تابعنا على الانترنت
استفتاء

إذ تَلَقَّوْنَه بألسنتكم

02/05/2018 07:41


د. إبراهيم عوض

كنت أقرأ قبل قليل قوله تعالى فى سورة "النور" مخاطبا أصحاب الإفك الحمقى المرضى ومبينا كيف أنهم كانوا ينشرون الشائعات الآثمة عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها ويرددون ما يقال فى عرضها الشريف دون وعى أو تدقيق أو ضمير، فكانوا يتلقون الشائعات بألسنتهم ويقولونها بأفواههم.

ونحن نقول عمن يردد ما يسمع دون تحقيق أو مراجعة:

يا له من ببّغاءٍ ** عقله فى أذنيهِ

ونقول أيضا: فلان يسمع الكلام من أذن، ويخرجه من الأذن الأخرى...

لكن القرآن يقول شيئا جديدا عجيبا، وهو أن أصحاب الإفك كانوا يتلقون الشائعات بألسنتهم، أى لم يكونوا يتلقونها بآذانهم حتى لو تركوها تخرج فى الحال من الناحية الأخرى. فهم قد ألغوا لا عقولهم فقط بل آذانهم أيضا، وصاروا يتلقون الكلام بألسنتهم مباشرة دون إمرارها بالأذن، ثم يطيرونها فى الحال بألسنتهم أيضا إلى ألسنة الآخرين، فلا عقل ولا فهم ولا تحرج ولا وعى ولا أخلاق. وهى صورة جديدة فيما أعرف، إذ لم يسبق لى أن رأيتها لا من قبل ولا من بعد.

وكان فى قسمنا أستاذ كبير له فضل فى تعيينى بالقسم، فكان

يحذرنى من "الرومرز" (الشائعات: بالإنجليزية)، وينبهنى إلى وجوب التنبه لها والابتعاد عنها لأننى لو طاردتنى شائعة فمن الصعب أن أسلم منها لأن الناس لا تحكِّم عقولها فى مثل تلك الأحوال، لا العامة فقط بل وكبار المتعلمين والأساتذة الجامعيين. وقد أثبتت الأيام أن كلامه صحيح على طول الخط، فيا لله لمن أطلقت عليه شائعة من الشائعات بغض النظر عن صحتها أو خطئها، إذ من الصعب أن يخرج منها نظيف الملابس.

وأذكر فى هذا السياق أستاذا آخر من سنى ومن أصدقائى، وأعرف عنه جيدا رحمته بالضعفاء والمساكين وانتهازه كل فرصة لإكرامهم بالمال رغم أنه لم يكن يملك سوى مرتبه، ومع هذا كان هناك أستاذ آخر يسارى يتشدق بالتقدميه والوقوف مع الفلاحين والعمال رغم أنه كان شديد الشح معهم والقسوة عليهم، وإذا أستطاع أن يخطف اللقمة من أفواههم ويضعها فى فمه لم يتورع عن ذلك. ومع هذا كله كان كثير من الناس يتصورون الآخر الشحيح بطلا صنديدا لكتاباته الزاعقة دفاعا عن الفلاحين والعمال، ويطنون الأول بارد المشاعر تجاه هؤلاء المساكين.

ورأيى أننا، فى المجتمعات المتخلفة، نحب الزعيق والكلام المتشنج ونفضله على العمل والتطبيق الهادئ

 



لمعرفة المزيد

تعليقات
اضف تعليق

الاسم

البريد الالكترونى

التعليق