيلها في أوروبا، خصوصا اذا اضفنا مواصفات الخدمة الى عناصر التكاليف.

وقد لاحظت أيضا أن بعض الشركات تستفيد من منطق الحكومة بأن ترفع هي الأخرى أسعار منتجاتها لتقترب من الأسعار العالمية، خصوصا منذ قرارات 3 نوفمبر 2016 الغشيمة. خذ على سبيل المثال شركات انتاج الزيوت (سلعة غذائية ضرورية)، أو شركات انتاج الشيكولاتة (سلعة غذائية ترفيهية). هذه الشركات لم تحصل على الأراضي التي أقامت عليها منشآتها بالسعر العالمي، وإنما هي حصلت عليها غالبا بسعر رمزي هو دولار واحد فقط (1 دولار) للمتر المربع، وهي لا تدفع لعمالها وموظفيها ما يعادل الأجور العالمية لساعات العمل، وهي لا تحصل على الخدمات الأخرى بما فيها إمدادات المياه والكهرباء بالاسعار العالمية.

وهذه الشركات (وربما لا تعلم غالبية الناس ذلك) لا تلتزم على الإطلاق بالمواصفات العالمية للإنتاج. على سبيل المثال تستورد معظم شركات الزيوت من الخارج زيوتا ثقيلة من نواتج عمليات الانتاج والتقطير في المصانع العالمية، ثم يتم معالجة هذه الزيوت الثقيلة كيماويا (بسبب وجود نسبة شوائب عالية من مخلفات التقطير) كي تصبح في هيئة مقبولة للمستهلك. وفي حال شركات انتاج الشيكولاتة، فانها تستورد خامات رديئة (درجات متدنية من الخامات ربما درجة ثامنة وتاسعة وعاشرة) وتقوم بتصنيعها وتصريفها في السوق المحلي بأسعار تقترب من الأسعار العالمية.

أسطوانة "الأسعار العالمية" هي إذن اسطوانة مشروخة، تغني الحكومة على أنغامها غنوة مشروخة، بغرض خداع المواطنين وإيهامهم بأن الحكومة تتعطف عليهم وتتكرم وتقدم لهم ما يوجب عليهم تقبيل الأيدي والأقدام. الحكومة لا تدفع للعمل الأسعار العالمية التي يستحقها، ولا تدفع للمنتجين المحليين الأسعار العالمية لمنتجاتهم، ولا تقدم للناس خدمات ومنتجات بمواصفات عالمية، إبتداء من السلع والخدمات الاساسية مثل الخبز والزيت والنقل والطرق، وحتى السلع والخدمات الترفيهية مثل الشيكولاتة والسينما والرحلات. ومع ذلك فهي تريد من الناس أن يدفعوا لها صاغرين الأسعار العالمية لكل شيئ.



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق